محمد الأشهب
كاتب و صحفي
ديمقراطية الأطباء
إقبال الأطباء في القطاعين العام والخاص على انتخاب هيئتهم بطريقة ديمقراطية، مؤشر قوي لناحية حدوث تغيير عميق في أساليب التفكير والتدبير. إذ يصبح المهنيون على مختلف أصنافهم ومستوياتهم معنيين بأن تكون لهم الكلمة الفصل في اختيار الهيأة التي تمثلهم، لتكون محاورا للسلطات ومختلف الشركاء في بسط إشكاليات القطاع وتنظيمه وتأهيله وفق منظور تشاركي.
لم يعد مقبولا أن تستأثر الإدارة وحدها في زمن الديمقراطية الناشئة، وخصائص الدستور الجديد الذي أرخ لثقافة المشاركة، بفرض تصوراتها على الآخرين. فقد ترسخ الاعتقاد لدى الجسم الطبي بمختلف تخصصاته وتركيبته أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لتحقيق قدر أكبر من المشاركة في التدبير. والواقع أن هذه الصورة إن كانت مشجعة على نطاق استشراء الوعي الديمقراطي، فإنها تجسد نموذجا لما يجب أن تكون عليه الطبعات القادمة في الاستشارة الشعبية، محليا وجهويا ووطنيا.
على امتداد السنوات الأخيرة، برزت تنظيمات مهنية قطاعية تشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. وبعد أن كان الأمر يقتصر في مرحلة سابقة على المحامين دخل القضاء على الخط، فيما تناسلت هيئات المهندسين ورجالات التعليم وآليات المناصفة النسوية، لتعزز المسار المعني ديمقراطيا، حتى إذا تم التواعد إلى فتح الحوار، أمكن لكل الشركاء الإدلاء باقتراحات بناءة، تكون محور نقاش كل الأوراش المفتوحة، وما من قضايا أصبح الالتفاف عليها ممكنا في غضون تنامي الوعي المهني والديمقراطي. وعندما تتأثر ملفات وقضايا بما يعرف بـ«مؤامرة الصمت» تذهب بعض الصحافة الجادة بعيدا في إماطة اللثام عنها، عبر ممارسة رقابة الضمير المهني الذي لا يخضع لأنواع الضغوط والمساومات والإكراهات. ويحق القول فعلا أن بعض الصحافة أصبحت تلعب دورا محوريا في صون الخيار الديمقراطي، إذ تمارس مسؤولياتها في الرصد والنضج وتعرية التجاوزات، بخاصة تلك التي تصدر عن مسؤولين.
الأمر ذاته تضطلع به التنظيمات المهنية، حين لا تخضع لاعتبارات حزبية ضيقة وميول سياسية محضة، ويجتمع ضمنها وحولها كفاءات من كل المشارب والتيارات، لكن هذا الإقبال يعكس في مضمونه بعدا آخر يتمثل في نبذ ثقافة العزوف عند المشاركة والاكتفاء بأخذ مقاعد في صفوف المتفرجين تجاه ما يحدث. وإذا كان من ملاحظة جوهرية فإن الأطباء الذين شاركوا في العملية يتشكلون في غالبيتهم من الأطر الشابة، ما يعزز فرضية أنه عندما تسير الأمور في الاتجاه الصحيح يكون الإقبال والتفاعل والاستجابة، وعلى عكس ذلك عندما تنتفي الجدية تكون المقاطعة والمواقف السلبية.
هكذا درس في السلوك الديمقراطي يدفع إلى الارتياح وتعزيز بوادر الأمل، بخاصة في غضون إحجام الطبقة المتوسطة عن الانخراط الشامل في البناء السياسي، نتيجة حزمة اعتبارات متداخلة، فالناس يقبلون بطواعية على المشاركة عندما تترسخ لديهم القناعة أنهم بصدد المساهمة في إحداث التغيير، وأن ذهابهم إلى صناديق الاقتراع، لا يقتطع منهم بعض الوقت، وإنما يجعل أداء الواجب يهيمن على غيره من مشاعر ومواقف التردد. كلما زاد الإيمان بصناعة التغيير نحو الأفضل، كلما اتسعت المشاركة، وصار للديمقراطية روافد مؤثرة في أوساط الرأي العام.
درس في غاية البساطة، لا يتطلب غير ملاءمة الواقع السياسي مع التطلعات المشروعة. ودلالته لدى مقارنته بأشكال العزوف السياسي تفيد بأن البلاد تستحق أن تكون لها نخب سياسية في مستوى هذه التطلعات، ذلك أنه على رغم تكاثر أعداد الأحزاب، وعلى رغم التجربة القياسية للممارسات النيابية والديمقراطية المحلية التي شابتها مؤاخذات عدة في فترات سابقة، لا تزال ثمة حواجز تحول دون التطبيع الكامل مع تفعيل المشهد السياسي. قد تتعدد الآراء والاستقراءات إزاء الظاهرة، لكن حقيقة أخرى تبقى قائمة، وهي أن عدم اكتراث النخب بالمشاركة السياسية، يجعل بعض ما يطفو على السطح لا يعكس الصورة الحقيقية لما يحفل به الواقع الوطني من وعي وتجاذب وتدافع لا يلغي فرضية الإحباط. من قبل كان يقال أن تزوير الانتخابات لم يسعف في التعرف على المكونات الحقيقية لخرائط المشهد الحزبي والسياسي، واليوم يتردد أن العزوف في الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يساعد القوى التنويرية في اعتلاء الواجهة، وربما جاز استخلاص أن الممارسات السياسية لا تبدو مشجعة، أقله لجهة عدم الارتقاء إلى متطلبات المرحلة في جدل الأفكار والمبادرات، لكن لا شيء يحول دون إمساك الرأي العام بزمام المبادرة، من خلال تغليب سلامة الاختيار والمشاركة في الترشح والاقتراع. وفي تجربة انتخابات البلديات ما قد يساعد على إعادة توازن المشهد الديمقراطي، إذ يصبح كل الشعب معنيا بترسيم وصياغة مستقبل المسار الديمقراطي، آنذاك يمكن لطموح إقامة أقطاب حزبية كبرى أن يتحقق تدريجيا دون الحاجة إلى إذابة أحزاب في بعضها أو تفرع فعاليات عن أخرى، فالشرعية الديمقراطية وحدها تفرض نفسها.


ساحة النقاش