ترسمُ الآياتُ القرآنيةُ لنا صورة موسى (ع) قويّاً نفّاعاً، فهو حينما يُنتدب للدفاع عن شخص من معارفه يهبّ لنجدته والدفاع عنه.. وحينما يتوجّه تلقاءَ "مَدين" يرى إبنتي شعيب (ع) تنتظران سقاية الأغنام حتّى ينفضّ الزحام، يسقي لهما، ومن خلال وصف إبنة شعيب لموسى (ع) بأنّه (القويّ الأمين) نعرفُ مدى قوته.

بعد حادثة القبطيّ القتيل – في المثل الأوّل: الإستنجاد به – يتوجّه موسى (ع) إلى الله ضارعاً أن تكون موهبة القوّة لديه "نفّاعة" أي مسخّرة في طريق الخير: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) (القصص/ 17)، ولذلك فحينما دعاه نفسُ الشخص لنجدته مرّة أخرى لم ينصره، لكنّه وظّف قوّته في خدمة بنات شعيب العفيفات كشابّ مقتدر بدنياً، ومقدّر لقيمة الحشمة لدى فتيات يرفض مزاحمة الرجال.

موسى (ع) تطوّع للخدمة.. كانت خدمتهُ مجانيّة لم يطلب الأجر عليها.. لكنّ شُعيباً (ع) دعاهُ ليشكره ويؤجره بتزويجه إحدى بناته (تذكّر أنّ الجائزة الإجتماعية تأتي عرضيّة ولا تشكِّل الدفاع الأساس لعمل "المباركين النفّاعين").

"ذو القرنين" عبدٌ صالحٌ مُبارَك نفّاع.. أحبَّ اللهُ فأحبّه.. عنده قدرة على بناء السدود.. حين وصلَ بين السدّين وجدَ أناساً يشتكون إليه من عصابات مفسدة (يأجوج ومأجوج).. عرضوا عليه أن يبني لهم سدّاً ويقدِّموا له أجراً، فبنى لهم السدَّ من دون عِوض، وقال: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) (الكهف/ 95).

يوسف (ع) عرضَ على الملك الذي قرّبه بعد قصة السجن أن يكون وزيراً على خزائن مصر لأنّه (أمينٌ) عليها (عليم) بمتطلّباتها وإدارتها، وقيل إنّ الملك أكرمه بأنّ أعطاه إمارة المملكة بجميع شؤونها.

وما من نبيّ أو وصيّ إلّا وكان (نفّاعاً) لأُمّته وأهله ومجتمعه، ولذلك جاء في آثارهم: "خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء: الإيمان بالله والنفع لعباد الله" سواء كان هذا النفع خدمة أو معونة، أو دعماً مالياً، أو مشورة، أو تكافلاً، أو تبادلاً للمنفعة، أو رفعاً للأذى، أو تعليماً للجاهل، أو خدمة لمريض، او ما أشبه ذلك.

المهم أن لا تكون (بخيلاً) في (النفع) وأنتَ قادرٌ عليه.. إنّ لدى النفّاعين قناعة راسخة أنّهم كلّما ازدادوا عطاءً ونفعاً زادهم اللهُ من فضله، فعلمهم وعملهم يزدادان مع الإنفاق.

في أحد مشاهد الكاميرا الخفيّة رصدت عينُ الكاميرا الظاهرة التالية:
وضعَ صاحبُ البرنامج فرشةً صغيرةً لمسح الأحذية عند مدخل أحد البنوك وقد شبّعها بالصمغ، فكان كلُّ زبون يدخل تعلقُ حذاؤه بالفرشة المصمّغة، فيضطرّ إلى التخلّص منها بالقدم الآخر فتعلق هي الأخرى، وهكذا حتّى ينجو منها بعد معاناة.

عدد كبير من الزبائن واجه المشكلة ذاتها وعينهُ على البنك.. ورأسهُ داخل خزانة المال.. زبون واحد فقط حينما تعرّض لما تعرّض له أمثالهُ من الزبائن رفعَ الفرشةَ من مكانها، ثمّ خاطب شرطيّ البنك بإبعادها عن طريق الزبائن لئلّا تعلق أرجلهم بها.

هذا الزبون (النفّاع) أنقذ كثير من السادرين الذين كان يمكن أن يعلقوا العلقة ذاتها، لكنّه "أماطَ – أزاحَ – الأذى عن طريقهم" فكان له بذلك معروف وعمل صالح وصدقة.

رافعُ الفرشة المصمّغة هذا نفّاعٌ، جميلٌ أن نتذكّره لنفع الناس ولو على مستوى رفع الأذى عن طريقهم.

طاقاتنا.. مواهبنا.. قدراتنا ليست للإدخار.. هي للتوظيف في خدمة الناس.. وإلّا فمآلُها (مصيرها) إلى أحد نهايتين سوداوين:
فإمّا أن تُسخرّ في (نفع) وخدمة الظالمين، وهذا مثلُها:
دخلَ (معز بن زائدة) على (المنصور) العباسيّ، فقال هذا له:
- كبُرتْ سنُّك أي معن!
- في طاعتِكَ يا أمير المؤمنين!
- وإنّك لجلدٌ (قويّ).
- على أعدائك يا مولاي!
- وإنّ فيكَ لبقيّة.
- هي لكَ أيُّها الخليفة!!
أو أن تُسلبَ منك.. وفي كلا الحالين هلاك وخسارة.

المصدر: مقالات النجاح
Al-Resalah

الرسالة للتدريب والاستشارات.. ((عملاؤنا هم مصدر قوتنا، لذلك نسعى دائماً إلى إبداع ما هو جديد لأن جودة العمل من أهم مصادر تميزنا المهني)). www.alresalah.co

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 470 مشاهدة

ساحة النقاش

الرسـالة للتدريب والاستشارات

Al-Resalah
مؤسسة مهنية متخصصة في مجالات التدريب والإستشارات والبحوث والدراسات، وتُعتبر أحد بيوت الخبرة متعددة التخصصات في العالم العربي.. ومقر الرسالة بالقاهرة.. إن الرسالة بمراكزها المتخصصة يُسعدها التعاون مع الجميع.. فأهلاً ومرحبا بكم.. www.alresalah.co - للتواصل والإستفسارات: 00201022958171 »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,572,612