| يبدو أن التحول الكبير الذي وقعت مصر علي أعتابه بعد 25 من يناير.. لم يعد يقتصر علي الشارع المصري والمشهد السياسي العام فقط.. بل تسلل إلي داخل قلوب أطفالنا الخضراء لتصطنع بشفافية روح الثورة النقية وعقولهم التي تحولت إلي أرض خصبة..
تحتضن بذور الثقافة السياسية التي طغي حضورها بين ليلة وضحاها علي اهتماماتهم بماسينجر العملاق وهانا مونتانا هاي سكول ميوزيكال الجميلة. وهو الشيء الذي لاحظته كل أسرة مصرية يضم عدد أفرادها طفلاأو أكثر.. فتطورات الأحداث السريعة خلال الشهرين الماضيين كانت كفيلة بخلق توجه سياسي وتكوين رأي خاص لكل طفل من أطفال مصر, بل إنهم أيضا أصبحوا يتوقفون أمام الأحداث ويحللونها لمعرفة أسبابها ونتائجها في كثير من الأحيان..
وفي تجربة شخصية سألتني ابنتي ذات السنوات العشر بعد مشاهدتها لأحد البرامج الإخبارية التي كانت تتحدث عن شائعة دخول الرئيس السابق في غيبوبة وتدهور حالته الصحية تفتكري يا ماما حسني مبارك راح في غيبوبة ليه؟! علشان شاف أولاده علاء وجمال بيتخانقوا, ولا علشان خلاص مبقاش رئيس مصر تاني.. ولا علشان زعلان علي اللي حصل في مصر؟!
والحقيقة أن سؤالها شد انتباهي فوجدتني أفكر بجدية في السبب الحقيقي إذا كانت هذه الشائعة صحيحة وفي النهاية قررت الهروب من ثغرات أسئلتها المتتابعة والتي لا تنتهي في محاولة لإرضاء فضولها.. فقلت بعد بضعة ثوان من التفكير.. بيتهيألي علشان الأسباب اللي قلتيها دي كلها
- الانقسامات السياسية المنزلية
وبالطبع ليس من الضروري أن يكون هناك اتفاق سياسي مع الأطفال ووالديهم خاصة في ظل الحديث الدائم عن حرية الرأي والتعبير وضرورة تفعيل الديمقراطية علي المستوي السياسي بوجه عام والعائلي بوجه خاص وهو ما توضحه أمل فكري نبيل (37 سنة) فتقول: إنني حقا سعيدة بالطفرة الملحوظة اليوم في كل منزل من ارتقاء مستوي تفكير الأطفال الملحوظ حيث أصبح معظمهم يتداولون بين الحين والآخر نقاشات وآراء حول الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية وكأن سنوات أعمارهم قد تضاعفت فجأة واهتماماتهم قد تبدلت لتواكب الأحداث السياسية الخطيرة التي تلاحقنا كل يوم.. وقد تابعت بنفسي أحد هذه النقاشات بين أولادي وبعض أصدقائهم فلاحظت أنهم لا يرددون فقط ما يستمعون إليه وسط المحيط العائلي بل إن لكل طفل آراءه الخاصة التي قد تتفق أو تختلف مع الآخرين.. فكان النقاش عن أداء وزارة التربية والتعليم في السنوات السابقة وأمنياتهم لمستقبلها..
وقد بدأ ابني شريف (11 سنة) الحديث بالسؤال عما إذا كان الاختيار قد تم لوزير التعليم الجديد فأجابته شقيقته سالي (9 سنوات) بأنهم يؤجلون ذلك لأنهم يريدون اختيار وزير جديد طيب علي حد تعبيرها.. وأضاف هاني (10 سنوات).. أيوه لازم يكون طيب علشان ميخليناش نذاكر طول الوقت حتي في الإجازة من غير مايكون فيه وقت حتي نستريح فيه زي الوزير اللي فات واللي قبله واللي قبله طبعا.. وياريت يعملولنا انتخابات علشان نختار احنا كمان.. مش بيقولوا إن رأي الناس مهم؟! وهنا تدخلت قائلة: بس ده مينفعناش علشان أنتم لسه صغيرين والكبار أكيد يعرفوا مصلحتكم أكثر.. فأجابني شريف نيابة عن جيله بأكمله.. وإزاي عاوزنا نحترم رأيكم.. وانتوا مش بتحترموا رأينا ودايما بتعاملونا علي اننا عيال؟!.
يقول علماء النفس إن السبب الرئيسي وراء مواقف الناس السياسية هو تنشئتهم الصحية في الصغر علي كيفية تكوين آرائهم الخاصة ومنهم المساحة المناسبة من حرية التعبير وإبداء الرأي.. وهو ما تؤكده الكثير من الأمهات المتعلمات.. فتقول غادة فاروق 35 سنة وهي تمتهن المحاماة مما يؤهلها لتربية أبنائها التربية الديمقراطية السليمة.. فتقول: إنني حريصة علي أن أترك لأبنائي مساحة مناسبة من حرية التعبير.. وأدفعهم لذلك بكل وسيلة ممكنة ليقيني أن الطفل القادر علي التعبير عن آرائه في حدود ما تسمح به الأخلاق والمبادئ بالطبع عادة ما يكون أكثر ثقة بنفسه وأكثر إدراكا للأمور مما يؤهله للتعامل مع أي مشكلة تواجهه بصورة ناضجة..
لذلك فأنا أعمل علي حث ابني عمر وكريم بين الحين والآخر علي الدخول في بعض النقاشات السياسية البسيطة لتنشيط أذهانهم وهو ما حدث علي سبيل المثال الأسبوع الماضي عندما طرحت عليهما سؤالا اكتشفت فيما بعد أنه كان يشغل تفكيرهما مسبقا بالفعل.. وهو عن اختيار رئيس جمهورية مصر المقبل الذي يتمنونه خاصة بعد ثورة 25 من يناير.. فأجابني عمر (8 سنوات) بأنه يتمني أن يصبح الدكتور أحمد زويل رئيسا للجمهورية.. ولم يكتف بترشيحه لعالمنا الجليل دون إبداء أسباب وكأنه أمر مفهوم لا يحتاج إلي شرح.. فاستطرد قائلا: أصله أكيد كان شاطر قوي في المدرسة واتعلم حاجات حلوة كتير علشان كدة بقي عالم وممكن برضه يكون رئيس شاطر!!
أما كريم (11 سنة) فقد استقبل سؤالي بسؤال آخر فقال: هو ليه رئيس الجمهورية دايما لازم يكون عجوز؟! ما هو أكيد أفكاره حتكون قديمة قوي.. ثم أضاف: أنا عاوز رئيس جمهورية أكبر مننا حاجة صغيرة علشان يفهمنا ونفهمه..
والحقيقة هي أن طفرة الثقافة السياسية التي لوحظت مؤخرا علي أطفالنا بسبب مراقبتهم لأحداث سياسية خطيرة ليس علي المستوي المحلي فقط وإنما أيضا علي مستوي العالم العربي بأكمله.. قد تكون البذرة الأولي لخلق جيل من الزعماء والقادة السياسيين يتمتع بسعة الأفق والثقافة الثورية التي ترفض بشدة أي محاولات للقمع والاستبداد.. وبالطبع الفساد.
وهو ما يؤكده د.جمال بهجت أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة المنوفية فيقول: إن تربية أطفالنا بأسلوب يعتمد علي الثقافة السياسية من شأنه أن ينشيء جيلا مثقفا وواعيا قادرا علي تحمل المسئولية وقيادة السفينة السياسية المصرية نحو عالم أفضل بكثير خاصة أن حسن حظهم قد وفر لهم مراقبة الأحداث السياسية الحالية الرافضة للظلم والقمع.. أو سياسة الاستسلام للأمر الواقع.. لذلك فأنا أتوقع لهذا الجيل أن يتمتع باستقرار نفسي أفضل من الأجيال السابقة..
- تربية أبنائنا التربية السياسية السلمية
أما عن دورنا في تربية أبناء هذا الجيل التربية السياسية السلمية, فيجب علي الأهل التأكيد الدائم علي أن البيت هو مملكة صغيرة.. لا ينتظم أمرها إلا برئيس يدبر أمرها ويسمع له الجميع ويطيعونه.. مع الأخذ في الاعتبار أن يتم ذلك بصورة ديمقراطية.. فعند التنزه مثلا يأخذ الأب أو الأم رأي أبنائهما في المكان المقترح للخروج هل هو حديقة أم ملاه أم مطعم أم غيرها؟.. ويترك الأولاد علي حريتهم يقول كل منهم رأيه ولا يقاطعه أحد ولا يستهزئ أحد برأي الآخر.. وفي النهاية يتم اختيار رأي الأغلبية.. وذلك مع الحرص علي أنه عند اعتراض الأب علي أحد هذه الآراء لا يجب أن يصف هذا الرأي بأنه خطأ.. بل يخبر صاحبه بأن فكرته جيدة ولكن قد يؤدي تحقيقها إلي بعض المشاكل التي يمكن تفاديها بأسلوب بديل..
كما يجب أن ننتهز هذه الفرصة ونعلم أطفالنا أيضا عدم الاعتداد بالرأي دون محاولة للاستماع للرأي الآخر وعدم مقاطعة الآخرين.. علي أن يكون هناك توازن ويدافع عن رأيه إن كان حقا. وكل ذلك يجب أن يتم في جو من الود والحب. ويسري ذلك أيضا علي اختيار الطعام والشراب وطريقة الوصول إلي مكان الرحلة. كما أنه من الحكمة علي الوالدين أن يحرصا علي تشجيع الأولاد الذين يتنازلون عن آرائهم ويخضعون لرأي الأغلبية.
ويضيف د.جمال قائلا: إن الطفل الذي يتربي في أسرة تحترمه وتجعله مواطنا أساسيا فيها يصعب عليه العيش فردا مهملا في المجتمع مسلوب الإرادة والكرامة والحرية كما هو الحال في كثير من المجتمعات المعاصرة.
- يعني إيه طبقة كادحة
أما الدكتور رفعت القاضي أستاذ العلوم السياسية بكلية آداب جامعة حلوان فيقول إنه من أهم خطوات تثقيف أبنائنا سياسيا تبسيط المعلومات والمصطلحات السياسية التي عادة ما تقف حائلا بينهم وبين استيعابهم لكثير من الأمور فالطفل مهما كان ذكيا فهو في النهاية دائم العطش لمعرفة كل ما هو مبهم أو غامض لديه.. وهو ما يفسر كثرة أسئلة الأطفال خاصة بالنسبة للمصطلحات التي يستمعون بصفة دائمة إلي الكبار وهم يتبادلونها.. وأنا أري أن دور الوالدين مهم جدا لتثقيف أبنائهم سياسيا حتي لا يتركوا عقولهم أرضا خصبة لأي أفكار غير صحيحة أو فاسدة تتطرق إليها.. فعند سؤال الطفل لوالده عن معني الرأسمالية وطبقات الشعب الكادحة وما إلي ذلك من مصطلحات يجهلها..
علي الأب في هذه الحالة مخاطبته بلغته البسيطة.. فيقول له علي سبيل المثال إن دور الأب هو الصرف علي البيت لذلك فمن الممكن أن نطلق عليه الرأسمالية.. أما دور الأم فهو الاهتمام بشئون البيت لذلك يمكننا أن نطلق عليها اسم الحكومة.. وأنت تحترمها وتنفذ تعليماتها.. فهكذا تكون أنت الشعب, وأخوك الصغير هو أملنا فنطلق عليه اسم المستقبل, أما الخادمة التي تساعد والدتك في أعمال المنزل وتتقاضي مبلغا من المال يساعدها علي العيش فيمكننا أن نطلق عليها الطبقة الكادحة.
والحقيقة أن هذه التشبيهات الطريفة التي يتداولها البعض في صور النكت والفكاهات هي في الواقع تمثل لأطفالنا أسلوبا مبسطا للرد علي الكثير من تساؤلاتهم كأن يسأل الطفل أيضا عن معني كلمة أحزاب.. وهنا يبسط الأهل له المعلومة بشرح أن كل مجموعة في إطار الأصدقاء تجتمع علي رأي واحد هي في الواقع تمثل حزبا وعليه لكي يكون عضوا فعالا بمجموعته أن يختار الحزب المناسب له وينتمي إليه مع التأكيد علي معلومة أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية..
وأن تقبل الرأي الآخر واحترامه هو من أساسيات السلوك الحضاري والسليم. إن طفل اليوم هو رجل المستقبل.. لذا فمن واجبنا إعداده لهذا المستقبل وتلقينه مبادئ الحوار بطرح القضايا التي تهمه وتهم مجتمعه.. ولا مانع من أن يتم ذلك في المرحلة القادمة بصورة رسمية, مثل ما بادرت به المغرب من إقامة برلمان للطفل يدعو إلي توفير الشفافية اللازمة لمسألة حقوق الطفل مع التأكيد علي ميثاق البرلمان الذي يدعو إلي تدعيم التربية الديمقراطية والمواطنة والتسامح في عالم أصبحت تتزايد فيه العنصرية وتتصارع المصالح مع المبادئ والقيم السليمة.
|
ساحة النقاش