مشكلة اصطناع اللهجة العامية .
________________________________________

مشكلة اصطناع اللهجة العامية مشكلة لا تخلو من تعقيد، فهي من جهة تجد الواقع يقول بأن من الصعب رفضها رفضا قاطعا لأنها لغة حياتنا اليومية، يتحدث بها الصغير والكبير، فيما يتعلق بحاجاتهم في مختلف نواحي الحياة، ولابد أن يستدعي هذا نوعا من التعبير عن النفس في بعض الحالات، منها هدهدة الأم لطفلها عند النوم، ويقال مثل ذلك في تعبير الإنسان العادي عن نفسه في حالة فرحه وحزنه، وفي حالة ملاقاته للمشاق والمصاعب في أوقات معينة كالعمل في البحر، والعمل المرهق في بعض الحالات. وقد نتج عن ذلك وجود أشعار ليس لها تأثير على من لم يعايش تلك الحالات المعينة.
ويبدو أن بعض الناس توسع في ذلك فأخذ يكتب معبرا عن نفسه شعرا ونثرا معتقدا أنه لا يستطيع أن يوصل ما في نفسه لغيره إلا بهذه اللهجة، وأنه بذلك يعبر عن فئة كبيرة من الناس، مما جعل بعض الصحف تفرد صفحات لهذا اللون من التعبير والتفكير.
فأنت ترى من هذا أن مقاطعة اللهجة العامية مقاطعة تامة لا تخلو من صعوبة. ومع هذا فإنه لا يجوز أن نترك هذه اللهجة في نمو مطرد لأن في ذلك خطرا غلى لغة القرآن، كما أن في تعزيز اللهجة العامية أقوى وسيلة لتفتيت كيان هذه الأمة. وقد أدرك أعداء الأمة العربية هذا الأمر فبادروا إلى الدعوة لاصطناع اللهجة العامية معتمدين على ما ذكرناه من امتزاجها بالحياة اليومية.وقد تنبه كثير من علمائنا ومفكرينا القدامى إلى خطورة هذا الأمر مما جعلهم يؤلفون الكتب موضحين ما ينشأ من أضرار حين نهمل قواعد لغة القرآن، وذلك حين يكون تعبيرنا عن أفكارنا وعواطفنا بصورة فنية، فهذا أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي المتوفي عام 189 هـ يؤلف كتاب "ما تلحن فيه العامة". وجاء أبو عبيدة المتوفي عام 209 هـ فصنع كتابا بعنوان "لحن العامة"، وأبو حنيفة الدينوري المتوفي عام 290 هـ كتب في الموضوع نفس. وغير ذلك كثير.
خطر التدريس بالعامية
ومن المحقق أن أضرار اصطناع اللهجة العامية في هذه الأيام أعظم منها فيما مضى من العصور، لما للتلفاز، والإذاعة والصحافة من أثر قوي على الناس. إذ أنها تلقانا في الصباح وفي المساء. ويكون خطرها أشد في وأقوى حين يكون إلقاء الدروس في المدارس والمعاهد والجامعات باللهجة العامية لأنه يضعف اللهجة الفصحى في نفوس ناشئتنا، إذ أنهم لا يتحدثون بها في منازلهم وبين أصدقائهم، ولا يحدثون بها في مدارسهم إلا في حالات معينة عندما يأتي تدريسهم للقرآن.
لهذا رأت جامعة الملك سعود أن تساهم مساهمة فعالة في معالجة هذه القضية، وذلك بتمويل الدراسة التي قام بها "الدكتور مرزوق بن ضيتان بن تنباك". وليس من شك أن هذه الجامعة قد قدمت خدمة جليلة، خاصة وأن الذي قام بهذه الدراسة يحمل ثقافة عربية إسلامية عميقة، مكنته من إدراك ما يقوم به أنصار اللغة العامية من عمل خطير على لغة القرآن، وقد سلك في الدفاع عن اللغة الفصحى طريقا علميا، فهو يعتمد على ذكر حجج الذين يسعون لتقوية اللغة العامية والفكر العامي، يورد هذه الحجج بنصوصها، ثم يفندها تفنيدا محكما معتمدا في ذلك على الأدلة القاطعة، فهم يقولون إن الشعر العامي الذي نظمه أصحابه قبل انتشار التعليم، وقبل انتشار الوعي وتفتح الفكر، هذا الشعر، يتضمن تاريخ تلك الحقبة، ففيه نجد صورة متكاملة لحياة الناس في تلك العهود. هذه حجة تكاد تكون أقوى حجج الدعاة إلى الفكر العامي واللغة العامية. والرد عليها سهل يسير وهو : أن حفظ الشعر القديم شيء مرغوب فيه من مضامين اجتماعية وتاريخية، لكن هذا شيء والدعوة إلى تقوية اللهجة العامية في الوقت الحاضر شيء آخر.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 217 مشاهدة
نشرت فى 1 يونيو 2012 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

257,850