authentication required

الشك و اليقين

 

مقدمة:

 

إن مشكلة الشك و اليقين تعتبر من المشكلات الأساسية التى يتناولها مبحث المعرفة وحدودها تدور حول مدى إمكانية قيام معرفه عندنا بالعالم الخارجى أم أننا نعجز عن ذلك ؟

وبمعنى آخر هل يمكن أن تتكون عندنا معرفه يقينية صحيحة عن العالم الخارجى ؟

وان معرفتنا عن هذا العالم ظنية تخضع للشك ولا ترتقى إلى مستوى اليقين ؟

وفى هذا المجال ظهرت مجموعتان من المذاهب الفلسفية .

 

أولا: مذاهب الشك بمختلف أنواعه .

ثانيا : مذاهب اليقين بمختلف أنواعه .

 

تعريف الشك :

عرفه الجرجانى فى معجمه الفلسفى بقوله هو ( التردد بين النقيضين بلا ترجيح لاحدهما على الآخر ) .

وقيل أن الشك هو مستوى طرفاه .

وقيل أيضا أن الشك هو الوقوف بين الشيئين لايميل القلب الى أحدهما .

 

خصائص الشك : تتمثل فى الأربع نقاط التالية :

1.   توقف الشخص الشاك عن إصدار أحكامه سواء بالقبول أو الرفض . بمعنى انة يظل يترددفقط دون ان يحكم بالإثبات أو النفى.

2.   قدرة الشخص الشاك على الاختيار والانتقاء بين النقيضين ولكنة رغم ذلك يرفضهما معا.بمعنى انة بدون هذة القدرة لا يكون الموقف شكا وإنما عجزا. اى أنه يرفض برغبتة إصدار حكمة بالإيجاب أو السلب على احد النقيضين.

 

 

 

3.   يعتبر الشك تعبير عن الحرية الذاتية للفرد. 

 وهذة الخاصية نتيجة حتمية للخاصيتين السابقتين فما دام الشخص الشاك يرفض الانحياز إلى احد النقيضين وما دامت لديه القدرة على الاختيار و الانتقاء بينهما ولكنه يرفضهما معا يعنى ذلك أن مثل هذ الشخص يمارس نوعا من الحرية الذاتية فى ان يحكم أو لايحكم وانه اختار موقف الشك بإرادته الحرة دون اى إجبار

 

4.   الشك ليس جهلا . بمعنى أن الشك موقف عقلى واع و اتجاه فلسفى يتخذه صاحبه بعد تفكير عميق وتدبير طويل حيث يجب أن يناقش كل الآراء و أن يصنفها ويرتبها ثم ينتقل إلى نقيضها ويصنفها أيضا.

تعريف اليقين :

هو الإقرار بصحة موقف معين والتأكد من صواب الادلة لهذا الموقف دون غيره من المواقف الاخرى .

خصائص اليقين :

1-   انحياز واضح وصريح الى احد النقيضين وتدعيمه بالادلة الكافية  عن غيره من المواقف وبدون الادلة والبراهين لا يكون الموقف يقينا  وانما موافقة عمياء

2-   القدرة على الاختيار وعلى اثبات صحة احد النقيضين وذلك بالادلة المدعمه  والبراهين الممكنة لهذا الانحياز . اى ان الموقف يقينى يبتسم بالحرية والاختيار

 

الشك واليقين موقفان متعارضان بينهم عناصر مشتركة

اولا : أوجه الشبه بين الشك واليقين

أوجه المقارنة

الشك

اليقين

أوجه الشبه

1 القدرة : قدرة الشخص الشاك على الاختيار بين النقيضين لكنه يرفضهما معا وبدون القدرة لا يعتبر شك بل عجزا .

2- الحرية : حرية الشخص الشاك فى أن يحكم أو لا يحكم

3- ليس جهلا : الشك ليس جهلا بل موقف عقلى واع يتخذه صاحبه بعد تفكير عميق وتدبير طويل.

1_القدرة:قدرة الشخص على الاختيار واثبات صحة احد النقيضين ودعمة بالادلة الكافية .

2_الحرية:قدرة الشخص على الانحياز لطرف معين عن اقتناع مع أنه كان من الممكن أن ينحاز إلى الطرف الآخر.

3_ليس جهلا:لان اختياره مدعم بالأدلة والبراهين.

 

 

 

ثانيا:اوجة الاختلاف بين الشك واليقين

وجه المقارنة

الشك

اليقين

أوجة الاختلاف

1- هو التردد : بين النقيضين بلا ترجيح احدهما على الآخر

2- الحيرة توقف الشخص الشاك عن إصدار حكمه سواء بالقبول أو الرفض .

1- هو الإقرار : بصحة موقف معين والتأكد من الأدلة المدعمه لهذا الموقف دون غيره

2- الانحياز : الواضح والصريح لموقف دون الأخر وتدعيمه بالأدلة ولا يعتبر يقين بل موافقة عمياء

 

 

أنواع الشك :

إن الشخص الذى يستخدم الشاك إما انه يشك حبا فى الشك ذاته وسعيا وراء تقويض اى حقيقة ممكنة ، أو انه يشك مؤقتا فى الحقيقة تمهيداً للتوصل بعد ذلك إلى الحقائق اليقينية الثابتة .

 

هناك نوعان للشك هما شك مذهبى دائم ، وشك منهجى مؤقت ، وتفصيل ذلك كما يلى

أ‌-      النوع الاول : هو الشاك المذهبى ويتصف بالخصائص التالية

1-   مذهبى : لان صاحبه يتاخذه مذهبا لنفسه فى التفكير والحياة .

2-   دائم :   لان صاحبه يظل معتنقا له دون التفكير فى تغييره .

3-   هدف فى ذاته : لان صاحبة يتخذة مذهبا محددا لة ودائم فيصبح هدفا مطلوبافى ذاتة.

4-   يؤدى الى الشك:  يعنى ذلك ان ممارسةهذا الشك لايؤدى الى نتيجة جديدة خلاف الشك ذاتة.

5-   هدام:  نتيجة حتمية للخصائص السابقة حيث لابد ان يتصفهذا النوع من الشك بالهدم فقط دون البناء.

ب- النوع الثانى : هو الشك المنهجى ويتصف بالخصائص التالية

1- منهجى : لان صاحبه يتخذه منهج فقط  للتفكير دون ان يتمسك به كمذهب .

2- مؤقت : لان كل منهج لتفكير لابد ان يكون استخدامه مؤقت لحين تحقيق اهدافه المرجوة منه وهى الوصول لليقين.

3- وسيلة مؤقته : الشك هنا وسيلة مؤقته لتحقيق اهداف ابعد منه واعلى وهى الوصول لليقين  .

4- يؤدى الى اليقين : يعتبر هو الهدف الاساسى الذى نسعى الية من استخدامنا لوسيلة الشك المؤقت حيث يبداء الشخص بالشك وينتهى باليقين .

5- بناء :  نتيجة حتمية بالخصائص السابقة اذ طالما ان الشك المنهجى يستهدف اليقين فهو بناء نافع للفرد والمجتمع .

 

الشك المنهجي والبناء الحضارى

الشك المنهجى فى الحضارة الغربية ( ديكارت )

 

النهضة الاوربية ومكانة ديكارت :

نشاء ديكارت فى عصر النهضة الأوروبية الحديثة  هدفه الفكرى البحث عن الحقيقة ودعم اليقين الذى هو اساس بناء الحضارة وقد نجح ( ديكارت ) بالفعل فى تحقيق هذا الهدف بمذهبه الفلسفى العقلى الذى سار على طريقتة غالبية الفلاسفة المحدثين حتى اطلق عليه ( ابو الفلسفة الحديثة)

معنى المنهج عند ديكارت :

يعرف ديكارت المنهج بانه ( جملة من القواعد المؤكدة التى اذا ما راعاها ذهن الباحث عصمته من الوقوع فى الخطاء ) حيث ان النموزج الامثل للمعرفة اليقينية عند ديكارت هى المعرفة الرياضية وكان هدف ديكارت الوصول الى اليقين بمنهج عقلى استنباطي  محدد يقوم على اساس افكار واضحة متميزة ليبنى عليها معرفته اليقنية بالبداها العقلية او الحدث وهذه الحقائق الحدسية يمكن اتخاذها مقدمات لاستنباطات يقينية بعيدة عن كل شك .

 

يتأسس المنهج عند ديكارت على عاملين هما :

1-   الحدس : هو الرؤية العقلية المباشرة التى يدرج بها الزهن بعض الحقائق ويسلم بها العقل تسليما . بمعنى ان الحدس ومضة سريعة للعقل يدرك بها الانسان  الحقائق اليقينية ادراكا مباشرا دون الحاجة الى شهادة الحواس

2-   الاستنباط : هو فعل من افعال العقل ننتقل فيه من حقائق معينة مسلم بصحته الى نتائج تلزم عنها .

 

قواعد المنهج الديكارتى :

    وضع ديكارت لمنهجه اربع قواعد لكى يضمن بها الوصول الى اليقين المنشود وهى :

1-   قاعدة البداهة والوضوح : تؤكد على الانسان حين يبحث عن الحقيقة فى اى موضوع ان يحرر نفسه من اى سلطة الا سلطة العقل فيقول ( الا اتلقى شيئا على الاطلاق على انه حق مالم يتبين لى بالبداهة انه كذالك ) ويعنى ذلك تجنب التعجل وعدم التشبث بالاراء القديمة .

2-   قاعدة التحليل : نفترض ان هناك مشكلة مركبة وذات جوانب متتعددة ثم نبداء بتقسيمها وتحليلها الى عناصر بسيطة حتى يمكن حلها .

 

3-   قاعدة التاليف : وهى مكملة للقاعدة السابقة فيقول ( ان ارتب افكارى بابسط الامور  وايسرها ثم اتدرج رويدا حتى اصل الى معرفة اكثرها تعقيدا بل ان ارفض ترتيباً بين الامور التى لا يسبق بعضها البعض الاخر بالطبع .

 

 

4-   قاعدة الاحصاء والمراجعة : تتم فيها مراجعة كل الخطوات السابقة حتى نكون على ثقه باننا لم نغفل اى عنصر من موضوع البحث فيقول ( ان اعمل فى جميع الاحوال من الاحصائات الكاملة والمراجعات الوافية ما يجعلنى على ثقه من اننى لما اغفل شيئا يتصل بالمشكلة المعروضة بالبحث ) .

 

 

مجالات الشك وطريقه عند ديكارت ( الجانب السلبى ) :

1-   الشك فى الحواس :

شك ديكارت فى الحواس وفى قيمة المعرفة الحسية لانها خادعه ومتغيره ويؤكد ديكارت ان اليقين المطلوب لم يتحقق الا اذا طرحا جانبا الحواس ومدركاتها المتغيرة والتى كثيرا ما تخدعنا فى حياتنا اليومية حيث قال

ان الحواس تخدعنا كثيرا فمن يخدعنى مرة يخدعنى كثيرا وكل ما امنت بصدقه عن طريق الحواس مرفوض لانها خادعة فمن الحكمة الا نطمئن الى من خدعونا ولو مرة واحدة

 

2.الشك فى الحياة الشعورية :

يقول البعض ان هناك اشياء حسية لا يمكن الشك فيها مثل شعورى بهزت راسى تحريك يدى وغير ذلك مما امارسه فى حياتى العملية و ادركه بحواسى الخاطئة.

الا ان ديكارت على هذا الراى و قال ( اننا كثيرا ما نحلم اثناء النوم ونظن طوال الحلم اننا فى الوقع الحقيقى وحين نستيقظ نكتشف انها مجرد احلام واوهام فمن يدرينى اننى الان قد اكون فى حلم طويل يمثل وهما كبيرا اظنه الحقيقة فقد ياتى وقت واستيقظ فيه واتاكد حينئذ اننى كنت اعيش وهم وحلم طويل .

 

3. الشك فى العقل :

اذا كانت الحواس خادعه وحياتنا الشعورية مجرد حلم فقد يكون اليقين اذا موجود فى الاستدلالات العقليه التى تستمد قوتها اليقينية من بداهة العقل مثل قول  2+3 = 5 دائما حيث انه لايمكن موضع شبهة من خطأ او شك ولكن رغم ذلك شك ديكارت فى الحقائق العقليه الاولية حيث افترض وجود ( شيطان ماكر ) استطاع ان يضلل عقلى منذ وجودى فى الحياة وظل يخدعنى ويصور لى الوهم حقيقة طوال حياتى وهكذا شك ديكارت فى الحواس و الحياة الشعورية و العقل وذلك مؤقتا وتمهيدا للوصول الى الحقائق اليقينية الثابته و التى لايمكن اخضاعها للشك .

 

الانتقال من الشك إلى الحقائق اليقينية الثابتة ( الجانب الايجابى )

 

ان اليقين الذى توصل اليه ديكارت  من شكه المؤقت قائم على العقل ومبادئه المنطقيه و و التى لايمكن اخضاعها للشك ابدا  حيث توصل ديكارت الى اثبات ثلاث حقائق يقينية

متدرجة و مترابطة معا هى :

 

اليقين الاول : إثبات وجود النفس ( الكوجيتو)

ان الشك يتطلب وجود فاعل يشك اوذات مفكرة تقوم بعمليه الشك لانه لايمكن ان يحدث الشك  او يظهر بدون تلك الذات المفكرة الشاكه . اذن فالذى يشك لابد ان يكون مفكرا  و الذى يفكر لابد ان يكون موجودا لانه لايمنك للعدم او لغير الموجود ان يفكر وهكذا توصل( ديكارت ) من الشك السابق الى اول حقيقة يقينية لايمكن اخضاعها للشك اطلاقا هى حقيقه ( وجود الذات المفكرة ) حيث وصل لتلك الحقيقة اليقينية بالحدث العقلى المباشر وصاغ القضية الاولى ( انا افكر اذا انا موجود )

 

اليقين الثانى : إثبات وجود النفس :

جعل ديكارت الحيقيقة اليقينية الاولى  ( وجود النفس ) ركيزه ينطلق منها لاثبات حقيقة يقينية ثابتة هى ( وجود الله ) . حيث ان الانسان  عندما يشك ويفكر يشعر دائما انه كائن ناقص ياتى به غيرة الى الوجود بالاضافه الى انه يشعر بالنقص و العجز تجاه كثيرمن حقائق الوجود لذلك فهو بطبيعته كائن ناقص باستمرار  وشعور الانسان بالنقص معناه  ان لديه فكره عن الكمال فى ذهنه مقارنته بها نقصة الدائم فمن اين جأت الفكرة عن الكمال ؟

ومن هنا قال ديكارت انها جأت الينا بوسطة الله تعال الكامل لان وجودها فى الذهن الداخلى للانسان دليل على وجودها  فى العالمل الخارجى ، دون ان تكون دليل على ان الانسان نفسه كامل حيث ان الانسا بطبيعته عاجز لم يخلق نفسه بنفسه ولكن الله هو الخالق و من هنا لايمكن انكار وجود الله ابدا وتوصل ديكارت الى هذا اليقين بالاستنباط

 

اليقين الثالث : إثبات وجود العالم 

انتقل ديكارت من اثبات وجود الله الى اثبات الحقيقة اليقينية الثالثة وهى اثبات وجود العالم وذلك كما يلى

اذا كان الله كامل وهو الذى  غرس فى نفوسنا الناقصة فكرة الكمال فانه لابد ان يكون صادقا لان الكذب ليس من طبيعة الكمال ابدا .

والصدق الالهى سيضمن لنا  صحة ويقين وجود العلم الخارجى الذى خلقة الله ويمنع الشيطان الماكر من خداع عقلى ولو بابسط البديهات  وسيجعلنى اطمئن الى صحة ادراكى لهذا العالم بكل مافيه من موجودات وتصبح كل حقائقة يقينية واضحة امام عقلى  وهكذا استطاع ديكارت ان ينتقل من الشك المؤقت الى اليقين الدائم واسس اول الحقائق اليقينية فى الفكر الانسانى و التى لايمكن اخضاعها للشك ابدا و التى اصبحت من ضمن اسس بناء الحضارة الإنسانية الحديثة .

  • Currently 95/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
31 تصويتات / 2854 مشاهدة
نشرت فى 20 نوفمبر 2008 بواسطة Egy2008

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

5,350