حكم الخارج من البدن من غير السبيلين

أَجْمع الفقهاء على أَن الْخَارِج من السَّبِيلَين ينقض الوضوء ( ). واختلفوا في الخارج من البدن من غير السبيلين هل يعد ناقضا للوضوء أو لا إلى قولين:

القول الأول:

 ذهب الحنفية، والحنابلة، إلى أن الخارج من غير السبيلين يعد ناقضا للوضوء، وبه قال الثوري، الأوزاعي، وإسحاق بن راهوية وهو قول أكثر الفقهاء وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء وثوبان، وعروة بن الزبير، و إبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم بن قتيبة، وحماد، والحسن بن حي، ويرى الحنابلة أن الذي ينقض الوضوء هو الكثير الفاحش فقط أما القليل فلا يعد ناقضًا. ( )

القول الثاني:

 ذهب المالكية، والشافعية، والظاهرية، و الإمامية، و الزيدية والإباضية إلى أن الوضوء لا ينتقض بخروج شيء من غير السبيلين كدم الفصد( )، والحجامة( )، والقيء، و الرعاف سواء قل ذلك أو كثر وبهذا قال عمر، و ابن عباس، و ابن أبي أوفى، وجابر، و أبو هريرة، وعائشة، سعيد بن المسيب، سالم بن عبد الله بن عمر، القاسم بن محمد، وطاووس، و مكحول، و ربيعة، وأبو ثور وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. ( )

سبب الاختلاف

يرجع سبب اختلاف الفقهاء في ذلك إلى أَنَّه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء بما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي لظاهر الكتاب والآثار. تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات: 

أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط على ما رآه مالك - رحمه الله تعالى -

 الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس.

 الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المجمع عليها إنما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه. ( )

الأدلة والمناقشة:

أدلة القول الأول:

استدل أصحاب القول الأول القائل بأن الخارج من غير السبيلين يعد ناقضًا للوضوء بالسنة، و القياس.

أولا السنة ومنها:

ا- ما رويعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله : «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم»( )

وجه الدلالة:

الْحَدِيث يدِل على أن القيء والرعاف و القلس والمذي نواقض للوضوء.

 ويدل لذلك من وجوه.

1- أنه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز، ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض فدل بعبارته على البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه .

2- الثاني أنه أمر بالوضوء ومطلق الأمر للوجوب.

3- الثالث أنه أباح الانصراف وهو لا يباح بعد الشروع إلا به( ).

مناقشة هذا الدليل:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأنه ضعيف باتفاق الحفاظ وضعفه من وجهين أحدهما أن رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريح وابن جريح حجازي ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة عند أهل الحديث.

 والثاني: أنه مرسل قال الحفاظ المحفوظ في هذا أنه عن ابن جريح عن أبيه عن النبي  وممن قال ذلك الشافعي، وأحمد بن حنبل - ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبو ذرعة وأبو أحمد والبيهقي وغيرهم. ( )

أجيب عن ذلك:

أن إسماعيل بن عياش وثقه ابن معين وغيره، وقال يعقوب بن سفيان ثقة عدل، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه، وما يضر الحديث إذا رواه الثقة بإسنادين مرسل ومسند في حالة واحدة، ومن رواه بالإسنادين جميعا الربيع بن نافع وداود بن رشيد وهذه المقالة تفيد الخطأ على ابن عياش فإنه لو رفع ما وقفه الناس ربما يتطرق الوهم إليه، فأما إذا وافق الناس على المرسل وزاد عليهم بالمسند فهو مشعر بتحفظ وتثبت الزيادة عن الثقة بقوله، ولئن سلمنا أنه مرسل مطلقا فنحن نحتج به( )

رُد ذلك فقالوا لو صح فإَنَّا نحمله على أحد أَمرين:

1- إما على الوضوء استحبابا، 2 - وإما على غسل ما أصاب الفم من ذلك لأن القلس وهو الريق الحامض يخرج من الحلق ولا يوجب الوضوء وفاقا. ( )

2- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش( ) إلى النبي  فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير»( )

وجه الدلالة: 

هذا الحديث فيه دليل على وجوب الوضوء من الدم، ونبه على العلة بقوله: "عرق" فأوجب - عليه السلام - الوضوء على المستحاضة من دم العرق والسائل فكذلك كل دم يسيل من الجسد ( )

مناقشة هذا الدليل:

 نوقش هذا الحديث من وجهين:

 أَحَدهمَا: أنه ضعيف غير معروف وحديث المستحاضة مشهور في الصحيحين بغير هذه الزيادة وهي ذكر الوضوء فهي زيادة باطلة.

 وَالثَّانِي : لوصح لكان معناه إعلامها أن هذا الدم ليس حيضا بل هو موجب للوضوء لخروجه من محل الحدث ولم يرد أن خروج الدم من حيث كان يوجب الوضوء ومن العجب تمسكهم بهذا الحديث الضعيف الذي لو صح لم يكن فيه دلالة.( )

3 - ما روي عن تميم الداري( ) قال رسول الله : «الوضوء من كل دم سائل»( )

وجه الدلالة:

هذا الحديث يدل على وجوب الوضوء من خُرُوج كل دم إذا سَالَ حَتَّى يُجَاوز مَوضِع التطهِير( )

مناقشة هذا الدليل:

نوقش هذا الدليل من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه ضعيف وضعفه من وجهين:

 أحدهما: أن يزيد ويزيد الراويين مجهولان .

والثاني: أنه مرسل أو منقطع فإن عمر بن عبد العزيز لم يسمع تميما

الثاني : أنه لو صح حمل على غسل النجاسة.

الثالث: أو يحمل على الاستحباب( ) 

4- عن معدان بن طلحة، ( ) أن أبا الدرداء( )، حدثه، «أن رسول الله  قاء فأفطر»، فلقيت ثوبان مولى رسول الله  في مسجد دمشق، فقلت إن أبا الدرداء، حدثني أن رسول الله  «قاء فأفطر»، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه  ( )

وجه الدلالة:

 يدِل اْلحَدِيث علَى أن القيء من نواقض الوضوء لأنه ذكر أنه توضأ منه( )

مناقشة هذا الدليل:

نوقش هذا الحديث من ثلاثة أوجه:

الأول: أنه ضعيف مضطرب. 

الثَّانِي: لو صح لحمل على ما تغسل به النجاسة .

الثَّالِث:أنه يحتمل الوضوء لا بسبب القئ فليس فيه أنه توضأ من القئ( )

رُد ذلك بما يلي:

أن الوضوء من الحقائق الشرعية وهو فيها لغسل أعضاء الوضوء وغسل بعضها مجاز فلا يصار إليه إلا بعلاقة وقرينة ؛لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعي لا ينبغي العدول عنه إلى المعنى اللغوي ( )

أجيب عن ذلك:

أن القرينة أنه استقاء بيده كما ثبت في بعض الألفاظ والعلاقة ظاهرة وهو فعل وهو لا ينتهض على الوجوب ( ). 

ثانيًا القياس:

1 - أنه نجس خرج إلى محل يلحقه حكم التطهير فنقض كالبول.

2- أن ما ينقض الوضوء إنما هو خارج من البدن كما أن ما يبطل الصوم يكون بداخل إلى البدن فلما لم يقع الفرق فيما يكون به الفطر بين وصوله من سبيل معتاد وغير معتاد وجب ألا يقع الفرق فيما ينقض الوضوء من خروجه من سبيل معتاد وغير معتاد. ( )

مناقشة هذا الدليل:

 نوقش الاستدلال بالقياس بما يلي: أن الحدث المجمع عليه غير معقول المعنى ولا يصح القياس لعدم معرفة العلة.

أما الجواب عن استدلالهم بالفطر في الصوم بالداخل من معتاد وغير معتاد، فهو استدلال بالعكس ولا نقول به، ثم المعنى فيه أنه لما أفطر بقليله أفطر بكثيره، ولما لم ينتقض وضوءه بقليله لم ينتقض بكثيره.( )

أدلة أصحاب القول الثاني

استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء بالسنة، والأثر، والقياس، المعقول. 

أولا السنة: 

1 - عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ( )قَالَ: «أن النبي  كان في غزوة ذات الرقاع( ) فرمي رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع، وسجد ومضى في صلاته»( )

وجه الدلالة:

أنه خرج منه دماء كثيرة واستمر في الصلاة ولو نقض الدم لما جاز بعده الركوع والسجود وإتمام الصلاة وعلم النبي  ذلك ولم ينكره وهذا محمول على أن تلك الدماء لم يكن يمس ثيابه منها إلا قليل يعفى عن مثله ( )

مناقشة هذا الدليل:

نوقش هذا الدليل بأنه كيف يصح هذا الاستدلال من الخبر والدم إذا سال أصاب بدنه وجلده وربما أصاب ثيابه ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرا لا تصح الصلاة عند الشافعي إلاّ أن يقال إن الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزرق حتى لا يصيب شيئا من ظاهر بدنه ولئن كان كذلك فهو أمر عجب.ثم يحتمل أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يعلم بحاله على الفور ثم علم فأمره بالإعادة بغير علم الراوي، ولو وقع التعارض لطلبنا الترجيح وذلك من وجهين:

أحدهما: إجماع الصحابة على مثل مذهبنا ولو كانت الأخبار غير ثابتة لما أجمعوا. 

الثاني: أن أخبارنا مثبتة وأخباره منفية والمثبت يقدم ( )

أجيب على ذلك بجوابين:

الأول: أن تلك الدماء لم يكن يمس ثيابه منها إلا قليل يعفى عن مثله .

الثَّانِي أنه يصير كدم المستحاضة وسلس البول الذي لا يمنع من صحة الصلاة ولا يجب غسله منها . ( )

2 - عن أنس بن مالك ( ), قال: «احتجم رسول الله  فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه»( )

وجه الدلالة:

الحديث يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء وهذا نص ( )

مناقشة هذا الدليل:

نوقش هذا الدليل بأن الحديث في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف كما ذكره الدار قطني وغيره.( )

أجيب عن ذلك :

بأن ما ذكر من أحاديث غيره تغني عنه. ( )

3- عن أبي هريرة  عن النبي ، أنه قال: " لا وضوء إلا من حدث أو ريح "( ) 

وجه الدلالة:

 الحديث يدل ظاهره على انتفاء الوضوء عما سوى ما ذكر إِلا بدليل ( )

مناقشة هذا الدليل:

نوقش هذا الدليل بأن الحديث متروك الظاهر لأن الوضوء يجب من غير الصوت والريح بالاتفاق( )

ثانيًا الأثر:

1- روي أنَ ابن عمر- رضي الله عنهما-، «عصر بثرة( ) بين عينيه فخرج منها شيء ففته( ) بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ»( )

2- ما روي أن المسور بن مخرمة( )، أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها. فأيقظ عمر لصلاة الصبح. فقال عمر: نعم. ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى عمر، وجرحه يثعب( ) دما( ).

3- روي أن أبا هريرة  «أدخل إصبعه في أنفه فخرجت مخضبة دما ففته، ثم صلى فلم يتوضأ»( )

 4 - روي عَنْ جَابِر بن عبد الله، أنه أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم فمسحه بالأرض أو بالتراب ثم صلى( )

5- روي أن الحَسَن البصري قال: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم»( )

وجه الدلالة: دلت هذه الآثار على عدم انتقاض الوضوء من الخارج من غير السبيلين. ( )

ثالثًا الْقِيَاس:

1 – أن كل ما لم ينقض الوضوء بقليله لم ينتقض بكثيره كالدموع والعرق.

2- أن كل حكم لم يتعلق بقليل القيء لم يتعلق بكثيره كإفساد الصوم بالقيء إذا ذرعه طردا، وإذا استدعاه عكسا.

3- أنها طهارة حكمية تتعلق بالخارج من مخرج الحدث فوجب أن ينتفي عن الخارج من غير مخرج الحدث كالغسل.

4- أنه خارج من غير مخرج الحدث المعتاد فوجب ألا ينقض الوضوء قياسا على الدود الخارج من المخرج ( )

رابعا المعقول:

 الأصل أنه لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت. ( )

الرأي الراجح:

بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها يتضح أن القول القائل بعدم انتقاض الوضوء من الخارج من غير السبيلين هو الراجح وهو قول جمهور الفقهاء  لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة، ولأن ما استدل به الرأي الآخر لم تسلم من المناقشة و الأصل عدم النقض حتى يثبت الدليل وقد ثبتت طهارة الإنسان بالدليل الشرعي، وما ثبت بدليل شرعي لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب عليهم، وما ثبت من أنه توضأ من القيء فليس فيه أنه أمر بالوضوء.

 والله تعالى أعلم بالص


  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 104 مشاهدة
نشرت فى 19 يوليو 2017 بواسطة DrNglaa

عدد زيارات الموقع

938