الآخر فى الشعر الفلسطيني

مسألة لا تزال تثير الأسئلة أكثر مما توفر من أجوبة


اعتبر الكاتب على الخليلى كتاب "صورة الآخر فى الشعر الفلسطيني" للمتوكل طه أنه رؤية نقدية معيَّنة، فى مسألة لا تزال تثير الأسئلة أكثر مما توفر من أجوبة، فى مرحلة غرائبية.

وقال الخليلى فى قراءة نقدية لكتاب طه الذى جاء فى 537 صفحة من القطع الكبير، إنه، صورة من صور التهافت إزاء "الآخر" المتشابك والمعقد، رغم أنه ذو وضوح لا يقل عن وضوح النكبة التى نحياها ونموتها جيلاً بعد جيل.

وأشار إلى أن الدكتور طه فتح عبر كتابه الذى صدر عن المركز الفلسطينى للدراسات والنشر والإعلام فى رام الله بالضفة الغربية قبل بضعة أيام، هذه بوابة مصطلح "الآخر" على مصراعيها، ودخل إليه باحثا ً ومنقبا ً فيه، وفى تطوراته وتقلباته ومعانيه وإيحاءاته المباشرة وغير المباشرة.

وأضاف الخليلى أن طه دأب بدقة عبر سلسلة طويلة من المصادر والمراجع، منها أو على رأسها، عشرات الدواوين الشعرية الحديثة، إلى جانب شهادات، حصل عليها من أدباء وشعراء، تتضمن قراءاتهم الفكرية للمصطلح، دون أن يغفل العودة المنهجية إلى الماضى فى الثقافة العربية ومجاميع الشعر العربى القديم، على مدار عدة عصور ومراحل، فى تتبعه لجذور هذا المصطلح ذاته.

وأوضح أن طه يندفع فى مقدمة الكتاب على الفور، إلى تأكيد "الاختلاف فلسطينياً على وجه التحديد فى توصيف "الآخر" على اعتبار ما هو حاصل بالفعل من "اختلاف " بشأن فلسطين مكاناً وزماناً وشعبا ًوقضية.

وأشار الخليلى إلى قول طه فى الكتاب"يختلف معنى "الآخر" فى فلسطين عنه فى أى مكان آخر، ذلك أن الآخر هنا ليس مجرد فكرة، أو مجرد منتج صناعى أو ثقافي، بل هو يوجد فى مشروع استيطانى إحلالى مرعب.

و" الآخر" فى فلسطين صاعق وقوى ومسيطر ومُذلّ، ويضيف طه حسب ما نقله الخليلي"فى فلسطين لا تتم معرفة الآخر من خلال وسائل المعرفة العادية، وإنما من خلال لغة الدم ورائحة التراب"، الآخر، فى هذا التوصيف الذى يؤكد عليه المؤلف لا لبس فيه، فهو " اليهودي" والصهيونى والإسرائيلى " الذى تحول بعد اتفاق اوسلو، من صورة " المحتل" إلى صورة " الشريك" ومن " العدو" إلى " الصديق"، وتحولت دولته من " الكيان " إلى " الدولة العبرية".

ويرى المؤلف حسب الخليلى "أن ما تغيَّر هو "نحن" فقط فى حين أن " الآخر" المعني" لم يُغَيِّر من جلده، ولم يُغيِّر من مصطلحاته، ولم يغيِّر من أهدافه، ولا من أساليبه، قائلاً " إسرائيل لم تتغيَّر، ونحن الفلسطينيين والعرب الذين تغيرْنا ! كيف؟.

ونسب الخليلى إلى طه "إن دراسته فى سياق الرد على هذا السؤال، " تحاول رصد جدال "نحن" مع ذاتها، بمعنى أنها ترصد جدال " ألانا" مع "ألانا" أكثر مما ترصده مع الآخر".

وأشار إلى أن "الآخر" الذى هو العدو أو الخصم، وقبل نشوء إسرائيل، موجود فى ثنايا النتاج الثقافى الفلسطيني، بوضوح قوي، دون وجود مصطلح "الآخر" بذاته حرفيا ً.

وأوضح الخليلى نسبة إلى الكتاب أنه فى سياق الوجود التاريخى للغزو الأجنبى لفلسطين، من الحروب الصليبية فى القرون الوسطي، إلى الاستعمار البريطانى عام 1917، وإلى ظهور الصهيونية التى أنتجت إسرائيل سنة 1948 كان " الآخر "موجودا ً بمسميات العدو، دون ولادة "المصطلح فى اللغة، وفى الخطاب، ومع حدوث هذه الولادة، وأضاف أنه فى دراما الاتفاق / السلطة، كان المصطلح نصه الحرفي، يعنى فى الواقع، ولادة ثقافة فلسطينية جديدة، لا ترى بإسرائيل عدواً أو خصما ً، بل هى جزء من شبكة " الآخر" فى الوعى الجديد ! وأوضح الخليلى أن طه يتوسع فى الفصل الثالث من الكتاب، فى بحثه عن صور شتى لهذا "الآخر" فى الشعر الفلسطيني، بعد اتفاق اوسلو، فإلى جانب الآخر العدو الذى كنا نحسب أنه الأكثر بروزا ً، نجد " الآخر السلطة"أو "الآخر السياسي" الذى يسيطر على هذا الشِّعر، أو يحاول السيطرة على الأقل.

وأضاف فإذا هو بارز إلى درجة التساوى مع "الآخر العدو " ويرصد طه فيما سمّاه جدال "الأنا" مع "الأنا" عدة "آخرين" وهم الآخر الاجتماعى أو ما يسميه "الفاسد " والآخر الشريك والآخر الجنسي، والآخر الغربي، والآخر الذات، حتى يصل إلى الآخر الميت".

وقال الخليلي: إنه من المثير أن يكون الآخر فى نهاية المطاف، هو " الآخر الميت"، فما حال الآخر العجيب ؟ وكيف مات ؟ ولماذا ؟ يقول المؤلف: ".

شِعرنا الفلسطينى بعد اتفاق اوسلو، تغيَّر تغيرا ً كثيرا ً جدا ً ، إذ صوّر الشعراء موتهم، لا لشيء إلا لإعلان خيبة أملهم ، ليس إلا ، وهذا ما نقصده تماما ً ، إذ ان الشعراء اشتّقوا من ذواتهم " آخر" ميتا ً ، عرضوه أمامهم ، رأوه وشاهدوه ، لكنهم لم يبكوا عليه أبدا ً ، هذا الآخر الميت لا يتميَّز بالعظمة ، ولا البطولة، ولا التميُّز ، إنه ثقيل ومرهق ، ويرغب بالغياب .


ونوه فى مدخله النقدى لكتاب طه إلى ظهور مصطلحات ومفردات كثيرة فى خطابنا الثقافي، بعد اتفاق اوسلو ونشوء السلطة الوطنية فى الضفة الغربية وقطاع غزة فى العام 9914، وهى جميعها تُعبِّر عن الخلخلة الدرامية التى أحدثها هذا الاتفاق / السلطة خلال فترة وجيزة جدا ً، فى خطاب يمتد عمره لأكثر من قرن.

وقال الخليلى إن من أبرزها مصطلح "الآخر"، الذى انتشر بنصه الحرفي، انتشاراً ًواسعا ً، كبديل لمصطلح أو مفردة " العدو " وما كان يشير أحيانا ً إلى " الخصم " وهما معا ً يفضيان تلقائياً إلى " إسرائيل "، فى المعنى المباشر لها، علما ًبأن مفردة " إسرائيل " ذاتها لم تكنْ تُكتب بنصها الحرفي، وإنما بكنية/ لقب/ صفة ما لها، مثل " الكيان"، أو وضعها بين قوسين، تكريساً لما كان سائدا ً على المستويين الرسمى والشعبي، من عدم الاعتراف بها، حتى جاء "الاتفاق" وصرَّح بالاعتراف.

وأضاف أنه مع أن " الآخر"، أوسع من مجرد "عدو"، أو خصم، فى الوعى فهو تركيب معقد للذات أصلا ً، ولحركة " الأنا" فى مواجهة الكون كله، فإن الخطاب الثقافى الفلسطينى المعاصر، أغلق بوابة هذا المصطلح، كما يبدو على معنى العدو المباشر، كأنه يصّر على بقاء العدو " القديم " حرفياً، رغم أنف الخلخلة الحاصلة فيه.

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 245 مشاهدة
نشرت فى 3 مايو 2011 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

256,193