ربما كنت محظوظا ان شاركت فى بعض انشطة مبادرة حوض النيل و تحديداً فى  مشروع الرؤية المشتركة و الذى كان يشتمل على مكونات عده من اهمها  مشروعات  البيئة العابره  للحدود و التى اتاحت لى الفرصة للتنقل بين  دول الحوض, و قد  شاركت  فى تنفيذ برامج  تدريبية للعديد من الانشطة الخاصة بمياه نهر النيل و الاستدامة البيئية للحوض, وقد وضعت برنامج تدريبى عن حماية مياه النيل من خلال التشريعات المحلية و الاقليمية والدولية, وقد ضمنته جزءأ هاماً ربما أمضيت الكثير من الوقت حتى اتمامه و هو خاص بالاتفاقيات الدولية حول نهر النيل.

و فى خضم الاحداث المتلاحقة حالياً حول سد النهضة و ما يحيط به من زخم ومفاوضات و خلافات وصلت الى رفع الأمر الى مجلس الأمن الدولى, وكثر الحديث حول الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل, ومع الاسف هناك احاديث غير كاملة او ربما مشوهة حول الاتفاقيات التى تنظم العلاقة بين الدول و النهر, ووجدت من واجبى القاء الضوء عليها بشكل كامل موضحا للجميع ان حقوقنا ثابتة و علينا التمسك بها و الارتكان  اليها و الارتكاز عليها و فعل كل ما يمكننا  و اكرر كل ما يمكننا للحفاط عليها  و اليك عزيزى القارىء استعراض تاريخى  موجز لهذه الاتفاقيات.

 و  فى البداية أود الاشارة الى أن كثير اً من  دول حوض النيل تحاول التفلت من الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل بزعم ان هذه الاتفاقيات تمت فى عهد الاستعمار و ان الدولة لم تحصل على الاستقال الوطنى و أن القرار المستقل لم يكن فى ايدنا .وهذا كلام غير صحيح و  عليه منا  ردين أوملهما ان  قواعد القانون الدولى تؤكد على التزام الدول التى كانت محتلة بكافة الاتفاقيات التى وقعها الاحتلال  نيابة عنها , و الواقع ان هذه الدول تلتزم  تماماً بالاتفاقيات التى ابرمها المستعمر عنها فى حالة الحدود السياسية و تحاول التفلت منها فى الامور الاخرى كالمياه و الحدود الرعوية وغيرها ,هذا عن الرد الاول اما الرد الثانى فكافة دول  حوض النيل و منها اثيوبيا وقعت اتفاقيات  بارادة وطنية مستقلة اى  لم يكن هناك احتلال. و نعود الى سرد الاتفاقيات التى تختص  بوضعنا الراهن و مشكلتنا الحالية . سوف القى الضوء  فقط على اتفاقيات النيل الشرقى و اقصد هنا مجموعة روافد نهر النيل القادمة من اثيوبيا او من الهضبة الاثيوبية (الحبشة)  و التى يرد منها حوالى 85% من مياه النيل وه لها  تاريخ يمتد  حوالى 130 سنة و  توجد  خمس اتفاقيات هامة  تنظم العلاقة بين مصر و السودان  إثيوبيا  و اريتريا نسردها على النحو التالى:

  كان اول اتفاق   منذ 129 عاماً وهو ما يطلق عليه بروتوكول روما, حيث تم توقيعه فى الخامس عشر من شهر ابريل عام 1891  و هذا البروتوكول   بين كلاً من بريطانيا نيابة عن مصر و السودان بصفتها دولة الاحتلال آنذاك و الطرف الاخر كان ايطاليا نيابة عن اثويبيا و ارتريا , وكان الهدف من توقيع البروتوكول هو عدم تعارض مصالح  الدول المستعمرة (بريطانيا و ايطاليا)  ولذا ضمن البروتوكول ي  تحديد نفوز كلا الدولتين , ومقصود هنا الحدود السياسية بين مستعمراتهما فى شرق افريقيا و منها السودان و اثيوبيا  و من ضمن المصالح ايضاً فى هذا البروتوكول ما يخص المياه حيث تعهدت ايطاليا في المادة الثالثة منه بعدم إقامة إيه منشآت لأغراض الري على نهر عطبرة  ( احد روافد نهر النيل الشرقى) يكون  من شأنها تعديل تدفق مياهه الى نهر النيل على نحو  محسوس.

ونعلق فنقول يتم الاتزام بهذا البروتوكول فيما يخص الحدود على الرغم من توقيعها بين دولتين محتلين و سؤالى هنا لماذا لا تتلزم اثيوبيا بالبند الثالث الخاص بالمياه. بالطبع هذا كلام غير صحيح و يتعارض مع قواعد القانون الدولى.

اما اذا انتقالنا الى الاتفاقية الثانية و هى مختلفة كل الاختلاف عن سابقتها  وهى اتفاقية أدس أبابا الموقعة في 15 مايو 1902  بين بريطانيا العظمى نيابة عن حكومة السودان المصري الأنجليزى ووقعهاامبراطور اثيوبيا منليك الثانى ممثلاً لبلاده  وهذه المعاهدة تم  تحريرها باللغة الامهرية  (لغة اثيوبيا) وتبودلت وثائق التصديق عليها فى العاصمة الحبشية اديس أبابا فى الثامن والعشرين من شهر اكتوبر عام 1902  وهى تعنى في المقام الأول تخطيط الحدود بين السودان والحبشة و فيها تم نقل اقليم بنى شنقول  التابع اصلا للسودان والذى يقع فيه السد الى اثيوبيا (ولهذا حديث آخر) ., وجاء فيها أيضاً  تعهد الإمبراطور منيليك الثاني ملك إثيوبيا  بأن لا يصدر تعليمات او أن يسمح بإصدارها فيما يتعلق بعمل اى شيء على النيل الأزرق او بحيرة تانا او نهر السوباط من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل الا بموافقة الحكومة البريطانية والحكومة السودانية مقدما.

هذه الاتفاقية تنهى كل شىء فهى موقعة فى اديس ابابا ووقها امبراطور اثيوبيا اى ان اثيوييا لم تكن مستعمرة و ان الاتفاقية موقعة من خلال قرار و بارادة وطنية مستقلة بل و مكتوبة باللغة الامهرية (لغة الاحباش) , أذن  بناء سد النهضة مخالف صريحة لانفاقية  مكتوبة بلغة البلاد و موقعة من امبراطور حبشى و بارادة وطنية  حرة  مستقلة. وفى ذات الوقت تتمسك اثيوبيا باقليم بنى شنقول المقام به السد والذى اضيف لاثيوبيا من خلال هذه الاتفاقية.

 اما فيما يتعلق بالاتفاقية الثالثة  فيطلق عليها اتفاقية لندن  وتم توقيعها في الثالث عشر من ديسمبر 1906 بين كلا من بريطانيا العظمى وفرنسا وايطاليا بشأن الحبشة ( إثيوبيا) جاء في البند الأول أن الدول الثلاث تتعاون فيما بينها في حفظ الوضع الراهن في الحبشة. أما البند الرابع  فينص على أن تعمل هذه الدول معا على تأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل, وعلى الأخص دخول مياه النيل الأزرق و روافده إلى مصر , مع الأخذ في الاعتبار المصالح المحلية للدول التي يمر فيها النهر.

وتعليقنا ان هذه الاتفاقية هى الاكثر و ضوحا و شمولاً و تتناول جميع روافد نهر النيل  فى اثيوبيا  وتعيد و تؤكد ما تم الاتفاق عليه سابقاً  فى الاتفاقيات الثلاث السابقة.

  اما اتفاقية روما وهى  تطلق على  مجموعة  من الخطابات المتبادلة بين بريطانيا  وايطاليا  عام 1925 وتعترف فيها ايطاليا بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل االأزرق و روافده وتتعهد بعدم إجراء أي إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي.

و هذه الاتفاقية بها اضافتين جديدتين وهما انها نصت واعترفت  بالحقوق المائية المكتسبة لمصر و السودان ,الامر الاخر هو الالتزام بكمية المياه المتدفقة الى دولتى المصب دون نقصان.

 وبعد مرور 68 عاماً  تم توقيع إطار تعاون في القاهرة في الأول من يوليو 1993 بين  الرئيسي المصري  الاسبق حسنى مبارك و رئيس الوزراء الاثيوبى ميليس زيناوى وكان لهذا الإطار دور كبير فى تحسين العلاقات المصرية الإثيوبية وتضمن هذا الإطار التعاون بين البلدين فيما يتعلق بمياه النيل فى النقاط التالية:-

-عدم قيام أي من الدولتين بعمل نشاط يتعلق بمياه النيل قد يسبب ضررا بمصالح الدولة الأخرى.

-ضرورة الحفاظ على مياه النيل وحمايتها.

-احترام القوانين الدولية

-التشاور والتعاون بين الدولتين بغرض إقامة مشروعات تزيد من حجم تدفق المياه وتقليل الفواقد.

و فى هذا الاطار خطوط واضحة  منها عدم  قيام اياً من الطرفين الموعين بأى نشاط هندسى يتعلق بمياه النيل يسبب ضررا بالدولة الاخرى كما تعهدت الدولتان بحماية مياه النيل و الحفاظ , كما اتفقت الدولتان على احترام القوانين الدولية المتعلقة بالامر و يقصد هنا الحقوق التاريخية فى المياه و الحقوق المكتسبة بالاضافة الى المبدأ الهام بتوارث الاتفاقيات بين  ادارة الاحتلال و الحكومة الوطنية, بالاضافة للتعاون لزيادة المياه المستقطبة و تقليل الفوافقد.

تلكم هى كافة المعاهدات التى تناولت العلاقة بين الدول المتشاركة فى النيل الشرقى باعتباره مياه دولية نظمتها مجموعة الاتفاقيات المشار اليها سابقا و حتى تؤكد على ان هذه الاتفاقيات اعطت حقوق تاريخية مكتسبة لدولتى المصب, يجب احترامها و الوفاء بها من قبل اثيوبيا التى تريد ان تزيح كل ذلك و تعتبر  أن  النيل الشرقى  خاص بها و لها الحق فى التحكم فى مياهه كيف تشاء و فى هذا مغالطات تاريخية و قانونية و هيدرولوجية كبيرة , و لذا فان دولتى المصب عليها اتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على هذه الحقوق المكتسبة و الثابتة ثبوتاً لا شك فيه, و الامر متروك لادارة الدولتين لاتخاز كافة الاجراءات لحماية حقوق شعوبها التى حتما لن تقبل بالتفربط  فيها.

المصدر: موقع آفاق بيئىة د احمد زكى ابو كنيز

ساحة النقاش

ابن الدومرانى

Ahmedazarc
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

119,426