لم يحظ نمط من أنماط العبادة بعد أداء الفروض بالعناية الفائقة مثل ما حظي به الذكر من قبل الطرق الصوفية، فالذكر لديهم ركن أساسي قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو الأساس في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر، فبداية الطريق تتمثل في تزكية النفس وتطهير القلب، وهدف الطريق تحقيق الحب الإلهي والوصول إلى المعرفة، وكل ذلك لا يتأتى إلا بدوام الذكر(<!--)، فالذكر ضرورة ليس فقط في بداية الطريق وإنما في جميع مراحله، وقد أجمع مشايخ الطريق أنه ليس للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة الذكر، كما ذكر د/ عبد الحليم محمود أن المريد لن يترقى إلا بالذكر لأنه الركن الأساسي في طريق القوم(<!--) .

وقسم القشيري الذكر إلى قسمين : ذكر اللسان، وذكر القلب، فذكر اللسان يصل به العبد إلى استدامة الذكر القلبي، فإذا كان العبد ذاكرًا بلسانه وقلبه؛ فهو الكامل في وصفه في حاله وسلوكه، وقد قيل عن الذكر القلبي إنه سيف المريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم(<!--) .

والذكر فضيلة من أسمى الفضائل التي حثَّ عليها القرآن والسنة المطهرة، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالذكر وقرنه بالكثرة، ولم يشترط ذلك في غيره من وسائل الأعمال، كما أثنى على الذاكرين من المؤمنين(<!--) .

ومن خصائص الذكر أنه غير موقوت بوقت، فما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله تعالى إما فرضًا وإما ندبًا، والصلاة وإن كانت من أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات، والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات، كما أن خصائص الذكر هي الحضور في الحضرة الإلهية، فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال الله سبحانه تعالى : " أنا جليس من ذكرني "(<!--)، وقال الله تعالى : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم "(<!--) وقال سبحانه تعالى : " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ " [ سورة البقرة : آية 152 ] .

ومن ثم أرجع أهل الطريق تسميتهم للذكر باسم الحضرة إلى المثول في حضرة الله سبحانه وتعالى اقتداءً بحضرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكذلك ترجع التسمية إلى محاولة تخلص المريد أو المتصوف من العالم الدنيوي حتى يتم له الحضور مع الله عز وعلا، ولذلك يفضل تسمية هذا الذكر الجماعي باسم الحضرة عندهم.

والحضرة من أهم الممارسات الجماعية لدى الصوفية وأكثرها تأثيرًا في الرَّبط بين أفراد الجماعة، وتوثيق علاقة المحبة بينهم، بالإضافة إلى دورها الفعال في التأثير على كل فرد على حدة إذ ترتبط بأسماء الله الحسنى، وبكل ما يتصل به من تسبيح وتعظيم، فهي جلاء للقلوب وتصفية للنفوس، وضرورية للفرد بنمطيها الفرد والجماعي.

وتتمثل الواجبات الأساسية للدخول في الحضرة في الطهارة من الحدث الأكبر، والطهارة من الحدث الأصغر، أما ماعدا ذلك فلا يوجد شرط لدخول الحضرة، بل يمكن لأي غريب دخولها دون أي قيود، فالحضرة حضرة الله ولا يملك أحد فيها شيئًا على الإطلاق، وهي تقام في المساجد المختلفة تبعًا لمكان السكن والعمل لكل مريد مما يفسح المجال لمشاركة أي فرد خارج الجماعة أو الطريقة التي تقيمها بالدخول فيها.

ويتخذ نظام الجلوس في الحضرة شكل دائرة مع مراعاة جلوس المنشدين بجوار بعضهم البعض، وللإنشاد دور كبير في التأثير في قلوب المريدين، وتنشيط أرواحهم حتى عبروا عن أهميته قائلين : " إذا اعتبرنا الذكر روح التصوف فالإنشاد روح الذكر"(<!--) .

وبعد انتهاء الحضرة توزع ما يسمى بالنفحة(<!--)؛ وهي عبارة عن هدية إلهية تبدأ من مجرد الماء أو العطر أو الشاي أو الفاكهة، وفي الغالب تكون النفحة عبارة عن طعام غالبًا ما يكون فتة وأرز باللبن وغيرها من المأكولات، كل حسب قدرته وإمكانياته، ونوع المناسبة التي دعا من أجلها إخوانه.

ويوجد هناك بعض الأدوار التي يلعبها بعض الأفراد من الطريقة عند إقامة الحضرة، مثل :

<!--دور الشيخ أو الخليفة.

<!--مقدم أول ومقدم ثان، وهما يقومان بمهام الشيخ في غيابه.

<!--مقدم إنشاد أول وثان وثالث.

<!--مسئول النفحة.

<!--مسئول الماء .

أما عن أثر الحضرة؛ فإنها تساعد على الشعور بالمساواة وبالتكامل، وتنمي التكافل الاجتماعي، وتوطد أواصر المحبة وتوثق الرباط الروحي بين أية جماعة بإيجاد روح من التعاون والتآلف والترابط بين الذاكرين بغض النظر عن أحوالهم المادية والاجتماعية والنفسية  أو فوارق السن والمكانة الاجتماعية.

<!--

<!--[if !supportFootnotes]-->

 


<!--[endif]-->

(1) القشيري: الرسالة القشيرية، ص 221.

(2) د/ عبد الحليم محمود: قضية التصوف، المدرسة الشاذلية، ص 110.

(3) القشيري: الرسالة القشيرية، ص 221.

(4)  محيي الدين النووي: رياض الصالحين، ص 493-504، دون تاريخ، مكتبة دنديس، القاهرة.

(5) أخرجه الديلمي عن ثوبان رضي الله عنه،  ابن حسام الدين الهندي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، 1: 433، حديث رقم (1871).

(6) الحديث في صحيح البخاري بحاشية السندي، رواه أبو هريرة(رضي الله عنه) في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {ويحذِّركم الله نفسه} رقم ( 6970 )، الإمام النووي: رياض الصالحين، ص 502.

(7) عرفة عبده على: موالد مصر المحروسة بين الماضي والحاضر، ص 29-32، ط1، 1995م، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة.

(8) مصطلح تستخدمه الطرق الصوفية على كل ما يصيب المريد، ويعتقدون في كونه خيرًا له استنادًا إلى القول: " ما من شوكة يشاكها المرء أو عثرة قدم أو اختلاج عرق إلا بذنب، ويعفو عن كثير "، فيقول المريدون بعضهم لبعض : نفحت بكذا ... 

 

المصدر: مصطفى فهمي :رسالة دكتوراه-كلية دار العلوم-جامعة القاهرة
Dr-mostafafahmy

د/ مصطفى فهمي ...[ 01023455752] [email protected]

  • Currently 46/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 1561 مشاهدة

ساحة النقاش

drkhaledomran

مقال في منتهي الروعة يا د/مصطفي
جزاك الله كل خير علي هذا الابداع .

AhmedIbrahim

لك جزيل الشكر بالتعريف عن هذا الجزء من التراث الإسلامي

مصطفى فهمي

Dr-mostafafahmy
فلسفة الموقع مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة فقط. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

468,321