حكم عجيب وغريب وأحكام أخرى

 بقلم د. يحيى الجمل ٢٨/ ٦/ ٢٠١٠

أما الحكم العجيب الغريب فهو صادر من محكمة استئناف القاهرة دائرة ٧٩ أحوال شخصية فى القضية رقم ٢٢٠٢ لسنة ١٢٤ق، والحكم ليس عجيباً وغريباً لأنه خالف الحقيقة، أو حاد عن جادة النصوص القانونية، ولكن الحكم استعمل عبارات وألفاظاً لا أظن أننى، وأنا أتابع أحكام المحاكم على مدى أكثر من قرن ونصف القرن فى موسوعاتها المختلفة، قرأت ألفاظاً وعبارات مثل تلك التى قرأتها فى ذلك الحكم، ومن يدرى فقد يكون للدائرة الحق فى استعمال ما استعملته من ألفاظ غريبة. انظر إلى الحكم يقول: «قضت محكمة الدرجة الأولى بقضاء هزيل لا يساوى مواد كتابته وعلى نموذج تافه.. واسترسالاً لتقاعس القضاة واللامبالاة التى ابتليت بها المدرسة القضائية المصرية كتب الحكم على نموذج (......)». وكانت محكمة الدرجة الأولى قد حكمت بإثبات طلاق المدعى عليه طلقة بائنة فطعن الطاعن فى هذا الحكم ورأت المحكمة الاستئنافية أن الحكم غير سليم فألغته ولكنها وهى بصدد إلغائه كتبت العبارات التى أوردتها، والتى ليس لها سابقة فيما أعلم، واتجه هذا الحكم العجيب ـ الغاضب ـ فى نهايته إلى أن توجه إلى التفتيش القضائى قائلاً: «كما تهيب المحكمة بالتفتيش القضائى والمفترض أنه المعلم والموجه -الذى نسى دوره- أن يباشر دوره وأن يمنع كتابة الأحكام بملء نماذج سواء بالمحاكم أو النيابة إذ طغت النماذج على عرض وقائع الدعوى، فالقاضى الذى يكتب عدة سطور لملء خانات الحكم لا يمكن أن يصل إلى نتيجة صحيحة أما من يكتب الوقائع فتترسخ فى عقله، ويصل فى الغالب الأعم إلى صحيح القانون، فيا إخوانى وأبنائى لا تفرطوا فى القراءة والاطلاع ولا تكتبوا النماذج، فلقد لاحظت أخطاء إملائية كثيرة وفهماً متدنياً وحقوقاً ضائعة، أضرع إلى الله العلى العزيز أن يعيد المدرسة القضائية المصرية إلى عهدها السابق، أسلوباً سليماً رصيناً وإلماماً كافياً بعناصر الدعاوى وطلبات الخصوم وصولاً لوجه الحق فى الدعوى». من الناحية الموضوعية، ليس عندى اعتراض على الحكم، بل أؤيده على طول الخط ولكن التساؤل: هل هذا حكم أم هو موضوع يصلح للكتابة فى صحيفة وعندئذ يصبح مقبولاً ومعقولاً؟. ألا ترون معى أن لغة الحكم غريبة وعجيبة فعلاً، وإن كان ذلك لا ينتقص من السلامة الموضوعية للحكم شيئاً. هذا هو الحكم الغريب العجيب فى لغته وأسلوبه. أما الأحكام الأخرى الصادرة فى الفترة الأخيرة والتى تحتاج التعليق ـ غير حكم الإدارية العليا، فيما يتعلق بقضية الزواج الثانى للمسيحيين الأرثوذكس والذى عقب عليه أكثر من مرة ـ أما الأحكام الأخرى التى أثارت اهتمام الرأى العام وفى مقدمتها الأحكام الخاصة بجنسية المصريين الذين تزوجوا إسرائيليات، وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية وعندما تفشت هذه الظاهرة وكان قانون الجنسية الإسرائيلى يمنح ابن الإسرائيلية الجنسية الإسرائيلية لزاماً، وكان القانون المصرى يضفى الجنسية المصرية على الابن لأب مصرى من زوجة أجنبية، فإن هذا الأمر سيؤدى إلى أن عدداً من المصريين سيحملون الجنسيتين الإسرائيلية والمصرية، وقد رأى البعض فى هذه الظاهرة خطراً على الأمن القومى فتقدموا لوزير الداخلية بطلب لكى يعرض على مجلس الوزراء أمر إسقاط الجنسية عن هؤلاء الأشخاص ولكن وزير الداخلية اتخذ موقفاً سلبياً، ولم يعرض الأمر على مجلس الوزراء، فصدر حكم محكمة القضاء الإدارى فى ١٩/٥/٢٠٠٩ ومقتضاه إلزام وزير الداخلية بعرض الأمر على مجلس الوزراء لكى يتخذ قراراً بإسقاط الجنسية المصرية عن هؤلاء المصريين المتجنسين بالجنسية الإسرائيلية والمتزوجين من إسرائيليات. وجاء فى حيثيات هذا الحكم المهم: «ومن حيث إنه لا يتصور أن يكون الولاء للوطن شركة مع..... آخر. والجنسية المصرية صفة غالية وشرف يترتب عليها تمتع الشخص بحقوق المواطن والمشاركة فى إدارة الشؤون العامة للوطن وهى تستلزم الولاء العميق والتام لهذا الوطن». وقال الحكم فى حيثياته أيضاً عن ظاهرة زواج الشبان المصريين من إسرائيليات إنه يكون «لزاماً على جميع السلطات فى الدولة القضاء على هذه الظاهرة والعمل على وأدها على وجه يدرأ عن البلاد فساداً محتوماً». وانتهت المحكمة إلى أن الأمر يمس الأمن القومى المصرى والمصالح العليا للدولة، ومن ثم أصدرت الحكم السابق الإشارة إليه. ولكن هذا الحكم الخطير والمهم والصائب لم يرض وزارة الداخلية ـ أو بعبارة أخرى لم يتوافق مع سياسة المهادنة مع الكيان الصهيونى ـ فطعنت فيه وزارة الداخلية أمام المحكمة الإدارية العليا. بتاريخ ٥ يونيو ٢٠١٠ أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها الذى أيدت فيه محكمة القضاء الإدارى فيما ذهبت إليه، وجاء فى حيثيات هذا الحكم المهم والخطير والتاريخى أيضاً أن هذه المسألة ـ تفشى ظاهرة زواج المصريين من إسرائيليات ـ فى حاجة إلى صدور «قرار لا يرعى إلا وجه المصلحة العامة للوطن واضعاً تحت نظره المادة الأولى من الدستور التى تنص على أن الشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة، وهذا الحكم الدستورى الملزم لجميع سلطات الدولة يؤكد حقائق منها أن الشعور العام للشعب المصرى قومى الاتجاه والإحساس بهموم الأمة العربية وفى قلبها الصراع العربى ـ الإسرائيلى ومشكلة فلسطين، وما تقوم به إسرائيل من انتهاكات لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين الأسرى فى الحروب العسكرية. وانتهى حكم المحكمة الإدارية العليا إلى الموافقة على «جوهر» ما حكمت به محكمة القضاء الإدارى وألزمت وزارة الداخلية بضرورة عرض الأمر على مجلس الوزراء، لينظر فى إسقاط الجنسية عن هؤلاء المصريين. هذه بعض الأحكام التى أثارت الرأى العام فى الفترة الأخيرة وأحسست أنه قد يكون من باب الثقافة القانونية الواجبة إلمام جمهرة المثقفين بمثل هذه الأحكام ما كان منها غريباً عجيباً وما كان تاريخياً عظيماً. والله المستعان

المصدر: محمد السطيحه عن د/ يحيى الجمل
  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 368 مشاهدة

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

1,665,240