كتب بسام بدارين : فلسطيني أردني.. كعك وبيض


فقط بعض المسؤولين الأردنيين يصرون على إقحام الجزيرة التي فشلوا في صنع ربعها في تفاصيل مشهدهم الداخلي والوطني.
وبسبب بؤس وسقم الخطاب السياسي للحكومة يمكن رصد المفارقة الغريبة التالية التي لا يمكن حصولها إلا في الأردن فقط: وزير مهمته التنمية السياسية - يعني بلغة موازية زلمتنا يحمل ملف الإصلاح الديمقراطي والسياسي - يقف خلال اجتماع لجنة اسمها لجنة الحوار الوطني ليتقدم بنقطة نظام.
يصمت الجميع ترقبا لنقطة نظام معالي الوزير عضو اللجنة فيقدم الرجل نقطته النظامية على شكل التعبير عن الاستياء من رأي زميل آخر عضو في اللجنة ظهر على شاشة محطة الجزيرة.
الوزير المختص والمعني مباشرة بإدامة وخلق وتفعيل الحوار بين القوى السياسية.. هذه فعلا وظيفته في وزارة مصنفة كحمولة زائدة لا يستطيع احتمال صحافي وكاتب مخضرم قال رأيا للتو في الجزيرة، وكل ذلك يحصل أثناء اجتماع لجنة عليا مهمتها أصلا الحوار.
المفارقة هنا ان الوزير المعني وهو المثقف القومي التقدمي مازن الساكت عين وزيرا للتنمية السياسية، كدليل على ان الحكومة فيها طعم مسيس جرب في الماضي نكهة المعارضة، او عبر على الأقل من شارع المعارضين.. بمعنى آخر خلفية الرجل الفكرية والحزبية والسياسية تتطلب منه ان يتقبل الرأي الآخر خصوصا على طاولة لجنة حوار عليا.
والمثير ان الرجل الذي اعترض عليه معالي الوزير هو الزميل الصحافي موسى برهومة الذي تتطلب وظيفته المنطقية في الحياة الإدلاء بآراء تختلف عن آراء جماعة النخب السياسية.
وهو نفسه الرجل الذي اختير أصلا بعد تدقيق عنيف من قبل كل الأجهزة بسجلات اهله وجيرانه عضوا في لجنة الحوار الوطني لأنه ببساطة شديدة يمثل رأيا مختلفا بالضرورة وينبغي ان يختلف عن آراء الوزراء.
ولو كان الأمر ينبغي ان لا يكون كذلك بمعنى وجود أشخاص كبرهومة في لجنة تخطط لمستقبل الإصلاح لما كان هناك مبرر أصلا لتشكيل لجنة حوار ممثلة للمعارضة ولاتجاهات المجتمع ولاكتفى الجميع بحوار وطني واسع وشامل يديره وزير التنمية السياسية برفقة وزير الزراعة ووزير النقل في الحكومة مثلا، ويمكن ان ينضم لهما في حالات الضرورة القصوى وزير التعليم العالي بسبب شراسته وعنفه عندما يتعلق الأمر بالإصلاح والديمقراطية.
رغم ذلك لا يستطيع الوزير الساكت، السكوت فيطلب نقطة نظام خلال اجتماع تشريعي ليوجه رسالته المزدوجة اولا ضد رأي زميله السياسي الذي قاله خارج اللجنة بصفته صحافيا، وثانيا ضد محطة الجزيرة التي لولاها لما وجد كثير من المسؤولين الأردنيين قصصا يحكونها او يحملونها الفشل المزمن للبيروقراطية الأردنية وفي كل شيء.
وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الجزيرة مسؤولة في الأردن عن الرجل السفيه الذي صنع حزاما ناسفا بدائيا وتوجه لمقر حزب جبهة العمل الإسلامي لتنفيذ عملية انتحارية بالشيخ حمزة منصور.
وبالقياس لا تقف مسؤوليات الجزيرة عند حدود ثقب الأوزون، فهي سبب انحباس المطر عن الأردنيين، وهي السبب في ظاهرة التهرب الضريبي والتخبط الإداري، وهي كذلك التي تتحمل مسؤولية شح المياه وانقطاع الكهرباء وتعملق الفساد وفساد النخبة وهتافات الملاعب، وهي التي تحرض على سحب الجنسيات، وكاميراتها حصريا هي التي أحضرت البلطجية لساحة دوار الداخلية لينهالوا تخليعا وتكسيرا في عظام المعتصمين وحرضت العشائر على أخوتهم في الدم والوطن.
الجزيرة هي سبب كل علة وبؤس ومشكلة في الأردن والهجوم عليها أو على من يظهر فيها هو الخيار الأول لكل منافق أو مزاود او محرض يكتفي بالتحدث فقط عن مؤامرة الجزيرة، ومن دون حتى ولو تعلم درس مهني واحد منها من باب (إعرف عدوك).

فلسطيني أردني.. كعك وبيض

أكثر من كاميرا ووسيلة إعلام زارت مخبز صلاح الدين الشعبي في عمق ضاحية العبدلي وسط العاصمة الأردنية عمان.
وأكثر من حادثة سياسية شهدتها بوابة المخبز البائسة التي يتجمع عندها العشرات يوميا وطوال 24 ساعة، فقد ضرب المعارض ليث الشبيلات عند المخبز، فعاد الرجل إلى الأضواء التي اعتزلها وصعد في الخطاب.
وزار المخبز قبل سنوات إمبراطور اليابان ويقال ان أمير الكويت طلب تزويده بمنتجات هذا المخبز عبر الحقيبة الدبلوماسية بسبب إعجابه الشديد به، وليس سرا ان نخبة من (الكبار إياهم) يختلسون الوقت منتصف الليل ويزورون مخبز الحاج صلاح الدين.
.. السؤال إذا ما الذي دعاني لاستذكار هذا المخبز الآن؟.. الجواب بسيط فالمسافة الفاصلة بين موقع المخبز ودوار الداخلية الشهير الذي شهد قمع اعتصام سلمي بقوة البلطجة والهراوة لا تحتاج لأكثر من دقيقتين في السيارة.
وثمة جواب أقسى سياسيا فمخبز صلاح الدين الشعبي الساحر لا يقدم إلا وجبة واحدة فقط للزبون وهي كعكة مقرمشة وبيضة مشوية وبسعر لا يزيد عن نصف دينار. وأحد خبثاء الصحافة الأردنية قال بأن المؤسسة الحكومية فيما يتعلق بقمع الاعتصام الشهير على دوار الداخلية ثم في مواجهة سلسلة الاعتصامات كانت مثل مخبز صلاح الدين تماما بعد أن اعتمدت على الوصفة القديمة البائسة وهي تخويف الناس من بعضهم لاحتواء مطالبات الإصلاح.
زميلنا الخبيت اعتبر ان استدعاء الانقسام في صفوف المجتمع الأردني بين الأردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني كان الوسيلة الوحيدة المتاحة للقضاء على الحراك السياسي.. بالتالي يقترح الرجل مقاربة تسمى فيها الحكومة وزارة كعك وبيض.
إنها فعلا وصفة كعك وبيض أي أردني - فلسطيني كأداة غير إبداعية بائسة تسببت بتهديد السلم الأهلي كما لاحظ الزميل فهد الخيطان.
ومن الواضح ان أحدا ما في مستوى صناعة القرار الأردني فرض على الجميع إيقاع رأيه القائل: فتتوهم واقسموهم وخوفوهم من بعضهم حتى يفلت النظام من مطب (الإصلاح).
ألا يوجد في فرن المؤسسات الحكومية سوى كعك وبيض لاحتواء المطالبات الإصلاحية بعد ظهور ملثمين مدنيين يشاركون رجال الدرك في قمع المعتصمين على أساس أنه تم تحرير دوار الداخلية من أردنيي الأصل الفلسطيني الذين يعتصمون ضد الوطن والنظام والملك، رغم ان كل تلك مجرد أكاذيب فلم يعتصم أحد في البلاد ضد النظام والملك. وقادة الاعتصام المقموع كانوا من خيرة أبناء العشائر الأردنية والوجود الفلسطيني في الأردن كان وسيبقى معزولا عن الحراك السياسي الشعبي في مفارقة غريبة لكنها قائمة منذ عقود.
ذلك لا يعني إلا أن الإبداع غاب عن مفاصل القرار في الدولة الأردنية اعتبارا من أزمة الدوار، فمطبخ الحكومة يتمتع في ما يبدو بخبرات لا تتجاوز الكعك والبيض، حيث تم إخراج مارد الانقسام لمواجهة اعتصام واحد فقط في مشهد أخل بكل المعادلات في الأردن، ولم يحاسب عليه احد بعد وتصر الحكومة على تجاهله بطريقة غريبة.
وليس سرا ان تنظيم حملة سياسية وإعلامية تستهدف الشيخ حمزة منصور عجوز الاعتدال في الحركة الإسلامية انتهى باستبداله بالشيخ أبو محمد الطحاوي زعيم التيار السلفي الجهادي الذي يرى في السجن والألم والدم تقربا إلى الله.
والمفارقة هنا مؤلمة للغاية في الأردن فالحكومة الأردنية لا تريد التفاوض مع المعتدلين، مثل الشيخ حمزة منصور وإرحيل الغرايبة بخصوص ما حصل على دوار الداخلية قبل ثلاثة أسابيع، لكن باب التفاوض بالقنوات الخلفية فتحته الحكومة ولأول مرة مع السلفية الجهادية التي هددت فقط مجرد تهديد بالاعتصام على دوار الداخلية فسارعت الحكومة لتنفيذ مطلبها المتمثل بالإفراج عن أربعة سلفيين .
.. الآن بعد تحميل الشيخ منصور مسؤولية دوار الداخلية يحاول الجلوس عليه الشيخ الطحاوي الخارج حديثا من السجن بعد سلسلة إهانات صحية تعرض لها داخل السجن من الواضح انه سيصفيها اليوم وقد حانت الفرصة لابتزاز الحكومة التي تقلص المساحة والساحة أمام المعتدلين في فعل سياسي غير مدروس أقرب للانتحار.
ويمكن ببساطة ووضوح ملاحظة الفروقات في الخطاب بين الأخوان المسلمين والجماعة السلفية فالأخوان ضد أسامة بن لادن والزرقاوي ولا يؤمنون بالمغالبة ولدى الدولة خبرات امتدت عقودا معهم ولا يكفرون أحدا بل يكفرهم الجهاديون وهم لا يهددون احدا ومسيسون جلسوا في الظل وكمنوا بعد احداث دوار الداخلية.
السلفيون وعندما حاول شيخهم تحذير الحكومة قال: نحذركم فالدم يجر الدم والسجن يجر السجن.. طبعا فوق ذلك لا يوجد أي خبرات سياسية في التعامل مع السلفيين ومحاورتهم في الماضي وهم الآن أفرجوا عن أربعة من أنصارهم ويخططون للإفراج عن 200 زميل لهم يعتبرونهم (أسرى) وليس سجناء.
وبطبيعة الحال قال السلفيون الجهاديون الذين يوالون علنا بن لادن في مناسباتهم انهم بصدد تنظيم اعتصامات في مختلف محافظات المملكة ليس ضد الفساد فقط، بل للمطالبة بحكم الشرع.
المشهد إذا واضح: الاخوان المسلمون الذين طاردتهم آلة السياسة الحكومية الغبية يطالبون بقانون انتخاب عادل وبرلمان غير مزور وعندما غابوا تحت وطأة الضرب المتواصل والأعمى لهم حصل الاحلال المحظور وخرج للشارع من يريد عبر الاعتصامات السياسية والسلمية إقامة دولة الخلافة الإسلامية.
.. كل ذلك يحصل في الأردن من دون أن يعترف ولو مسؤول واحد وفي كل المواقع بأنه يحصل فعلا.
مدير مكتب \'القدس العربي\' في عمّان

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 160 مشاهدة
نشرت فى 17 إبريل 2011 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

257,175