في هذه الآونة كثر الحديث وتعاظم حول الاستفتاء المزمع إجراءه بعد اقل من عشرين يوما  لتقرير مصير شعب جنوب السودان سواء بالانفصال عن أو الاتحاد مع شمال السودان , وان كانت الشواهد كلها  تكاد تجزم أن الانفصال قادم لا محالة. و بدأ الحديث عن ترتيبات ما بعد الانفصال في كافة المجالات.

 و يهمنا هنا مناقشة تداعيات انفصال   جنوب السودان عن دولة السودان  الأم على  دول  حوض  نهر النيل. فهذا الانفصال المتوقع سوف يُحدث إشكاليات لدول حوض نهر النيل عامة والسودان ومصر خاصة في مسائل الحدود المائية والرعوية بجانب نصيب دولة الجنوب في المياه وما هي تأثيراته على دولتي المصب؟

 بادئ  ذي بدء  نقول أن  انفصال جنوب السودان  في دويلة سوف يأخذ معه 45 % من مساحة السودان التي تقع داخل حوض النيل ومعنى هذا ضياع أكثر من20  مليار متر مكعب مياه  في منطقة السدود والمستنقعات لان هذه المنطقة سوف تكون داخل حدود الدويلة الجديدة   وذلك لأن  حكومتي مصر و السودان خططتا معا لإدخال هذه المياه إلى مجرى النيل الأبيض ومنها إلى الشمال. في حين أن الدولية الجديدة تتمتع بوفرة الأمطار لديها بما يفي باحتياجاتها  تماما بل يزيد خاصة في سنوات الانفصال الأولى,  وبالتالي هي  بالقطع لن تهتم بالمياه الضائعة فى منطقة السدود والمستنقعات كما أنها لن تهتم باستكمال العمل في قناة جونقلى  تلك القناة التي لو اكتملت  وبدأت العمل فسوف تضح حوالي 15 مليار متر مكعب من المياه إلى النيل الرئيسي تستفاد منها مصر و السودان مناصفة.

لكن حتى لو  اهتمت الدويلة المنفصلة في فترات لاحقة بالعمل على تجفيف المستنقعات وإدخال المياه منها إلى مجرى النيل الأبيض ربما تواجهها إشكاليات  تتعلق بأن هذه المساحات قد يتم اعتبارها أراضى رطبة  و الأراضي الرطبة يتزايد بها الاهتمام حاليا إلى درجة أن بعض الجهات و النشطاء البيئيين سيطالبون بتركها على حالها لانها بذلك تمثل ثروة بيولوجية دولية.

و ثانيا ما هو موقف الدويلة المنفصلة من اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل التي وقعت بين  حكومتي مصر و السودان عام  1959م ؟ ثم ما موقفها من حصة السودان من مياه نهر النيل  التي حددتها الاتفاقية آنذاك  وهى 18,5 مليار متر مكعب, هل سوف تحصل على جزء منها؟ أم تتنازل عنه لمصر و السودان ,,,,؟ علما بأن اتفاقية السلام الشامل  التي وقعت  عام 2005 في أبوجا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية أغفلت الشأن المائي وتركته ضمن برتوكول قسمة السلطة وليس الثروة. ولعل هذا الأمر هو احد الإشكاليات التي أغفلت عن عمد لتعانى منها  حكومتي السودان و مصر   التي تركت السودان في تلك الفترة يواجه هذه المشاكل العاتية منفردا و لو تدخلت مصر لكان من ممكننا ان يتم تناول مسألة المياه  فى هذه الاتفاقية ولكن لم يعد هناك وقت للبكاء على اللبن المسكوب فهذا واقع علينا التعامل معه.

ثم أن هذه الدويلة  المنفصلة  سوف   تتجاور مع خمساً من دول حوض النيل هي السودان, إثيوبيا كينيا أوغندا والكنغو الديمقراطية وهنا تظهر إشكالية عدم وضوح الحدود المائية والرعوية وهو ما يخلق  جملة من المشاكل لهذه الدول معا. وهذه الدويلة إلى من سوف تنضم هل إلى دول المنبع أم إلى  دول المصب وما هو مواقفها من الاتفاقية الإطارية التي يدور حولها نقاشات وشد وجذب منذ ما يقرب من عام.

تلك هي مجموعة من الإشكاليات التي سوف تنجم عن انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم  وسوف يكون لها تأثيرات سلبية  متعاظمة على علاقات الدويلة المنفصلة مع الدول الأخرى المجاورة  وأيضا سوف تحدث تجاذبات بينها و بين مجموعتي دول حوض نهر النيل و اقصد بها  دول المنبع و دول المصب كل مجموعة سوف تحاول ضمها.

 كل هذا قد ينجم عنه مجموعة من النزاعات ربما يطول أمدها أو يقصر وبالطبع سيكون تأثيره سلبيا على الاستدامة المائية و التعاون بين دول الحوض. أرجو أن لا أكون محقا في تشاؤمي.

ساحة النقاش

د أحمد زكى

Ahmedazarc
يحتوى الموقع على مجموعة من المقالات الخاصة بالزراعة و المياه و البيئة و التنمية المستدامة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

145,397