غشيم لأنه عاد إلى هذه الدنيا ،
وغشيم لأنه تذكرني وأراد رؤيتي ،
وأنا غشيم لأني استجبت له ، فبعد غياب دام ستة عشر عاماً ،
دعاني إلى زيارته على وجه السرعة ، فلم أستطع إلا أن أنفذ رغبته
وأذهـب إليه بروح جزعـــة ونفس متأففة .
عند الضحى بالتحديد ، صعدت التل بأنفاس متقطعة ،
وقفت أمام القبر المفروش بالأشواك ،
يغمرني الخوف والارتباك ،
انتظرت أن يخرج من مكان ما وأنا أوزع نظراتي من حولي ،
لكنني لم أجد له أثراً ، وحين طال انتظاري ، ناديته بصوت عال ،
فلم أسمع جواباً :
"يبدوأنني كنت أحلم" .
استدرت إلى الوراء كي أبتعد عن المكان الذي لا أحبه ،
وقبل أن أخطوالخطوة الثانية ، سمعت صوتاً وكأنه يأتي من البعيد ،
أرسلت نظراتي في كل الاتجاهــــات وقلبي يرتجف داخل ضلوعي ،
فلم أر أي مخلوق ،
ومع روائح الخوف التي ظلت تهب من حولي ، ناديته مرة أخـرى ،
ويا للغرابة والعجب ، فبعد لحظات شعرت بأن زلزالاً قوياً قد وقع ،
وبأنني في طريقي إلى الموت المجاني ، رأيت القبر يهتز ، يتشقق ،
وبلحظة واحدة رأيته واقفاً أمامي كفزاعة طيور بلحيته الطويلة ،
وبجسده الذي بدا لي خالياً من اللحم ، بقي واقفا لدقائق ، ثم تثاءب ،
تمطــط ، طقطق عظام رقبته ، وقام بتمارين لا تمت إلى الرياضة بشيء .
كنت أراقبه بجحوظ مخيف ، وكدت ادخل في حقول الهلوسـة ، غير أنه لم يترك لي مجالاً ، أمرني بالاقتراب منه ، فما كان مني إلا أن تركت خوفي جانباً ، اقتربت منه فبدا لي متجهم الوجه . قلت وأنا أتصنع الفرح
: ـ هل أحضر لك حلاقاً ؟
ـ قرأت الفاتحة وأنت تدخل المقبرة ؟
ـ اعذرني لقد نسيت ، لكن لماذا أنت بائس إلى هذا الحد ؟ ما هـذا الحطام الذي في وجهك ؟ وجهك يجلب الفقر يا أبي ، هل كنت صائما كل هذه السنوات ؟
غرز صراخه في وجهي ، وبخني بحدة وأنا ألاطفه وأسـايره وأقول له إن الصراخ يضر بحنجرته .
جلس على الأرض وبلهجة آمرة طلب أن أجلس إلى جانبه ،
استجبت لطلبه وقدمت له سيجارة طويلة :
ـ أظن انك قد اشتقت إلى التدخين أليس كذلك ؟
صفعني بقوة واتهمني بأنني ولد عاق لأنني أدخن بعد موته .
ـ قل لي..
مالذي يجري عندكم ؟ قالها بعصبيته المعهودة . لم أفهم قصده
غير أنني قلت وأنا أبتسم :
ـ لا شيء وكلنا بخير .
رمقني بنظرة غاضبة وأراد أن يقول شيئا ً، لكن موجة قوية من السعال الجاف هاجمته ، وبعد أن هدأ :
ـ لماذا القوي منكم يأكل الضعيف ؟
لماذا تأكلون أموال اليتامى ؟
لماذا لا يحلولكم إلا القتل ؟
لماذا أصبحتم عبيداً للمادة ،
وكل واحد منكم لا يفكر إلا بنفسه ؟
لماذا.. ؟ لماذا.. ؟
انتابتني موجة من الضحك ، فحمل حجراً وألقى به على رأسي ،
فقلت وأنا أكتم أنيني :
ـ أنت انتهيت كقطرة ماء تدحرجت على أرض صخرية ، فلماذا تشغل بالك بأمور الدنيا ؟ ثم لماذا تقول لي هذا الكلام ؟ هل أنا مسؤول عن العالم ؟
ثم أضفت وأنا أشعل سيجارة :
ـ دعك من هذه الأمور ولا تشغل بالك ولا تزعل ، فالزعل سيضرك كثيراً ، وستتعذب كثيراً في المشافي ، وربما باعوك كقطع غيار ،
ثم أنا لا أستطيع أن أنقلك إلى المشفى .
هب واقفاً وكأن عقرباً قد لدغه وقال بمرارة ونحيب :
ـ اذهب من هنا.. هيا اذهب .
ـ أتريد شيئاً أحضره لك في المرة القادمة ؟
نظر إليّ بازدراء ورد بصوت حانق محتج :
ـ انقلع من هنا ولا تريني وجهك حتى تقضي على كل ما هوسيئ في هذه الدنيا.
ضحكت كثيراً وبصوت عال ، ولم أهدأ إلا عندما رماني بحجر كبير،
ومع الضحكة الملونة بالألم قلت :
ـ هل أنا سوبرمان أوطرزان حتى تطلب مني ذلك ؟!
هذه هي الدنيا كلها أمامك ، نفذ وحقق ما تريد إن كنت رجلاً .
كاد يفقد صوابه ، غير أنه تمالك نفسه ، حمل جثته وسار باتجاه مكانه الأزلي وهويقول بغضب واضح :
ـ اللعنة عليكم ما أوسخكم وما اوسخ دنياكم ! وما إن صار تحت التراب حتى تنهد بارتياح :
ـ ياااااه ، كم هومريح هذا المكان .
وحين لم أجد غير الصمت المطبق غادرت المقبرة على عجل حيث صديقتي تنتظرني في أحد المطاعم .


ساحة النقاش