مقدمة : من الملاحظ أن الأفراد الذين أصابهم مرض خمجي ثم قدّر لهم وشفوا من المرض يصبحون مقاومين للإصابة بهذا الخمج مرة أخرى . وكانت هذه الملاحظة قد سبقت كثيراً مبحث المناعة وما نعرفه بالاستجابة المناعية . وبدأت المحاولات لإنتاج هذه الظاهرة وبأسلوب مسيطر عليه بوساطة العالمين باستور وجنر ( Pasteur , Genner ) حيث أن جهودهما أعطت دفعة وزخماً للتكوين المبكر للعوامل الخمجية ( الالتهابية ) ........
وبالفعل تم إنتاج العديد من التحصينات لأمراض كانت تعتبر كوارث للجنس البشري وذلك مثل لقاحات الجدري والسعار والكزاز والجمرة الخبيثة والهيفة والخناق وأمراض أخرى عديدة . ولحسن الحظ فإن التطور المذهل في إنتاج لقاحات البشر صحبه تطور مماثل في إنتاج لقاحات الحيوانات ما أدى إلى توفير الغذاء للبشر .
تفسير ومعنى :
عملية التحصين أو التلقيح تعني إعطاء المستفيد الأنتيجين " Atigen " أو الكائن الممرض وهو المادة التي يمكنها أن تحفز المناعة المأخوذة من العامل الخمجي ( الالتهابي ) إلى حيوان مستعد ، وبذلك يتم تثبيت الاستجابة المناعية حيث يمكن التوصل إلى مقاومة العامل الخمجي المعني .
التحصين المثالي هو الذي :
1. يؤدي إلى المقاومة الفعالة ضد المرض المعين .
2. يؤدي مفعوله مباشرة .
3. ليس له آثار جانبية خطيرة .
4. تستمر المقاومة المتحصلة منه لفترة طويلة .
5. يكون رخيصاً في ثمنه .
معايير إقرار عملية التحصين :
1. المعيار الأول : التمييز المطلق والنهائي للكائن الحي الدقيق المسبب للمرض :
على الرغم من هذا الإجراء يبدو أنه مطلب مهم جداً إلا أنه وعند التطبيق لم يتبع دائماً . فعلى سبيل المثال في مرض التهاب الرئة في الأبقار ويعرف باسم " حمى التسويق أو الشحن " " Shipping Fever " فبالإمكان عزل جراثيم الباسترلا ( Pas. Multocida or Pas. Haemolytica ) باستمرار من الرئة البقرية أثناء إجراء الصفة التشريحية عليها . ويتضح حالياً أن الأحياء الدقيقة التي تم عزلها من آفات حمى التسويق ربما قد تكون جراثيم ثانوية فقط ، وإن المسبب لهذا المرض في الغالب ربما يكون حمى فيروسية ( Virus ) ، ومع ذلك فإن لقاحات الباسترلا قد استعملت بكميات كبيرة لسنوات عديدة للسيطرة على هذا المرض ( حمى التسويق أو الشحن ) على الرغم من أنها غير مؤثرة . وهذا غير الاستعمال المتبع حالياً في المملكة لهذا النوع من اللقاح للوقاية من مرض الباسترلا .
2. المعيار الثاني : التأكد من أن الاستجابة المناعية سوف تعمل حقيقة على الوقاية ضد المرض المعني :
فعلى سبيل المثال لوحظ في بعض الأمراض مثل الحمى القلاعية ( FMD ) في الخنازير وحمى الخنزير الأفريقي ( African Swine Fever ) أن الوقاية تكون ضعيفة أو قد لا تحدث أو قد تمتد لفترة قصيرة فيكون الحيوان مستعد لتلقي الإصابة مرة أخرى . ففي الحمى القلاعية يكون الحيوان المصاب طبيعياً مستعداً لتلقي المرض مرة أخرى بعد ثلاثة شهور مما يعني ضرورة إنتاج لقاح تمتد المناعة به لأكثر من ثلاثة شهور وإلا كان غير ذي فائدة .
3. المعيار الثالث : معرفة المساوئ الملازمة لاستعمال التحصين وذلك للتأكد من :
4. إن المساوىء لا يجب أن تصل لدرجة الإصابة بالمرض نفسه . الاستعمال غير المدروس وغير الضروري يعقد عملية التشخيص المعتمد على التقنيات المصلية ( التشخيص السيرولوجي ) وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى عدم إمكانية إجراء الاختبار وبالتالي استحالة القضاء على المرض . وهذا واضح في موضوع مكافحة مرض الحمى القلاعية في الأبقار في أوروبا حيث منع إجراء التحصين نهائياً وإنما كان يجري إعدام كل الحالات الموجبة والمخالطة لها وتعويض المالكين . وحديثاً جداً استطاع العلماء تمييز نوعين من البروتين ينتجهما الفيروس ( FMD Virus ) في الحقل ، أحدهما تركيبي Structural والآخر غير تركيبي Non - Structural . وبإيجاد لقاح يحتوي على بروتين تركيبي فقط ، وتفعيل وتصميم اختبار يميز البروتين التركيبي يتم التأكد من هذه الأجسام المناعية ناتجة من التحصين أو المرض الأصلي شريطة أن لا يكون الحيوان قد تم تلقيحه من قبل بأي لقاح غير نقي يحتوي على بروتين غير تركيبي ، لأن المرض الطبيعي كما ذكرنا آنفاً يسبب إصدار نوعي البروتين . والمعروف أن البروتين التركيبي هو المسئول عن المناعة ، وهذا اللقاح في طور البداية وأمكن استخدامه في أوروبا حيث إن حيواناتها لم تحصن مطلقاً من قبل ضد الحمى القلاعية .
أنماط طرق التحصين :
توجد طريقتان يمكن بوساطتهما جعل الحيوان منيعاً ضد المرض المعني وهما :
1. المناعة أو التمنيع المنفعل أو السالب : وهي طريقة وقتية تتم بواسطة نقل الأجسام المضادة ( الأضداد ) من حيوان مقاوم إلى آخر مستعد . وتعطي هذه الأضداد الحيوان مناعة آنية سرعان ما تقل تدريجياً ، وتتضاءل الحماية ويصبح الحيوان مستعداً لعودة المرض . المادة الناتجة في التمنيع السالب تسمى مصل ، ويمكن إنتاج هذه الأمصال المعتادة في نوع من الحيوانات ومضادة لمجموعة واسعة من الأمراض فمثلاً يمكن :
أ. إنتاجها في الأبقار ضد مرض الجمرة الخبيثة .
ب. إنتاجها في الكلاب ضد مرض الدستمبر .
ج. إنتاجها في الإنسان ضد مرض الحصبة .
ولكن دورها المهم كثيراً يكمن في الوقاية المضادة للأحياء التي تنتج سموماً داخلية تسمى Endotoxin ( الذيفانات ) مثل التيتانوس Tetanusوالكلوستريديا Clostridia وذلك باستعمال المضاد المنتج في الخيول . وتسمى الأضداد المصنوعة بهذه الطريقة مضادات الذيفان أو الترياق ( Antitoxins ) . ونجد أيضاً أن التمنيع السالب يحدث في الحيوانات المولودة حديثاً إذ أنها تحمل الوقاية السالبة بوساطة أضداد الأم .
2. المناعة أو التمنيع الموجب أو الفاعل : تعتبر المناعة الفاعلة أو الموجبة هي البديلة عن المناعة السالبة ، وهي الأكثر عملية ونجاحاً ، وتجري هذه التقنية بإعطاء الحيوان المستضد ( الأنتيجين ) بحيث يجعل له استجابة مناعية واقية . وأهم مزايا هذه الطريقة أنها تعطي مناعة لفترة طويلة مع إمكانية تحفيز وتعزيز ( Boosting ) الاستجابة المنتجة عن طريق الحقن المتكرر المستضد .
الشكل أعلاه يوضح تصنيف أنماط المناعة .
أساسيات في التحصينات :
اللقاح المثالي في التمنيع الفاعل :
يجب أن يتميز بهذه الصفات :
1. يعطي مناعة قوية ومستمرة ( المستضدية ) .
2. يجب الحصول على المناعة في الحيوان الملقح والجنين المتكون داخله .
3. يجب أن يكون خالياً من التأثيرات الجانية والغير مرغوب فيها .
4. أن يكون ثمنه غير مكلف .
5. يجب أن يكون مكيفاً لتلقيح أعداد كبيرة من الحيوانات .
6. يجب أن يكون مثالياً بحيث يحفز الاستجابة المناعية المتميزة عن تلك المسببة بالمرض الطبيعي وهذا يساعد على استمرار التلقيح وإزالة المصابة في آن واحد .
هذا النوع من المناعة الموجبة أو الفاعلة يتم بنوعين من اللقاحات أو التحصينات :
• التحصينات الحية .
• التحصينات الميتة .
معلومة :
لسوء الحظ فإن اثنين من المتطلبات الأولية في اللقاح المثالي وهما : المستضدية العالية وعدم وجود تأثيرات جانبية متلازمين في عمليات التحصين الفاعل بشقيه : فاللقاحات الحية تحفز المناعية جيداً ، ولكن تسبب العديد من التأثيرات الجانبية غير المرغوب فيها . بينما اللقاحات الميتة تكون ضعيفة التمنيع وتكون أيضاً قليلة التأثيرات الجانبية .
مقارنة بين الفوائد النسبية في التحصينات الحية والميتة >>>>>
التحصينات الحية التحصينات الميتة
قوية : تعطي مناعة لفترة طويلة لا تسبب المرض لعدم وجود كائن حي بها
تتطلب جرعات قليلة العامل المساعد ضروري مما قد يسبب حساسية موضعية
العامل الحامل أو المساعد ليس ضرورياً : لذا فإن فرصة حدوث حساسية موضعية قليلة اقتصادية في التكاليف لكن تكرار الجرعات قد يؤثر على هذه الفائدة
تتطلب تقنية عالية في حفظها خوفاً من موت الكائن الحي بداخلها سهلة الإنتاج والحفظ
طرق تعطيل وتضعيف الأحياء الدقيقة المستعملة في اللقاحات :
هناك عدة طرق نختصرها فيما يلي :
1. القتل الحراري :
قد يسبب قتل الأحياء المستخدمة التي ربما تسبب بدورها تغييرات غير طبيعية ، وتعتبر هذه الطريقة تقنية قديمة وغير جيدة .
2. المعالجة الكيميائية :
وذلك بإضافة مركبات كيميائية مثل الفورمالدهايد .
3. تكييف الكائن الحي الدقيق بالنمو في ظروف غير طبيعية وبذلك تفقد تكيفها إلى مضيفها السوي ، فعلى سبيل المثال تتم تنمية الميكروباكتيريا الخاصة بالأبقار لمدة 13 عاماً في وسط مشبع بالصفراء ( Bile ) وتنمية جرثومة الباسترلا في ظروف ناقصة التغذية لتحضير لقاح باستور لكولرات الدواجن .
4. زرع الكائن الحي في ظروف غير سوية ، فعند زراعة الطاعون البقري في الماعز ، على سبيل المثال ، وجدت كائناته شديدة القوة على الأبقار فتم تمريرها بزرعها في الأرانب فوصلت قوتها إلى مستوى مقبول لتحصين الأبقار . ويمكن تضعيف هذه الكائنات أكثر بزرعها في زرع نسيجي Tissue Culture .
5. تنمية الكائن الحي في البيض وذلك مثل تصنيع لقاحات دستمبر الكلاب والسعار واللسان الأزرق ، أو بزرعها في بيض من نوع آخر ، فعلى سبيل المثال يمكن تضعيف حمى أنفلونزا الدواجن بتنميتها في بيض الحمام .
6. استخدام أحياء دقيقة ذات علاقة مكيفة للنمو من نوع آخر . وهذا يعني تضعيف الكائن الحي ولكن بإتباع ما فعله العالم جنر Genner حينما استعمل جدري الأبقار كلقاح في الإنسان . وعلى هذا النحو تم استعمال حمى الحصبة لوقاية الكلاب في الدستمبر ، وحمى الإسهال البقري لوقاية الخنازير ضد الكوليرا . والسبب يعود إلى طبيعة العلاقة المستضدية القائمة بين هذه الأمراض .
7. استخدام الكائن الحي الأصلي القوي جداً في التحصين وهذا ما فعله الصينيون للوقاية ضد مرض الجدري وذلك لعدم وجود تقنية أفضل منها في حينها . كما تم استخدام هذه التقنية في الوقاية من مرض الأورف المعدي ( Contagious Orf ) وذلك بمسح القشور الالتهابية الجافة المأخوذة من الحملان المريضة ومسحها على خدوش السطح الداخلي لأفخاذ حملان أخرى لم تمرض . ويتكون الالتهاب في الموضع نفسه ( السطح الداخلي للفخذ ) ولا تكون له تأثيرات غير مرغوب فيها مثلما لو حدث في الفم حيث يؤدي إلى منع الحيوان من الأكل وبالتالي عدم نموه وربما نفوقه في حالات نادرة . والحيوانات الملقحة بهذه الطريقة هي في الحقيقة حيوانات حقيقية المرض فيفضل عزلها عن القطيع غير الملقح لعدة أسابيع . وبهذه الطريقة تصبح هذه الحيوانات منيعة .
طريقة التضعيف المفضلة :
وهي تتضمن تنمية الفيروس بتمريره في زرع نسيجي Tissue Culture لفترات طويلة . ومعظم اللقاحات الحالية تتم بهذه الطريقة ويمكن استعمال مزارع نسيجية مختلفة لكن عادة يجري تنمية الفيروس في مزارع نسيجية من ذات النوع الذي سيستعمل من أجله اللقاح وذلك لتقليل التأثيرات الجانبية غير المرغوب فيها . ويتم تضعيف الفيروس بزرعه في خلايا ليست مكيفة له ، فمثلاً فيروس الدستمبر يحب الخلايا اللمفاوية لذا يمرر في خلايا من كلية الكلب ، وبتكرار التمرير يفقد الفيروس قوته ويصبح لقاحاً آمناً وفعالاً .


