إن تسارع التغيرات الاقتصادية و اختلال موازين القوى أدى إلى ازدياد الطلب على المعلومات ، حيث أن مدة حياة المنتجات تتقلص و التقنيات الحديثة تتطور بسرعة أكبر والمنافسة تزداد حدة في إطار سوق عالمية، كما أصبحت المعلومة تدخل في صميم الحياة اليومية و الشخصية و المهنية، فبالنسبة للشركات فإن الشيء الذي يحدث الفرق بينها و بين غيرها هو قدرتها على إدماج الأحداث الخارجية و التصدي لها وقدرتها على تلقي إشارات وتحليلها قبل غيرها وهذه المهارات هي القيمة التنافسية لها،ولهذا تضطر المؤسسات إلى إدماج ما يسمى بالذكاء الاقتصادي (Intelligence Economique) في استراتيجياتها، كما يعرف أيضا بالفرنسية Intelligence compétitive (الذكاء التنافسي) ، أما في اللغة الانجليزية فيستعمل مصطلح "Business Intelligence " .
ولدراسة هذا الموضوع يمكن طرح الإشكالية التالية:
· ما المقصود بالذكاء الاقتصادي؟
وتندرج ضمن هذه الإشكالية الأسئلة الفرعية التالية:
- ماهو الذكاء الاقتصادي؟
- ما مدى تطبيقه في العالم؟
- ماهو واقعه في الجزائر؟
- كيف يمكن أن ندمجه في البرامج التعليمية و التكوينية؟
وستتم دراسة هذا الموضوع من خلال الخطة التالية:
أولا- ماهية الذكاء الاقتصادي .
ثانيا-نماذج الذكاء الاقتصادي في العالم.
ثالثا-واقع الذكاء الاقتصادي في الجزائر.
رابعا-التكوين في الذكاء الاقتصادي .
أولا- ماهية الذكاء الاقتصادي :
يعتبر مصطلح الذكاء الاقتصادي من المصطلحات التي ظهرت كنتيجة لظهور اقتصاد المعرفة وسوف نتعرض ببعض من التفصيل إلى بعض تعار يفه ،نشأته ، خصائصه ومراحله
:تعريف الذكاء الاقتصادي 1-
- أول تعريف عملي للذكاء الاقتصادي كان سنة 1994 من طرف Martre مجموعة العمل في المحافظة العامة للتخطيط بفرنسا، حيث تم تعريفه على أنه "مجموعة الأعمال المرتبطة بالبحث، معالجة و بث المعلومة المفيدة للأعوان و المتدخلين الاقتصاديين لصياغة إستراتيجياتهم ".
و نظرا لضرورة اعتماد مدير المنظمة لإستراتيجية تطوير منتج جديد، الاستثمار في سوق جديد، تحسين المرد ودية ، معرفة منافسيه ، أخذ القرار الصائب في الوقت المناسب …الخ ، فإن الأمر يتطلب فهم المحيط الذي يتسع و يتعقد باستمرار .ففي هذا الإطار تعتبر المعلومة مادة أولية أساسية للإدارة الجيدة للمنظمة.[1]
- كما يعرف الذكاء الاقتصادي على أنه "مجموعة من الوسائل البشرية و التقنية التي يتم وضعها للوصول إلى تطور مؤسسة اقتصادية ما، ويتعداه حتى يشمل اقتصاد بلد ما.
إنّ الذكاء الاقتصادي بعبارة أخرى، يهتم بكل ما يُجرى و يفعل في الأسواق. إنه نظام كامل تتوحد فيه التقنيات والكفاءات البشرية، إن التحدي المفروض اليوم هو الوصول إلى المعلومة الصحيحة وليس التقريبية قبل الآخرين، لأنها تساعد على حل المشاكل و الوقاية ،بأخذ القرارات المناسبة وسبق المنافس وتطوير أساليب العمل والمنتوج في وقت وجيز[2]،و بالتالي فهو عامل أساسي للمنافسة.
- وقد عرفه Alain Juillet المسئول الأعلى للذكاء الاقتصادي بفرنسا سنة 2005على أنه:
« L’intelligence économique consiste en la maîtrise et la protection de l’information stratégique pour tout acteur économique. Elle a pour triple finalité la compétitivité du tissu industriel, la sécurité de l’économie et des entreprises et le renforcement de l’influence de notre pays »[3]
أي أنه "يشتمل على السيطرة و حماية المعلومة الإستراتيجية لجميع الأعوان الاقتصاديين من أجل الوصول إلى:المنافسة في المجال الاقتصادي، الأمن الاقتصادي أمن المؤسسات، تعزيز سياسة التأثير"
إن المعلومة الإستراتيجية هي:" كل المعلومات التي يمكن أن تكون ذات فائدة لمشاريع المنظمة . و تتميز هذه المعلومات بأنها تخص مجالات متعددة و لا يمكن تجزيئها – و بالاعتماد عليها بشكل متكامل - تحدد المنظمة نشاطها و محاور تطورها"[4].
وهناك خلط كبير بينه وبين اليقظة الاقتصادية حيث أن الخط الفاصل بين المفهومين لايزال غير محدد بشكل واضح المعالم، وهذا بلاشك يعود إلى أن ترجمة مصطلح الذكاء من اللغة الإنجليزية أين معناه يختلف عن معنى نفس المصطلح، في اللغة الفرنسية، ففي المعاجم الإنجليزية يقصد بالذكاء )التخابر والاستخبار (وهو مختلف عن معناه في اللغة الفرنسية الذي لا يختلف معناه في اللغة العربية.
فعندما نقول (Economic Intelligency) فالمقصود الاستخبار الاقتصادي .
حاليا يوجد مدخلان يتنازعان في تحديد طبيعة العلاقة بين الذكاء الاقتصادي واليقظة.
الاتجاه أو المدخل الأول: وهو يعتبر اليقظة كمرحلة من مراحل الذكاء الاقتصادي وهي تهتم في مضمونها برصد محيط المؤسسة)المحيط التنافسي، التكنولوجي، التجاري، القانوني...إلخ (وهي عملية منظمة ومستمرة)متكررة ( بغرض البقاء على علم بكل المستجدات في القطاع الذي تشغله المؤسسة، وتنتهي هذه العملية بتحصيل وتحليل ونشر المعلومات، أما الذكاء الاقتصادي فهو أشمل إذ يتضمن إضافة إلى نتائج العملية السابقة )اليقظة(القيام بترجمة هذه المعلومات كمؤشرات لاتخاذ القرارات الإستراتيجية والمناورات التكتيكية بما يخدم أهداف المؤسسة.
الاتجاه أو المدخل الثاني: وهو عكس الاتجاه الأول حيث يتبنى التعارض بين المفهومين حيث يعتبر إن اليقظة الاقتصادية هي رد الفعل أما الذكاء الاقتصادي فهو الفعل[5].
2-التطور التاريخي للذكاء الاقتصادي :[6]
إن فكرة الذكاء الاقتصادي ظهرت مع ظهور التجارة و لاسيما ظهور اقتصاد السوق و قد أوضح Fernand Braudel في العديد من الدراسات التي قام بها حول القوة المتزايدة للمدن التجارية الكبيرة من القرن 15 إلى 18 .أن المنافسة بين المدن في شمال ايطاليا و المدن في فنلندا كانت بداية الهجومات التجارية و التجسس الاقتصادي و حتى التزوير .
كما ظهر مصطلح الذكاء الاقتصادي في الفكر العسكري الذي يعتمد على تحصيل المعلومة ثم تحليلها، فبريطانيا في الفترة الاستعمارية لها كانت تحصل على المعلومات عن منطقة البحر المتوسط و غير ذلك من أسراها من البندقية.
· أول تعريف للذكاء الاقتصادي كان في عام 1967 من طرف Harold Wilensky، من خلال كتاب بعنوان "l’intelligence organisationnelle" ، فهو يعرف :" الذكاء الاقتصادي كنشاط إنتاج المعرفة التي تخدم الأهداف اقتصادية و الإستراتجية للمنطقة ، خزنت و أنتجت في إطار قانوني من مصادر مفتوحة ".
· في عام 1950طورت اليابان نظام الذكاء الاقتصادي المرتكز على وزارة التجارة الدولية و الصناعة (MITI) و منظمة التجارة الخارجية اليابانية (JITRO) لإنعاش اقتصادها .
· في 1980 و مع عولمة الأسواق و التطور الهائل في مجال تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية ، اتخذت خطوات تنظيمية لدعم العمل الدولي للمؤسسات و كان لميشال بورتر ، أستاذ في جامعة هارفارد دور كبير في تطور مفهوم الذكاء الاقتصادي.
· في 1990 كانت بداية ظهوره في فرنسا.
· في 1992 انشات فرنسا وكالة نشر المعلومات التكنولوجية (ADIT) و التي تهدف إلى تقديم مساعدة تشغيلية و حماية النمو الدولي للمؤسسات الفرنسية .
· في 1994 نشرMartre تقرير بعنوان:
"l’intelligence économique et stratégie des entreprise ".
· في 2002 ادمج Minefi مفهوم الدفاع الاقتصادي ضمن مفهوم الذكاء الاقتصادي .
3-عناصر الذكاء الاقتصادي:
إن مفهوم الذكاء الاقتصادي يمكن أن نحصره في كونه سياسة عامة تحددها الدولة بمشاركة باقي المتدخلين والمتعاملين، لها محتواها ومجال تطبيقها. تنبني عملية الذكاء الاقتصادي علي العناصر التالية:
3-1-سياسة التنافسية: وتعتمد على عمليات البحث والتطوير وتسمح بمسايرة المؤسسات في تعقب الفرص والحصول على الأسواق في العالم. وتتم هذه المسايرة عن طريق التعرف المشترك على الرهانات الإستراتيجية وتجميع الخبرات و المعلومات العامة والخاصة[7].
3-2-سياسة الأمن الاقتصادي :إن العلاقة بين ميدان الاستخبارات وميدان المنافسة الاقتصادية و الصناعية،يعد موضوعا مشابها للفترة ما بعد الحرب الباردة و الذي نعرفه اليوم، حيث أن الخطر العسكري المباشر أصبح يتراجع ليترك المجال واسعا لمخاطر جديدة تعد غير مباشرة من بينه الخطر ضد المصالح الاقتصادية الذي أصبح يبرز بصفة خاصة،بما أن تحرير نشاطات العديد من القطاعات و تطوير التبادل الحر جعلا معظم الدول معرضة إلى التحركات الاقتصادية العالمية بحيث أصبح أهم الشركاء و المنافسين يأخذون منعرجا يسميه "إدوارد لوتفاك" الجيواقتصاد أي بعبارة أخرى تواصل الاستراتيجيات العسكرية الدبلوماسية متمثلة في وسائل اقتصادية و تجارية. عن ترجمة هذه الحساسية الجماعية لرهانات الأمن الاقتصادي أصبحت تتحدد في مفهوم "المصالح الأساسية للأمة" أي ترتيب العناصر الأساسية للطاقات الاقتصادية و العلمية للوطن .
و بالتالي أصبحت الدولة تعترف و تقر بأنها ليست الوحيدة المسئولة عن الأمن الجماعي، فالمؤسسات هي أيضا يجب أن تشارك بصفتها عنصر أساسيا في الأمن الاقتصادي الوطني في حماية و متابعة مصالحها الخاصة المشروعة[8].
3-3-سياسة التأثير :وخاصة على مستوى الهيأت المعروفة بإعدادها للنظم و المعايير التي تدير الحياة الاقتصادية[9] من خلال العمل الضغطي "Lobbying " و الذي هو التأثير على القرار السياسي و الاقتصادي بشرح ضرورة و إيجابية قانون ما أو خطورته وسلبيته ، ولقد أصبح العمل الضغطي يدرس في المدارس الكبرى و الجامعات ، حيث قامت اللجنة الأوروبية بجعله ضروريا في العملية الديمقراطية .فساهم في فعالية القوانين المصادق عليها بعد أن تأخذ في الحسبان رأي المهنيين دون الضرر برأي الآخرين وتحديدا الحكم السياسي[10].
وينحصر مجال الذكاء الاقتصادي خصوصا في الأسواق التي تعتبر مصدرا للقيمة المضافة، بل و يتعدى الأمر ذلك لأن تكون مصدرا للتأثير و القوة. ومن أمثلة ذلك : مشاريع الطيران و الفضاء ، التسلح ،الطاقة ،صناعة الأدوية ، الجينات، الشبكات الاتصالية، تكنولوجيا المعلومات و الاتصال و الأمن،ذلك أن هذه المشاريع لا تحكمها قاعدة السعر و نوعية المنتوج و الخدمات التابعة ،لكن يتجاوز الأمر ذلك لأن تكون الموافقة والمساندة السياسية للدولة العامل الحاسم في الحصول عليها.
4-خصائص الذكاء الاقتصادي[11] :
يهتم الذكاء الاقتصادي بدراسة التفاعل التكتيكي و الاستراتيجي بين كافة مستويات النشاط المعنية به انطلاقا بداية من القاعدة(المستوى الداخلي للمؤسسة) مرورا بالمستويات الوسيطة (الجماعات المحلية ) وصولا إلى المستويات الوطنية (الاستراتيجيات المعتمدة لدى مراكز اتخاذ القرار في الدولة) ثم المستويات المتعددة الجنسيات(المجمعات المتعددة الجنسيات)أو الدولية (استراتيجيات التأثير الخاصة بكل دولة).ومن بين الخصائص الرئيسية للذكاء الاقتصادي نذكر مايلي :
أ. الاستخدام الاستراتيجي و التكتيكي للمعلومة ذات المزايا التنافسية في اتخاذ القرارات .
ب. وجود إدارة قوية لتنسيق جهود الأعوان الاقتصاديين .
ج. وجود علاقات قوية بين المؤسسات و الجامعات و الإدارات المركزية والمحلية .
د. تشكيل جماعات الضغط والتأثير.
ه. إدماج المعارف العلمية،التقنية،الاقتصادية،القانونية والجيوسياسية.
و. السرية في نشرالمعلوات والحصول عليها بطريقة شرعية.
5-مراحل الذكاء الاقتصادي[12] :
إن أول مرحلة لنشاط الذكاء الاقتصادي هي تحديد الحاجة للمعلومة ، حيازة المعلومة ، معالجتها ، بثها ، واستعمالها.
و يمكننا عرض أهم مراحل الذكاء الاقتصادي فيما يلي :
5-1-تحديد الحاجة للمعلومة :
و هو أمر ليس صعب في أغلب الحالات ، فليس من الضروري توفير الوسائل الحديثة ، و إنما يكفي في أغلب الحالات أن نطلب بمهارة : ما هي المعلومات التي نرغب في الحصول عليها ؟ .
و هو ما يتطلب من المتخصصين في الذكاء الاقتصادي معرفة جيدة بتنظيم المنظمة
5-2-جمع المعلومة :
بمجرد تحديد الحاجة للمعلومة ، يتم اختيار أشكال للبحث عن هذه المعلومة ، و فيما يلي نذكر أهم مصادر المعلومة :
· مصادر رسمية : و تحتوي أساسا على :
- الصحافة ؛
- الكتب ؛
- وسائل الإعلام ؛
- بنوك المعطيات و الأقراص المضغوطة (CD ROM) ؛
- مصادر معلومات الرسمية.
· مصادر غير رسمية :
إن أهم ما يميز هذه المصادر أن المعلومات التي تقدمها تتطلب مجهود شخصي من الفرد الذي يريد جمع المعلومة ، يجب أن يبقى على اتصال ، أن ينتقل ، يضيع الوقت ،…إلخ حتى يحصل على ذلك ، و تتنوع هذه المصادر من بينها ما يلي :
-المنافسين في حد ذاتهم ؛
-الموردين ؛
-مهمات وأسفار الدراسة ؛
-المعارض ؛
-الطلبة المتمرنين ؛
-المصادر الداخلية للمنظمة
ويقصد بمصادر المعلومات المفتوحة مجموعة المنشورات الإحصائية الرسمية و الصحف و البرامج الإذاعية و المنشورات التجارية،أما المصادر المغلقة للمعلومات فتمثل التقارير و البرقيات من السفارات و القنصليات...،والمعلومات السوداء (السرية) والتي يتم الحصول عليها من دون موافقة من حكومات أجنبية تأتي من الأقمار الصناعية،من أسرار سرقت من قبل أحد الرعايا الأجانب[13].
- يقال أنه عادة ما تكون المعلومات المتحصل عليها و التي تتم معالجتها في إطار نشاطات الذكاء الاقتصادي لا تطرح أي إشكال قانوني خاص لأن الأمر يتعلق بمعلومات مفتوحة إلا أن هذه النظرة للموضوع تعد ناقصة لأنه يجب الأخذ بعين الاعتبار حرية استعمال المعلومة (تعارض المعلومة المفتوحة مع المعلومة المغلقة أي السرية). لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار حرية استعمال المعلومة ،فمن وجهة النظر هذه توجد معلومات مفتوحة(بمعنى الدخول إليها غير محدودة ) و التي من خلالها يمتلك منتجيها و أصحابها حقوق خاصة (الحماية عن طريق حقوق التأليف، الملكية الصناعية،الحماية التعاقدية ببنود السرية) أو التي بعض استعمالاتها يمكن أن تكون محل عقوبات عن طريق تدابير قضائية خاصة ومن ثم فإن المعالجة غير المسموحة لأي معلومة مفتوحة يمكن عدها مساسا بإرث المؤسسة.
- إن تطوير ممارسة الذكاء الاقتصادي يفرض على كل المؤسسات مضاعفة تدابير الحذر فيما يخص حماية إرثها المعلوماتي عن طريق معرفة و استعمال كل المصادر القانونية المتاحة لهذا الغرض و تسخير كل الوسائل البشرية،المعلوماتية و التنظيمية.
5-3-معالجة المعلومة :
إن معالجة المعلومة هي أساس الذكاء الاقتصادي ، فهذا الإجراء يعتمد أساسا على قيمة المعلومة بالنسبة للمستعمل .و تعني المعالجة تجميع كل المعطيات المحصل عليها من أجل تحليلها بشكل متجانس . و تعتبر ترجمة المعلومة خطوة أساسية لإجراء المعالجة . فهي تعطي صورة تحليلية ، غنية لكل المعلومات التي تكون مختفية دائما في سطور الوثائق .
و نعلم أن ما يواجه أفراد المنظمة اليوم ليس نقص المعلومة و إنما كثرتها لذلك يجب معالجة المعلومة ، و هو ما يتطلب العمليات التالية :
· التقييم ؛
· فرز المفيد منها من غير المفيد ؛
· تحليل ؛
· تحويلها إلى شكل مناسب
5-4-بث المعلومة من أجل اتخاذ القرار :
إن الخطوة الموالية للخطوات الثلاث السابقة هي إعطاء قيمة لهذه المعلومة ببثها داخل المنظمة حتى تساهم في خلق قيمة مضافة.
إن كل العمليات السابقة ، تحديد ، جميع ، و معالجة المعلومة ، يكون بدون فائدة ، إذ لم يتم بث هذه المعلومة و إيصالها لمتخذي القرار بالمنظمة . فالمعلومة لا تكون ذات قيمة إلا إذا جاءت في الوقت المناسب و بالشكل المراد ، للشخص الذي يستخدمها
تكلف المعلومة كثيرا ، لذلك يجب توفيرها للذين يحتاجون لها من أجل استخدامها .
إن بث المعلومة إذا يشكل خطوة أساسية لإجراء الذكاء الاقتصادي ، بشرط أن تستخدم بذكاء و حذر.
و يعتبر بث المعلومة غير كافي ، بل يجب أيضا تحويل هذه المعلومات إلى فعل حتى تحقق قيمة مضافة فالمتخصصين في الذكاء الاقتصادي يجب أن يكونوا قادرين على إقناع الآخرين بالعملية ، و على تركيب التقنيات التي تسمح بتطبيقها في المنظمة.
-فإذا لم نفهم ما هي احتياجات طالب المعلومة ، فإننا نكون قد أضعنا أهم عنصر في الذكاء الاقتصادي .
-إن لم يكن لدينا مصدر موثوق ، فلا داعي للمواصلة ، فالمصادر رديئة النوعية تؤدي إلى تشوش في المعلومات ، وهو ما يعقد عمل التحليل ، أما إذا كانت المصادر موثوقة فهي تسهل أكثر عمل التحليل .
-التحليل يجعل المعلومة التي نحتاجها قابلة للاستعمال .
-المعلومة التي لا يتم بثها و إعلانها لا تفيد في شيء ، و التغذية الراجعة تبين لنا ما إذا كانت المعلومة قد أدت إلى تلبية رغبة المستعمل أم لا.
-يجب الاحتفاظ ببعض المعلومات السرية و الإستراتيجية و حمايتها .
ثانيا-نماذج الذكاء الاقتصادي في العالم:
تعتبر هذه النماذج نظام لجمع المعلومات الاقتصادية،الصناعية و التكنولوجية ومن بين النماذج المعروفة الرائدة في هذا المجال نذكر أهمها
1-وسائل الذكاء الاقتصادي "نموذج فولد Fuld "[14]:
لقد هيأت تكنولوجيا الإعلام والإتصال كافة الظروف لنمو عمليات الذكاء الاقتصادي في العالم. حيث أدى التزايد السريع في عدد الحواسيب الالية وطرق جمع المعلومات و التحليل إلى تبني الذكاء الاقتصادي من قبل مختلف المؤسسات و الهيأت عامة أو خاصة. ومن بين المؤسسات التي عملت على إيجاد نماذج للذكاء الاقتصادي،نذكر نموذج فولد Fuld (1995)، يضم هذا النموذج ست أدوات وهي على التوالي:
2-1-ملمح نوايا و قدرات المسيرين :يسمح بالتنبؤ بقرارات هؤلاء وتحديد العوامل التي تؤثر على أجراءات إتخاذ القرار لديهم.و لاعداد الملمح النفسي لصاحب القرار، يجب اااالأخذ بعين الإعتبار سبعة محدادت هي: أنماط القيادة،الثقافات،المسارات المهنية،الكفاءات،التوجهات،الميولات والقرارات السابقة. كما يتم تحليل هذه المحدادت في ظل مناخ المؤسسة الحالي والمستقبلي،من وجهة نظر التكاليف و التكنولوجيا المتاحة، الإدارة و العمليات.
2-2-البانشماركينغ: (Benchmarking) يقصد بها عملية دراسة و تبني الممارسات الأفضل من بين الممارسات التي تتبعها المنظمات (الشركات) الأخرى لتحسين الانجاز و الأداء في الشركة نفسها. و هذا أقل تكلفة و أوفر في الوقت و يجنب الأخطاء التي وقعت فيها تلك الشركات أو المنظمات، و بالتالي عدم اختراع طريقة اخترعها الآخرون و جربوها.
2-3-تحليل الإستراتيجية المستقبلية: ويقصد من ذلك محاولة معرفة مختلف نقاط القوة والضعف وكذا الفرص و التهديدات التي تحيط بالمؤسسة.وهو نفس النموذج المعروف في مجال التحليل الاستراتيجي باسم SWOT. وتسمح نتائج هذا التحليل بتحديد توجه استراتيجي و محاور أولية للتدخل.
2-4-توقع الاستراتيجيات التنافسية: يقترح نموذج Fuld تحليل القوى المحيطية الأربع للمؤسسة وهي على التوالي:اللوائح والتنظيمات،التكنولوجيا،التغيرات في قطاع النشاط(عمليات الضم و الدعم) و أخيرا الزبائن(نمو عائدات الاستهلاك). وهناك طرق أخرى في هذا المجال منها: القوى الخمسة لبورتر،نموذج الاستجابة للمنافسة الذي يقضي بتقييم مختلف الاستجابات للمنافسة باستعمال عدة تقنيات منها الطرق التقليدية لتحليل المنافسة،المماثلة،النماذج الرياضية والطرق النوعية(مقابلات الأخصائيين،الملاحظون).
2-5-توقع إدخال منتوج جديد: يقترح Fuld في هذا الإطار ما يسمى ب Timelining ،ويقصد بذلك متابعة النشاطات العملياتية للمؤسسات و التعرف على المعلومات الناتجة وتحليلها.
2-6-تحليل التكاليف: ويعتمد المحلل أساسا على الميزانية كأداة تحليلية. ويتمثل العنصر الأساسي لهذه المقاربة في التركيز على العوامل الحرجة كشراء المعدات،البنايات والتجهيزات و التكاليف الإدارية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل نوع من المؤسسات و الهيأت تطور طرق خاصة بها في هذا المجال وذلك تماشيا مع طبيعة نشاطاتها ومجالات تدخلها.
2-النظام الياباني :
انتقل اليابانيون في كثير من القطاعات الصناعية من عملية التقليد إلى الابتكار عن طريق التكامل بين الذكاء الاقتصادي و المنافسة في جال البحث و التطوير ، و فتح حصص في السوق الخارجي .
إن نظام الذكاء الاقتصادي الياباني يتسم بالاهتمام الكبير بالمعلومة كأداة إستراتجية التي تتحقق من خلال حجم الاستثمارات في هذا القطاع ، حيث حوالي 1,5 % من رقم أعمال المؤسسات يستثمر في مجال الذكاء الاقتصادي و يستغرق 3 إلى 4% من وقتها في هذا المجال . و تعتمد المؤسسات اليابانية على الجامعات اليابانية (Sogo Shoshas) لإمدادها بالمعلومات ، و هذا ما يفسر الاستثمار المنظم للمنشورات و قواعد البيانات ، و التزام اليابان بالمعارض التجارية و الاجتماعات و البعثات [15].
إن الذكاء الاقتصادي في النظام الياباني-كما يوضحه الشكل رقم 1
الشكل رقم1:النموذج الياباني
- يتمركز في وزارة التجارة الدولية و الصناعة (MITI) و التي يتمثل دورها الأساسي في مساعدة المؤسسات اليابانية و توجيهها و إعلامها ، كما يرتبط بهذه الوزارة كل من الجامعات اليابانية ، الشركات التجارية العظمى التي تمول مراكز البحث و التطوير ، المنظمات المهنية و الهيئات الإدارية ذات الطابع البحثي و العلمي .و قد اعد هذا النظام لفائدة المؤسسات وفقا لقاعدة أن الإدارة الجيدة للموارد التي تسمح بخلق القيمة تتبنى سياسة متكاملة لإيفاد المتربصين و المتدربين اليابانيين إلى الخارج ، و استقبال المتدربين الأجانب و مطالبة هؤلاء بإعداد تقارير حول مهامهم [16].
و يحظى عنصر الثقافة بأهمية كبيرة باعتبارها محرك لأداء النظام الذي يفسر نجاح اليابان التي تميل إلى الثقافة الجماعية .
إن إجراءات يقظة المؤسسات اليابانية تتمثل في ثلاث مميزات أساسية هي :
§ تدفقات أفقية للمعلومات التي تعكس عدم مركزية الإبداع .
§ البحث عن الزيادة (redondance) في جمع المعلومة .
§ استثمارات مهمة مخصصة لجمع المعلومات و نشرها .
من الشكل رقم 1 نستنتج أن هذا النظام يقوم على الوزارة الأولى و الوزارات الاقتصادية و عالم الأعمال الذي يساهم في تحديد الإستراتجية العامة و الشاملة للبلاد ، و أخيرا هيئات التفكير (Think Tanks) التي تساهم في تطوير البحث و إدماج التطوير و الإبداع عن طريق الدراسة المقارنة و التكنولوجية .
3-النظام الأمريكي:
لقد عرف المشهد الأمريكي في مجال الذكاء الاقتصادي تحولا كبيرا في عقد التسعينات من القرن السابق تبعا للعديد من التحولات الدولية من بينها حجم التنمية الاقتصادية التي حققها كل من اليابان و أوربا باعتبارهما منافسين رئيسيين للولايات المتحدة . و على سبيل المثال واجهت شركة "بوينغ"الأمريكية منافسة شديدة من طرف "أيرباص"، و الإدارة الأمريكية للطيران و الفضاء( NASA) من قبل محطة "أريان" للفضاء .
و بهذا عمل الأمريكيون على إيجاد سوق رائجة للمعلومات و التي أصبحت رائدة فيما بعد.
إذ تضم هذه السوق أنواعا عديدة من متعاملي المعلومات كالسماسرة ، الجامعات ، هيئات البحث و التفكير ، المكتبات ، هيئات الأمن الخاصة . أما الهدف الأساسي لعملية الذكاء الاقتصادي في الولايات المتحدة فيتمثل في دعم التأثير و عمل جماعات الضغط لتحقيق أهداف المصلحة العامة في الداخل كما في الخارج.
بالإضافة إلى ذلك ، تشترك كافة الهيئات و المؤسسات في إعداد الإستراتجية الوطنية ذات الأولوية بالنسبة للبلد ، و التخطيط لتنفيذها وفقا لآليات عمل محكمة الدقة وضمن هذا الإطار تندرج أهداف فرعية منها :
v تسهيل عملية الحصول على المعلومات ذات القيمة الاقتصادية و الإستراتجية للجميع.
v دعم و تحسين التلاحم الوطني.
v تقليص هدر الموارد بغرض التحكم في تكنولوجيا المعلومات.
v إعادة التفكير في حماية الشبكة الوطنية للمعلومات
و لتحقيق هذه الأهداف تعمل المؤسسات في أمريكا حول المركز الرئيسي لهذا النظام و هو البيت الأبيض و المجلس الأمن القومي حيث يتم تشكيل ما يسمى بغرفة الحرب (war room) خاصة بكل سوق يتم اعتبارها إستراتجية و ذلك لجمع و تركيز و توزيع المعلومات الخاصة بها بين الأعوان الاقتصاديين العموميين و الخواص .
و ما يمكن ملاحظته على هذا النظام تبنيه لنشاط الوكالات الخاصة للاستعلامات مثل Pinkerton و Kroll . كما توجد هيئات مركزية أخرى كالمجلس الاقتصادي الوطني الذي أسس سنة 1993 و الذي يعتبر تأسيسه ثورة في مجال تقديم الدعم و الاستشارة لمختلف الهيئات.
و تتميز شركات الذكاء الاقتصادي الأمريكية بحجمها الضخم و الممتد إلى كافة أنحاء العالم، و تستخدم طاقات و بشرية هائلة. و مثال ذلك مؤسسة Kroll International التي توظف ما بين 5000-6000 أجير موزعين على 60 مكتب حول العالم ، و تحقق رقم أعمال يقدر بحوالي 10 مليار دولار سنويا. تعمل هذه المؤسسة على تحليل الخطر الاقتصادي والتجاري بناء على العوامل الستة التالية:الاستعلامات ، الأعمال و التحقيقات ،التحقق من السوابق المهنية ، خدمات الأمن و الحماية ،امن شبكات المعلومات ، المساعدة القضائية و التحليل الاستراتجي و التنافسي .
4-النظام الفرنسي :
على عكس النظامين السابقين ، يتميز النظام الفرنسي بوجود دور قوي للحكومة في ميدان الذكاء الاقتصادي إلى جانب المؤسسات العمومية الكبرى كما أن المبادرات العمومية في فرنسا تتغلب على كل ماهو خاص ، بالإضافة إلى ذلك يبقى النموذج الفرنسي رهين عائقين أساسين هما :
· العائق الدستوري : بحكم و جود ثنائية الحكم في الجهاز التنفيذي (رئيس الجمهورية – وزير أول) خاصة في مرحلة التعايش السياسي . كما يؤخذ على تركيبة الوزارات ضعفها في تجسيد آليات اليقظة و الذكاء الاقتصادي و حتى في إبراز الإرادة في التغيير
· العائق الثقافي : و قد نتج عن ظواهر الانتماء الحزبي و المرجعيات الثقافية و الفكرية لمختلف أسلاك الموظفين و ظاهرة إخفاء المعلومات و التحفظ عليها كما إن ثقافة الدبلومات الممنوحة في مختلف المدارس العليا و الجامعات في فرنسا تكرس نوعا من عدم التجانس في الثقافات الإدارية ، و بالتالي ضعف الثقافة المشتركة و الرغبة في التحديث و التطوير ضف إلى ذلك عدم قدرة ما يسما بالهيئات (Fondations) على جلب الذكاء البشري الخارجي و استخدامه في إقامة آليات الذكاء الاقتصادي و الاستفادة منه على نحو ما هو جاري العمل به في مؤسسات و هيئات التفكير في الولايات المتحدة أو اليابان .
على سبيل المثال ، توجد بفرنسا 473 هيئة لا تتلقى إلا 0,09 % من الناتج الداخلي الخام ،
في حين توجد 1200 هيئة من هذا النوع تتلقى 2, 1 % منه في أمريكا و 3000 هيئة في بريطانيا و 2000 في ألمانيا. و قد تعالت الأصوات لإصلاح نظام الذكاء الاقتصادي في فرنسا انطلاقا من سنة 1995 عند نشر تقرير Carayon ، ومن بعدها تقرير نائب Mertere.لقد اقترح Carayon نظام للذكاء الاقتصادي وفقا للخصوصيات الفرنسية
يتضح أن المؤسستين الهامتين في هذا النظام هما على التوالي الأمانة العامة للتنسيق بين الوزارات (SGCI) و الأمانة العامة للدفاع القومي (SGDN) و كلامهما تحت سلطة الوزير الأول .
كما اقترح التقرير تطوير الذكاء الاقتصادي و عمليات البحث و التطوير على المستوى الإقليمي (الجماعات المحلية ) و القطاع الخاص. تم ذلك بإنشاء وكالة نشر المعلومات التكنولوجيا (ADIT) وهي مؤسسة عمومية كما تم استحداث شركة خاصة تسمى الشركة الأوربية للذكاء الاستراتجي (CEIS) و التي تقدم خدماتها لمؤسسات صناعية فرنسية و أوروبية .
كم ألح تقرير Martre على دعم تعليم الذكاء الاقتصادي مما أتاح الفرصة لبعض المدارس العليا للتجارة بفرنسا لتقديم دروس في الذكاء الاقتصادي على غرار مجموعة الدراسات التجارية العليا (HEC) .




ساحة النقاش