بعد انتهاء المرحلة الأولى من الثورة المصرية بإسقاط النظام و ما تبعه من أحداث وقعت على مستوى إقليم حوض  النيل من استغلال بعض الدول النيلية أو الخارجية للوضع المصري الهش (مؤقتا) و انكفاء مصر على تحولاتها الداخلية فى محاولة فرض أوضاع جديدة  والإيهام باكتساب مراكز قانونية, فوقعت بورندى  على الاتفاقية الإطارية و أعلنت  إثيوبيا عن بناء سدودا جديدة.

وتماشيا مع روح ثورة يناير وجدنا استجابات مصرية  متعددة, منها  توجه وفد شعبي إلى أوغندا للتباحث مع رئيسها فى شأن مياه النيل ورغم ضآلة مساهمة أوغندا فى مياه النيل ورغم أننى تمنيت لو توجه الوفد إلى إثيوبيا  فهي الأخطر على الأمن المائي المصري  السوداني. إلا أننا سعدنا بهذه الخطوة  أيما سعادة بل وأسعدنا أكثر لقاء الرئيس الأوغندي الحميم  بوفد الجلاليب المصري و إبداء حسن النية وصار على  حكومة الثورة  أن تأخذ الخطوة الرسمية لتتويج مسعى وفد الجلاليب.

و خلال شهر ابريل  الجاري اتجه إلى أوغندا – ولعلها أصبحت قبلة الدبلوماسية الشعبية- وفدا شعبيا آخر و لكن هذه المرة كان على مستوى أعلي  حيث ضم ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية  ووزيرين سابقين و ونواب سابقين ممثلين للإخوان المسلمين وحزب الوفد  و التجمع ورجال أعمال وممثلين للشباب و إعلاميين ومنهم نجل الزعيم الإفريقي الأكبر جمال عبد الناصر وكان منهم بعض أو كل وفد الجلاليب الذي له قصب السبق فى هذه المبادرة الممتازة, وتقابلوا مع الرئيس الأوغندي الذي أحسن وفادتهم تكريما لمسعاهم و إكبارا لدور مصر التاريخي فى القارة السمراء عامة وحوض النيل بصفة خاصة, وحادث بود ابن زعيم أفريقيا الأشهر وعاد الوفد مكللا بنجاح طيب  طبقا لوسائل الإعلام لمصرية مما أدى إلى خلق حالة ارتياح مصري عام. واحتفت وسائل الإعلام  بأعضاء الوفد الشعبي العائد من أوغندا وخصصت لمن تحدث منهم  عن الرحلة مساحات كبيرة وتم دعوتهم الى العديد من الندوات وورش العمل التي تناولت الحدث.

و تمحورت تصريحات  المتحدثين من أعضاء الوفد حول  حفاوة الرئيس الأوغندي بهم فى الاستقبال و الإقامة وتيسير الزيارات و شكوى الرئيس الأوغندي لأبن زعيم إفريقيا الأشهر أن مصر فعلت معه ما فعلته أمريكا مع ناصر  عند بناء السد العالي. و فاض  الكرم الموسيفينى فأبلغ  الوفد  عزمه  تأخير التصديق على الاتفاقية لمدة سنة وانه سوف يعمل على عدم إحداث الضرر بمصر.

 أما أعضاء الوفد فقالوا  للرئيس الأوغندي الكثير  ومن أقوالهم  جئنا لنفتح صفحة جديدة, إننا لا نكلمك عن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل إنما نحادثك بشأن حقوق الإنسان, وإننا نعتذر عن أخطاء مصر السابقة  فى استئثارها بمياه النيل, إننا نقدر حقكم فى المياه و حقكم فى التنمية وأمور أخرى كثيرة.

هذا كل ما استخلصته من تصريحاتهم وأحاديثهم عن الزيارة فيما يخص  قضية المياه, أما غالب حديثهم فدار عن تنسيقهم مع حكومة الثورة و المجلس العسكري الحاكم لإعدادهم للرحلة , ووضعهم السياسي فى مصر وكيل من الاتهامات  للنظام البائد  بظلمهم و التعنت معهم فى الانتخابات الماضية وإسقاطهم  ومجهودهم فى البرلمان الموازى و تهكم الرئيس السابق على برلمانهم  و الصعوبات التي لاقوها  فى دفاعهم عن حق مصر فى مياه النيل داخليا وخارجيا لدرجة أن احدهم أكد أن النظام السابق كاد يبيع المياه لإسرائيل كما باع الغاز.هذا كان يمثل 75% من تصريحاتهم.  وعلى الرغم من تقديرنا البالغ و تثميننا عاليا هذا الجهد الكريم فى هذه القضية الشديدة الحساسية لمصر, إلا أننا بمتابعتنا  لهذه الرحلة  لنا الملاحظات الآتية :

  إن ما قام به الوفد يمثل خطوة على الطريق الصحيح يشكرون عليها كثيرا, ولكن ما قالوه للرئيس الأوغندي  يقع فى خانة التنازل عن الحق التاريخي المصري فى المياه  وما رفضه النظام البائد لعشر سنوات قبلوه فى جلسة واحدة, , وطلبهم  مهلة عام واحد فقط  بعده تنفذ الاتفاقية  وهذا خنق مائي  لمصر. نحمد الله انه لا صفة رسمية لهم وإلا كان كلامهم تفريطا فى حق مصر. كما أن طلبهم وساطة الرئيس الأوغندي لدى رئيس الوزراء الإثيوبي  لتحديد موعدا للقائهم فهو أهانه لمصر.

بقى أن أقول أن الصحف الأوغندية ومحطات إخبارية ذكرت أن تصريحات الرئيس الأوغندي كانت كالأتي: إننا نقدر مصر و المصريين ولا نحب أن نسبب الضرر لهم إلا أن هذا لن يمنعنا من الاستمرار فى مشروعاتنا على النيل.  وهذا كلام خطير إن صح ,لذلك فقد حضرت لقاء لأحد قيادات الوفد  الشعبي  الذي تحدث عن الرحلة وأسهب فيها الا انه قال كلاما عابرا عن موقف الرئيس فسألته  ماذا قال الرئيس الأوغندي تحديدا؟   فتحدث كثيرا عن حفاوة الرئيس بهم لدرجة انه صافح افراد الوفد كافة بما فيهم المصور عند  مغادرتهم إلى المطار.

وهنا يحق لنا أن نتساءل ما الذي دار تحديدا مع الرئيس الأوغندي؟ وماذا قال لهم؟  فلو كان الأمر على ما ذكرت الصحف الأوغندية والقنوات الإخبارية ... فهو أذن أمر جد خطير.

وهنا يتبادر سؤال هل الوفد سلك مسلك النظام البائد فى هذه الواقعة؟ و ان التصريحات و الزخم الإعلامي للتلميع الداخلي ليس إلا... أرجو أن يكون حدثي خطأ. و لكنني أعود فأتمنى لهم التوفيق فى زيارتهم الأهم إلى إثيوبيا فى الأيام  القادمة.  

ساحة النقاش

د أحمد زكى

Ahmedazarc
يحتوى الموقع على مجموعة من المقالات الخاصة بالزراعة و المياه و البيئة و التنمية المستدامة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

142,331