في الاجتماع الأخير لوزراء المياه لدول حوض نهر النيل والذي  عقد في ابريل 2010 في منتجع شرم الشيخ المصري. ظهر بشكل سافر اختلاف في وجهات النظر ما بين دول المنبع و دول المصب, وانتهى الاجتماع بمطالبة دول المصب ( مصر و السودان)  بإنشاء مفوضية عليا لدول الحوض لتفعيل التعاون وتكون كل الدول بذلك رابحة. في حين أن دول المنبع ( راوندا, بورندى, تنزانيا, اوغندا, الكنغو الديمقراطية, كينيا,) أعلنت عن فتح التوقيع على الاتفاقية الإطارية للتعاون الفني بين دول الحوض  بشكلها الحالي الذي ترفضه دول المصب في الرابع عشر من مايو المقبل ولمدة عام . وبذلك انتهى الاجتماع دون اتفاق, وهنا نقول إن الذي حدث يعبر عنه تماما المقولة الشعبية المصرية (كرسي في الكلوب).

وبقراءة الواقع نرى أن الكرة الآن خرجت من ملعب دول الحوض العشرة  وانتقلت إلى ملعب الجهات الدولية المانحة حيث أنها سوف تقدم المنح  لدول الحوض في حالة اتفاقها جميعا, فالفريقان يعلمان جيدا أن لا تمويل لمشروعات التنمية بدون اتفاق وهذا ما آخر التوقيع على  الاتفاقية لمدة تتجاوز السنة.فماذا سيكون موقف هذه الجهات على ضوء تباين المواقف الحاد بين دول المنبع والمصب.

 ولكن لماذا في هذا التوقيت بالذات يظهر هذين الطرحين؟  أي ما الذي حدث بالضبط؟ هل هي مسألة التجاذب بين دول المنبع والمصب؟ بمعنى أن كلا   الفريقين يحاول أن يضغط على الطرف  الأخر حتى يسير في فلكه  ويوافق على رؤيته فدول المصب تحتج باتفاقية عام 1929.  في حين أن دول المنبع تعترض بالقول أن هذه الاتفاقية وغيرها وقعت في عهد الاستعمار ونحن غير ملزمين بها. ولكن ما رأى الشرعية الدولية في هذا الأمر؟.. الشرعية الدولية مع دول المصب فهناك حكم هام لمحكمة العدل الدولية يقول أن اتفاقيات الأنهار المشتركة مثلها مثل الحدود ثابتة ويجب الالتزام بها. كما أن هناك مبدأ قانوني دولي  يذكر بأن الاتفاقيات التي وقعتها الدول الاستعمارية في فترة احتلالها تلتزم بها هذه الدول التى كانت مستعمرة بعد استقلالها. بالإضافة إلى أن هناك اتفاقيتين وقعتا بين مصر وأوغندا بعد استقلال كلا الدولتين, و أيضا إطار تفاهم وقع بين مصر وإثيوبيا.

أذن ما الذي يحدث بالضبط؟ هذا سؤال يجب أن تتم الإجابة عليه في هذا الوقت تحديدا حتى يمكننا أن نخطط وننفذ للمرحلة القادمة فيما يخص  مياه النيل. وهنا يجب أن نعلم انه لا توجد إجابة قاطعة لهذا السؤال بل هناك مجموعة احتمالات أولها ما صرنا نردده ليلا ونهارا بأننا أعطينا ظهرنا للمحيط الأفريقي ولم نهتم به بما فيه دول حوض النيل التي يأتي منها 95% من مواردنا المائية  وهذا صحيح فاهتمامنا بهذه الدول ربما يكون اقترب من حده الأدنى وتركنا هذه الساحة لغيرنا فلربما هذه الدول تريد أن تذكرنا أننا أهملناها طويلا ولعل هذا يظهر بشكل مبالغ فيه من بعض التقارير الصحفية في الفترة القريبة والتي ذكرت أن هناك مطالب كينية بأن ندفع لها مقابل المياه كما يدفع للبترول. أما أثيوبيا فتأخذ القضية بمحمل تجميل صورتها أمام شعبها خاصة مع موعد اقتراب الانتخابات بها فلاهي بحاجة إلى المياه التي تنطلق من أراضيها إلى النيل الأزرق ونهرى عطبرة والسوباط ولا تمتلك المقومات للاستفادة منها كما أن الطبوغرافيا فيها تمنع ذلك.

و في واقع الأمر فأن كل دول المنبع ليست لديها حاجة للمياه كحاجة مصر فدول المنبع جميعا باستثناء إثيوبيا تقع في المنطقة الاستوائية ومواسم الأمطار بهذه المناطق تكاد تكون في العام بأكمله وهى تعتمد في غالب الأمر في ري أراضيها الزراعية على مياه الأمطار, كما أنها جميعا تمتلك مصادر أخرى خلاف نهر النيل وروافده مثل نهر الكنغو الذي يزداد تصرفه من المياه عن النيل مئات المرات ونهر الزامبيزى  وبحيرة نياسا التي يقع جزء منها في تنزانيا وغيرها مما قد لايتسع المجال للتفصيل فيه  وبالتالي فليست المشكلة هي مشكلة احتياج للمياه.

أما الاحتمال الآخر فهو  قد يكون  هذا التعنت ناجما عن تدخلات من خارج القارة فهناك أنشطة إسرائيلية وصينية وتركية وأخيرا إيرانية وبالطبع يجب أن لا ننسى الدور الأمريكي و الأوربي في المنطقة فهذه الدول تعمل مجتمعة أو متفرقة وربما في تناغمات ثنائية أو ثلاثية ذات أجندات اقتصادية أو سياسية أو الاثنين معا , وكل هذا سوف يكون له تأثيراته ونتائجه على موقف تلك الدول من  اتفاقيات اقتسام مياه النيل.

أيضا يمكن  القول أن هذه الدول تريد استخدام مياه النيل في إنتاج الكهرباء وهذا سوف يتطلب سدودا وهذه السدود سوف تؤثر على معدلات ومواعيد  تدفق ووصول المياه إلى مصر و السودان وهذا الأمر قدر فائدته لدول المنبع فهو شديد الخطر  و الضرر على مصر السودان.

فهل يمكننا  القول أن كل ما سبق من وراءه دول تتربص بمصر و السودان وتريد أن تضغط عليهما عن طريق المياه, فليست دول المنبع في احتياج شديد للمياه أو أنهم سوف يمحوا من الخريطة إن لم يتم إعادة توزيع المياه مرة أخرى أو أنهم فجأة  تذكروا أن مصر و السودان استأثرتا بغالب مياه  نهر النيل وهم  أي دول المنبع سوف يموتون جراء ذلك.  ولكن يجب النظر إلى الأمر من زاويتين  إما  أن هذه الدول تحتاج إلى مشروعات تنموية  و توليد كهرباء تستخدم فيها مياه النيل وهو أمر يسير يمكن للحكومة المصرية التعاطي فيه بنفس أسلوب تعاملها مع أوغندا  عند بناء سد أوين.

أما لو كانت مواقف تلك الدول مرجعها إلى تنفيذ أجندات دول من خارج الحوض تستهدف الإضرار بمصر والسودان فذاك أمر يمكن تفاديه بالتفاوض مع دول المنبع و إعطاءهم ما سوف يحصلون عليه من هذه الدول من ناحية . ثم العمل على استخدام أوراق ضغط على دول خارج الحوض   التي تريد الإضرار بمصالح مصر المائية وما أكثر أوراق الضغط التي يمكن استخدامها مع هذه الدول مهما كانت كبيرة, فقط لابد من توافر الإرادة السياسية لدى مصر والسودان لتنفيذ ذلك.

المصدر: بيئتى
  • Currently 131/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
38 تصويتات / 349 مشاهدة

ساحة النقاش

د أحمد زكى

Ahmedazarc
يحتوى الموقع على مجموعة من المقالات الخاصة بالزراعة و المياه و البيئة و التنمية المستدامة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

145,669