<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:"Times New Roman";} </style> <![endif]-->
نظم الزراعة النظيفة
" التجربة المصرية "
تقديم
ابتدعت مصر نظم الإنتاج الزراعي الآمن ، منذ أقدم العصور ، وظل المزارعون يمارسون تلك النظم حتى عام 1800 م ، حينما بدأت بشائر الثروة الخضراء ، وبدأت النظم الزراعية تجنح صوب استخدام كميات هائلة من الكيماويات الزراعية بغية تعظيم إنتاج الغذاء للوفاء بمتطلبات الملايين المتزايدة من البشر 0 والحكمة فى نظم الزراعة النظيفة هى أنها تحاكى ظروف الإنماء الطبيعى للنبات منذ قديم الزمان ، قبل أن يتدخل الإنسان فى عناصر الطبيعة بعنف لمصلحته الخاصة ، من خلال اتباع وسائل تعجيل النمو ، ودفع النباتات إلى كثرة الحمل وتكثيفه ، والإبادة السريعة للأمراض والآفات بكيماويات ضارة ، بدءا من وقت البذر وطوال مراحل النمو والإثمار والنضج وحتى مراحل التعبئة والتخزين والتسويق 0
وعلى المستوى العالمى ، بدأ التفكير العلمى فى العودة إلى تطبيق نظم الزراعة النظيفة فى منتصف الثمانينات من القرن الماضى ، عندما استشعر الناس الأضرار المعاكسة الناجمة عن سوء استخدام الكيماويات على البيئة والصحة العامة ومستوى صلاحية الغذاء للاستهلاك 0 وبدا ظاهراً للعيان تفشى العديد من الأمراض التى كانت محدودة الانتشار مثل الفشل الكلوى والكبدى والسرطان ، والتى تعزى بدرجة كبيرة إلى متبقيات الكيماويات الزراعية فى الغذاء ، وصاحب ذلك انخفاض ملموس فى محتوى المنتجات الزراعية من بعض العناصر المغذية ومن أهمها الحديد والزنك والكاروتينات ، ناهيك عن تدهور نوعية البيئة واستنزاف مواردها الطبيعية 0
وبمرور الوقت ظهر فى الأفق مجموعة من المزارعين الهواة ، أو مجموعة المزارعين الرواد ، بدءوا فى الإنتاج الزراعى الآمن من منظور الحفاظ على صحة الإنسان ، ولاقوا الكثير من أجل إعادة الإنتاج الزراعى الآمن إلى الوجود بعد تجارب مريرة 0 ومع بشائر نجاح تلك النظم بدأت فلول أخرى من المزارعين ينادون فى كل دول العالم بضرورة التحول إلى الإنتاج الزراعى الآمن 0 وقد بدأ هؤلاء المزارعون معتمدين على أنفسهم ، وكانت أساليبهم تعتمد على تجربة الخطأ والصواب حتى رسخت فكرة الزراعة النظيفة المستديمة علمياً واقتصادياً وتطبيقياً 0 وتناقل المزارعون خبراتهم المكتسبة فى هذا المجال من خلال المؤتمرات والندوات المحلية التى تحولت تدريجياً إلى مؤتمرات وندوات عالمية 0 وقد أدى ذلك إلى شحذ همة العلماء فى البحث جدياً عن تطوير لنظم جديدة للزراعة ، تتواءم مع البيئة وتحقق إنتاجياً زراعياً نباتياً وحيوانياً خالياُ من متبقيات الكيماويات الزراعية ، ومتوازناً فى محتواه من العناصر المغذية 0 وفى هذا الصدد سعى العلماء إلى تحقيق الإقلال حتى الامتناع الكامل عن استخدام الكيماويات الزراعية ، ولاسيما مبيدات الآفات والأسمدة المعدنية ، مما سوف ينعكس على خفض تكلفة الإنتاج الزراعى بشقية النباتى والحيوانى ، ويحسن نوعية البيئة 0
ومما شجع على تزايد المزارع النظيفة قيام الجامعات ومراكز البحوث بدعم برامج البحوث والتطوير فى هذا المجال ، مما خلق وعياً علمياً لأفضل طرق الإنتاج الزراعى ، وبدأت الجامعات ومراكز البحوث عقد ورش عمل ومؤتمرات وندوات تشجع المزارعين وتعرفهم بما يمكن أن يجنوه من التحول من الزراعات الكيماوية إلى الزراعة النظيفة ، وتلقى الضوء على المكاسب البيئية المحلية والإقليمية والعالمية ، وبدأ تكوين مجموعات ضغط محلية وعالمية من أجل إنتاج غذاء آمن للبشر ، ولاح فى الأفق منظمات للتسويق والاختبار والتفتيش على مزارع الإنتاج الزراعى الأمن 0 وتكونت مجموعات من المزارعين الخضر أو المربين الخضر ، وتشكلت منظمات عالمية لمساعدة المزارعين فى حركتهم من أجل الإنتاج الزراعى الأمن 0
ولقد نجحت الدانمارك والسويد وإنجلترا وألمانيا وسويسرا فى تقديم الدعم المالى الكافى للمزارعين لتحقيق التحول من الزراعات الكيمائية التقليدية إلى الزراعات النظيفة ، وتحاول بقية الدول الأوروبية نهيج نفس المنهج وتشجع تصدير المنتجات الآمنة بعد أن وجدت سوقا تجارياً رابحاً 0 وتضمنت اتفاقية الجات شروطاً لعولمة التجارة تطالب بتطبيق معايير بيئية على الإنتاج الزراعى بحيث تكون السوق مفتوحة ، والغلبة فى النهاية ستكون لتصدير واستيراد الإنتاج الزراعى الآمن فقط 0
تعريف المصطلحات
هناك عدد كبير من الأسماء المتداولة للزراعة النظيفة ، من أهمها : الزراعة الأحيائية ، والزراعة المتجددة ، والزراعة المستديمة ، والزراعة الديناميكية الأحيائية ، والزراعة العضوية ، والزراعة المعززة أحيائيا ، والزراعة العضوية الأحيائية ، ويقترح البعض تسميتها بالزراعة المستديمة على اعتبار أنها زراعة تأخذ فى الاعتبار المعايير البيئية ولاسيما المحافظة على الثروات الطبيعية والتنوع الأحيائى ، وليس لها تأثيرات جانبية تقلل من قدرة النظام البيئى الزراعى على الإنتاج 0 غير أن الاستدامة قد تتحقق تحت مظلة نظم أخرى بخلاف نظم الزراعة النظيفة 0
وأغلب الظن أنه لم يتفق بعد على تعريف مرجعى محدد للزراعة النظيفة ، ولا تزال الاجتهادات تظهر من حين لأخر دون ما اختلافات جوهرية أو تعارض واضح 0 وتركز التعاريف المتداولة جميعا على أن الزراعة النظيفة تعتبر بمثابة نظام إنتاجى يتجنب استخدام الكيماويات الزراعية ، ويؤكد على أن تكون عناصر الإنتاج جميعا طبيعية 0 ويستند إلى ثلاثة محاور رئيسية هى : الأسمدة العضوية ، والمخصبات الأحيائية ، والمكافحة الأحيائية للآفات0 ولا يمكن فى نظم الزراعة النظيفة فصل عناصر الإنتاج عن بعضها البعض ، طالما أنها تتكامل فى منظومة تحقق استدامة الإنتاج وصون الطبيعة 0 ومن هنا فسوف يستخدم هذا التقرير مصطلح الزراعة النظيفة " باعتبارها رافداً من روافد التنمية المستديمة للتعبير على كافة المسميات السابقة ، كما سوف يستخدم مصطلح الزراعة الكيمائية للتعبير عن نظم الزراعة الحقلية التقليدية التى تستند على الكيماويات الزراعية بكافة أنواعها 0
أهداف نظم الزراعة النظيفة
تهدف نظم الزراعة النظيفة ، على المستوى العالمى ، إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية :
- إنتاج غذاء بكميات كافية ، ذى قيمة غذائية عالية ، وخال من متبقيات الكيماويات الزراعية 0
- حث التفاعل بين مكونات النظم الطبيعية لتوفير التوازن البيئى بطريقة بناءة وحيوية 0
- تشجيع وتنشيط تناغم دورات العناصر الطبيعية فى إطار نظام إنتاج زراعى متوازن0
- تجنب كل مصادر التلوث فى جميع مراحل الإنتاج الزراعى ولا سيما الكيماويات الزراعية 0
- زيادة خصوبة التربة والحفاظ على مستواها على المدى الطويل 0
- استخدام مصادر طاقة متجددة ضمن نظم زراعية تناسب البيئة المحلية 0
- تطبيق دورة مغلقة لإنتاج واستخدام الأسمدة النظيفة والعناصر الغذائية 0
- مراعاة الآثار الاجتماعية والبيئية من حيث العلاقة السوية بين المنتج والمستهلك 0
- الحفاظ على البيئة والحياة البرية والتوازن البيئى والموارد الطبيعية ولاسيما التربة 0
مقومات نظم الزراعة النظيفة
تستند نظم الزراعة النظيفة إلى ثلاث محاور رئيسية تتناول تكمير النفايات النظيفة إلى أسمدة عضوية صناعية ، وتعزيز المحتوى الميكروبى لمنطقة جذور النباتات بالمخصبات الأحيائية وتشجيع تطبيقات المكافحة الأحيائية للآفات وتطويرها 0
1- التسميد العضوى
يمكن الاستفادة من كافة أنواع النفايات العضوية التى تتولد يومياً فى مصر بتحويلها إلى سلع إنتاجية بواسطة تكنولوجيات أحيائية تناسب البيئة المحلية 0ويتضمن ذلك نفايات الإنتاج الزراعى بشقية النباتى والحيوانى – والمتمثلة فى بقايا الحاصلات الزراعية من عروش واتبان وغيرها ، ونفايات حيوانات المزرعة ، ونفايات الصناعات الغذائية وغيرها ، ونفايات المدن والقرى – المتمثلة بصفة رئيسية فى القمامة ومياه وحمأة الصرف الصحى 0 وتقدر الكميات المتولدة من تلك النفايات بملايين الأطنان ، يلزم حسن إدارتها كى نتجنب العديد من التداعيات البيئية والصحية غير المرغوبة 0 وقد توصلت البحوث إلى طرق مناسبة لتكمير النفايات النظيفة إلى أسمدة عضوية صناعية باستخدام الكائنات الحية الدقيقة النباتية والحيوانية ، تفوق فى قيمتها التسميدية الأسمدة العضوية شائعة الاستخدام فى مصر ، وتشتد الحاجة إليها فى نظم الزراعة النظيفة كبديل فعال للمخصبات الكيماوية 0 ومن المؤكد أن السماد العضوى جيد الكمر يخلو من الحشائش والكائنات الحية الدقيقة المسببة لأمراض الجذور، ويمكن تحويل البعض من تلك النفايات إلى أعلاف للحيوانات خالية من الكيماويات الزراعية ، يمكن أن تسد فجوة فى الاحتياجات العلفية المتصاعدة فى مصر 0 ومن ناحية أخرى ، نجح توليد الغاز الأحيائى من كثير من النفايات العضوية ، مما يوفر مصدراً رخيصاًَ للطاقة ، وسماداً عضوياً جيداٌ 0
وتتوفر الآن حلول عملية لمشكلة إدارة النفايات العضوية تحسن من نوعية البيئة ، وتهيئ إنتاج غذاء كاف نظيف صالح للاستخدام الآدمى بتكلفة منخفضة ، بيد أن التطبيق العملى مازال فى أمس الحاجة إلى دفعات قوية ، من المأمول أن تتم من خلال أنشطة القطاع الخاص والجمعيات الأهلية غير الحكومية 0
وبصفة عامة ، لا يمكن تطبيق نظم الزراعة النظيفة فى مواقع تخلو من مصادر دائمة لتوليد النفايات العضوية القابلة للتكمير إلى أسمدة عضوية ، والتى تعتبر بمثابة مصدر رئيسى للطاقة اللازمة لنشاط الكائنات الحية الدقيقة التى تقوم بتحليلها ، حيث ينساب منها تيار مستمر من العناصر الغذائية اللازمة لتغذية النبات فى صورة صالحة لامتصاصه 0 كما يمكن الاستفادة من الأسمدة الخضراء فى هذا الصدد ، حيث تحرث بعض المحاصيل ، ولاسيما النباتات البقولية ، فى مرحلة الإزهار ، وتترك كى تتحلل فى التربة قبل الزراعة بوقت كاف مما يحسن من صفات التربة الفيزيقية والكيميائية والأحيائية ، ويزيد من مستوى خصوبتها 0
2- التخصيب الأحيائى
ويعنى به إثراء منطقة جذور النباتات بالمزيد من الكائنات الحية الدقيقة المفيدة لتخصيب التربة من خلال إضافة مخصبات أحيائية متعددة السلالات ، تقوم – وبدون تضاد فيما بين مفرداتها – بتشجيع منظومة متعددة الأطراف تتكامل فعاليتها بزيادة خصب التربة ، والحد من استخدام الأسمدة الكيماوية ومبيدات الآفات التى تستخدم فى مكافحة الأمراض الكاملة فى التربة 0 وترتكز نظرية التخصيب الأحيائى للتربة على تعزيز محتوى نوعيات محددة من الكائنات الحية الدقيقة ، لها دور فعال ومؤكد فى تغذية النبات ، فى منطقة جذور النبات 0 وتتحدد مهام المخصبات الأحيائية فى التربة فى عدة محاور ، أهمها تثبيت نتروجين الهواء الجوى تكافلياً ولا تكافلياً ، وتحويل عناصر غذاء النبات الصغرى والكبرى إلى صورة صالحة للامتصاص وتنشيط وزيادة حجم الجذور ، ومكافحة الأمراض الكاملة فى التربة 0 ويتوفر لدى العديد من المؤسسات البحثية فى مصر بنوك للموارد الوراثية الميكروبية التى يشيع استخدامها فى نظم الزراعة النظيفة ، وكل محتويات تلك البنك كائنات حية طبيعية معزولة من البيئة المصرية وغير مهندسة وراثياً 0 كما تقوم الهيئة العامة لصندوق الموازنة الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضى بإنتاج وتسويق العديد من المخصبات الأحيائية 0
3- المكافحة الأحيائية للآفات
يقصد بها تطبيق نظم المكافحة الأحيائية ، كمكون رئيسى من نظم المكافحة المتكاملة للآفات الزراعية ، من خلال الاستفادة من علاقة التضاد بين الكائنات الحية ، باستخدام كائنات مفترسة لكائنات أخرى أو ميكروبات تسبب فى القضاء على الكائنات ضارة بدون التأثير على البيئة الزراعية وبالتالى الإنسان والحيوان 0 وقد حقق العلماء إنجازات متميزة فى هذا المجال ، وتمكن عدد منهم من تطبيق النتائج المعملية على نطاق حقلى متسع 0
وفى نظم الزراعة النظيفة ، يتم اختيار تراكيب محصوليه ودورات زراعية تراعى اختلاف الاحتياجات الغذائية للمحاصيل ، بما يكفل تعظيم الاستفادة من متبقيات كل محصول كى يستفيد منه المحصول التالى له 0 وعلينا أن نضع نصب أعيننا للحفاظ على تربة خصبة حية خالية من الملوثات ، التى يمكن التخلص منها بتكنولوجيات أحيائية حديثة ، توفر للنباتات كافة متطلباتها ، ويراعى أن تكون معدلات التسميد العضوى كافية لتلبية حاجة المحاصيل من مختلف العناصر الكبرى والصغرى ، كما يراعى الرى بمياه خالية من الملوثات ، وإنشاء المصارف إلى تحقق عدم بلوغ التربة حالة من الغدق التى تؤثر سلباً على نشاطها الأحيائى ، وتقلل من مستوى قابلية العناصر الغذائية للامتصاص 0
الاعتبارات البيئية فى نظم الزراعة النظيفة
بعد انقطاع ورود طمى النيل فى أعقاب بناء السد العالى ، لجأ المزارعون إلى تكثيف استخدام الأسمدة المعدنية ، مما أسفر عن العديد من مشكلات التدهور البيئى وفقد خصوبة التربة ، وتفشى الآفات وتلوث المياه والغذاء وفقد التنوع الأحيائى – مما وجه الأنظار نحو الدعوة إلى تبنى نظم الزراعة النظيفة 0 وكل من يريد أن يعرف لماذا الزراعة النظيفة عليه أن يجيب على الأسئلة التالية :
- ماذا حدث من تدهور للتربة الزراعية فى ظل الزراعة الكيماوية ؟
- ما هى المخاطر التى حدثت للبيئة فى ظل الزراعة الكيميائية ؟
- لماذا تلوثت معظم المنتجات الزراعية وأصبحت تؤثر سلباً على الصحة ؟
- من المسؤول عن التدهور فى نوعية الغذاء المنتج ؟
- لماذا كل هذا الإسراف فى الطاقة فى نظم الزراعة الكيماوية ؟
- هل نسمح من الناحية الأخلاقية بإنتاج حيوانى محمل ببقايا الهرمونات ومنظمات النمو التى تضاف إلى الأعلاف ؟
- ما هى الخسائر الاجتماعية والاقتصادية التى جناها المجتمع من نظم الزراعة الكيماوية ؟
ولا ريب أن الإنتاج الزراعى الآمن له مردود إيجابى على التربة والإنسان والحيوان والنبات وعلى التنوع الأحيائى والبيئة 0 وفى ظل نظم الزراعة النظيفة تعيش ملايين الأنواع من الحشرات الطفيلية والمفترسة ، وتعود للظهور الطيور والحيوانات التى كانت فى طريقها إلى الانقراض بسبب مبيدات الآفات ، وتزيد عدد الكائنات الحية فى النظام البيئى ، وتتحسن صفات التربة وتزيد خصوبتها ، وتتحسن إنتاجية المحاصيل الزراعية مع جودة الإنتاج ، بالإضافة إلى تحسين لصحة الناس ونوعية البيئة ، وتحقق عائد مادى يشجع على الاستمرار فى تحويل الإنتاج الزراعى إلى إنتاج نظيف من حيث الكم والنوع ، وخال من الملوثات ، مع استخدام أقل للطاقة وتعرض أدنى للأمراض 0
وفى إطار معايير حماية البيئة الواردة فى اتفاقية الجات ، فمن المحتمل رواج نظم الزراعة النظيفة ، فى المستقبل المنظور ، من جراء تفضيل المستوردين للأغذية غير الملوثة ببقايا الكيماويات الزراعية المنتجة تحت نظم الزراعة الكيماوية ، إلى جانب أن نظم الزراعة النظيفة سوف تتيح تحسناً كبيراً فى البيئة الزراعية 0
فرص تطبيق نظم الزراعة النظيفة فى مصر
تناولت الصفحات السابقة عرضاً موجزاً يلقى الضوء على مفهوم الزراعة النظيفة وتعاريفها المختلفة والعناصر التكنولوجية التى ترتكز عليها بوجه عام ، مع الإشارة إلى بعض الجهود التى بذلت لممارستها فى مصر ، منذ ظهورها كملجأ آمن لحماية الإنسان من مخاطر التلوث المصاحبة للزراعة الكيميائية 0 غير أن ترادف استخدام اصطلاحات " عضوية ونظيفة وآمنة وطبيعية " كمرادفات تؤدى ذات المعنى ، أمر لا يخدم مفهوم القضية ، لاسيما إذا تداخل معها اصطلاح الاستدامة أيضاً 0
وفى كثير من البلدان تتوافر التربة والبيئات النظيفة بصورة طبيعية ، وتستخدم بنجاح فى إنتاج زراعى نظيف بدون كيماويات زراعية 0 بيد أن الحال يختلف كثيراً تحت الظروف المصرية ، حيث لا تتعدى نسبة المواد العضوية 2% فى أخصب الأراضى المصرية ، وتقل حتى أجزاء قليلة فى المليون فى كافة الأراضى الصحراوية حديثة الاستصلاح 0 وبالتالى تختلف النظرة بالنسبة لجدوى واقتصاديات تحقيق إنتاج غذائى نظيف من مكان إلى مكان 0
على أن السياسة الزراعية فى مصر تهدف فى المقام الأول إلى تنمية زراعية تحقق عدة أهداف ، من أهمها :
- تحقيق إنتاج زراعى يغطى الطلب ، سواء للاستهلاك المحلى أو التصدير 0
- الارتقاء بالمستوى الغذائى للسكان من الناحتين الكمية والنوعية 0
- توفير فائض للتصدير لتوفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المعدات 0
- تدريب وتثقيف الفلاح المصرى لتفهم مشكلات إعاقة التنمية وأساليب مواجهتها 0
ولقد بذلت الدولة جهوداً كبيرة لتنمية الريف استندت على زيادة مع النمو والإنتاج ، واهتمت خطط التنمية بزيادة الإنتاج الرأسى والأفقى – سواء بتحسين نوعية الأراضى أو باستخدام تكنولوجيات حديثة ، وتم تحسين شبكات الصرف الزراعى 0 بيد أن بعض مشروعات التنمية الزراعية كانت لها آثار سلبية على البيئة وعلى الأراضى الزراعية وإنتاجها ، مما دعا الحكومة حديثاً إلى تبنى سياسة زراعية تحقق توازناً بين النجاح الكبير فى زيادة الإنتاج الزراعى وتجنب الآثار السلبية على البيئة فى الإطار التالى :
- الحد من استخدام المبيدات الكيميائية فى الزراعة ، حيث نجحت فى خفض كميات المبيدات المستخدمة سنوياً من 35 ألف طن عام 1971 إلى 3 آلاف طن عام 2000 من خلال تطبيق نظم المكافحة المتكاملة للآفات خلال الخمسة عشر عاماً الماضية 0
- إحلال استخدام المبيدات الأحيائية بدلاً من استخدام بعض المبيدات الكيماوية 0
- إدخال استخدام المخصبات الأحيائية للحد من الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية 0
- تشجيع إنشاء المزارع النظيفة واعتبارها أحد سياسات الدولة فى الوقت الحاضر 0
ولقد زاد الاهتمام بالزراعات النظيفة فى مصر بعد أن تأكد للمزارعين أنه وإن كانت الأسمدة والمبيدات الكيماوية والهرمونات ومنظمات النمو قد تزيد من الإنتاج والربحية ، إلا أنها تساهم فى تدمير الصادرات الزراعية المصرية فى ظل الاهتمام العالمى المتزايد ، وخاصة فى دول الاتحاد الأوربى والولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول جنوب شرق آسيا ، بمعايير الجودة البيئية وتفضيل شراء السلع والمواد الصديقة للبيئة 0 ولعل الموقف الأوروبى من صادرات البطاطس المصرية لخير شاهد على ذلك ، وكذلك بعض المنتجات الزراعية المصنعة حيث اظهر الاتحاد الأوربى تعنتاً شديداً تجاه الشحنات المصدرة بدعوى عدم مطابقتها للمعايير البيئية 0
وجدير بالذكر أن الدولة بادرت بإصدار القرارات المعالجة للآثار السلبية لتلوث البيئة ، من أهمها قرارات نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة التالية :
- قرار رقم 289 لسنة 1994 بإنشاء معمل تحاليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة فى الأغذية يخول له تنفيذ برنامج مراقبة تلوث المنتجات الزراعية فى الأسواق بصفة مستمرة 0
- قرار رقم 379 لسنة 1997 بمراقبة الصادرات الزراعية المصرية إلى دول العالم للحد من التصدير الملوث الذى يضر بسمعة الصادرات وخفض قيمتها 0
- قرار رقم 663 لسنة 1998 بشأن مبيدات الآفات يتواكب مع المتطلبات العلمية الحديثة للحفاظ على صحة الإنسان والبيئة ، وتقليل مخاطر استخدام المبيدات إلى اقل حد ممكن 0
- قرار بالبدء فى الزراعة بدون استخدام المبيدات الكيميائية للآفات لأراضى بعض المحافظات مثل محافظتى شمال سيناء والوادى الجديد ، وإعلان محافظتى الفيوم والإسماعيلية محافظتين نظيفتين خاليتين من المبيدات ، وقد بدئ فى تنفيذ ذلك اعتباراً من عام 2000 ، بالإضافة إلى الإستراتيجية المعلنة من قبل الدولة بتطبيق الزراعة النظيفة التى لا تستخدم فيها الكيماويات الزراعية فى منطقتى توشكى وشرق العوينات0
ومن الجدير بالتنويه أنه يوجد حالياً فى مصر مجموعة من الجمعيات الأهلية التى يتركز نشاطها حول الزراعة النظيفة لإنتاج غذاء نظيف ، وقد اعتمد تشكيلها على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ومعاهد ومراكز البحوث المعنية 0 وبعض هذه الجمعيات يمارس إنتاج أغذية نباتية نظيفة يصدر بعضها إلى الخارج فعلاً 0 غير أن أنشطة تلك الجمعيات لا تزال محدودة لقصور موارد التمويل 0 ومن الجدير بالذكر أن المساحات المزروعة بالزراعة النظيفة فى مصر محدودة للغاية ، وتزداد بمعدلات تكاد لا تذكر ، ما يتطلب دراسة الموقف برمته للتعرف على المسببات وإيجاد علاج مناسب لها 0
وفى هذا الإطار نستعرض الفرص والإمكانيات المتاحة عملياً فى مصر للاستخدام نظم زراعية سليمة بيئياً على مستوى استثمارى ، لإنتاج سلع زراعية تجتذب طلب المستهلك الذى يبحث عنها وقادر على تحمل نفقاتها ومن المرجح أن يتم ذلك ، فى المراحل الأولى من التطبيق على الأقل ، لإنتاج مجموعة محدودة من المنتجات البستانية ( الخضر وفاكهة ) يمكن تسويقها محلياً على نطاق محدود ، لتصدير جزء منها إلى الخارج 0
وليس واضحاً تماماً فى الوقت الراهن ، على الأقل ، ما إذا كانت الدعوة إلى الغذاء النظيف مطلب الأجيال القديمة التى عاشت فترة البيئة السوية وتمتعت بمنتجاتها الزراعية وتفتقدها الآن ، ومستعدة لدفع أثمان مضاعفة للحصول عليها ، أم أن الاتجاه يشمل أيضاً أجيالاً حديثة عاشت على تناول الغذاء الملوث ، ولو بدرجات مختلفة ، فى غضون الربع الأخير من القرن العشرين 0
ولا ريب أن الدعوة إلى الغذاء النظيف أساسها صحى بحت ، ولا يدخل فيها المزاج الخاص الذى يرتبط بنكهة الطعام مثل الفراولة والطماطم ، فلقد اختفت النكهة القديمة التى تفتقدها الأصناف المحسنة الحديثة التى تزرع أساسا لوفرة إنتاجها وطول فترة حفظها بعد الحصاد 0 وفى مرحلة تجميع وجهات النظر حول الزراعة النظيفة ، يجب مراعاة ظروف الاستثمار فى هذا المجال وجدواها من حيث تواصل الطلب على المنتجات الطبيعية المتميزة ، ومدى تحقيق العائد المادى المرجو 0
وإزاء الدعوة المستمرة إلى استثمار الظروف المناخية المعتدلة فى مصر ، وبحكم استراتيجية موقعها الجغرافى وقربها من الأسواق العالمية التى تستوعب كميات كبيرة من المنتجات النظيفة ، فى مواسم معينة على الأقل ، بالإضافة إلى ما تملكه مصر من موارد زراعية طبيعية وخبرة فنية متميزة ، فمن الضرورى استثمار كل ذلك فى تعظيم إنتاج وتصدير منتجات زراعية نظيفة ، ولا سيما تلك التى تستهلك طازجة مثل الخضر والفاكهة ، طالما كانت أهم المعوقات أمام معظم السلع المصدرة هو عدم مطابقة المنتجات للمواصفات المطلوبة، وخاصة بعد التغيرات التى شهدها العالم فى الآونة الأخيرة بشأن التجارة العالمية والبيئة 0
والواقع أن مصر فى حاجة ماسة إلى أن تركز على التميز فى هذا المجال ، حتى تفتح آفاقا جديدة لزيادة الدخل القومى بشرط ألا تكون قاصرة على زراعات محدودة المساحة ، وإنما تتبنى نظرة الإنتاج المتواصل المؤثرة فى التجارة العالمية ، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تخطيط علمى وخبرة عملية 0
وفى الإطار التالى ما اتفق عليه الخبراء المتخصصون فيما يخص إنتاج السلع الزراعية الغذائية للتصدير :
- التصدير حلقة فى سلسلة من العمليات والأنشطة والإجراءات المتكاملة ، وأى خطأ فى تتابعها يحول دون إتمامها 0
- العولمة ونظم المعلومات جعلت البحث عن الحقيقة ميسراً والكشف عن المخالفات ممكناً ، مما قطع السبيل على كثير من المغامرين 0
- الزراعة النظيفة الحقيقية تغل إنتاجاً قد يقل عن الزراعة الكيمائية ، غير أنه يمكن بيعه بضعف الثمن وربما أكثر 0
- التربة الزراعية ذات الخصب الطبيعى الموروث بيئياً أكثر طوعا لنواحى الإنتاج الزراعى المختلفة بخلاف التربة ذات القدرة الإنتاجية المتدنية ، والتى تتطلب عناء وتكلفة وجهوداً أكبر لوضعها تحت نظام إنتاج زراعى مربح 0
ويمكن استعراض الظروف الراهنة والمحددات التى تحيط بالزراعة النظيفة فى مصر على النحو التإلى :
- من الخطأ القول بأن جميع الأراضى القديمة فى مصر ملوثة بالكيماويات الزراعية ، ومن غير الحقيقى أيضاً أن نؤكد على أنها نظيفة أو غير ملوثة 0 وفى هذا الصدد يجب تقييم ما ينشر عن تلوث التربة أو المياه فى موقع محدد ، حتى يؤخذ بحجمه الطبيعى ولا يعمم على كافة الأرجاء ، بيد أن ذلك لا يعنى إهماله أو تجاهله طالما أن هناك من التكنولوجيات الأحيائية الحديثة ما يمكنها التعامل مع مثل هذا التلوث 0
- التربة الزراعية القديمة فى الدلتا التى ينطبق عليها ما سبق ، هى أفضل وأخصب الأراضى الزراعية فى مصر ، وأقدرها على الإنتاج الزراعى ومضاعفة معدلاته الحالية ، لو اتخذ فى فلاحتها وصيانتها الأساليب السليمة 0 غير أن تعرضها للتلوث أصبح كثيفاً ، ويجب التصدى له فوراً 0 ومن هذا المنطلق ينصح بأن تختار مواقع مشروعات إنتاج سلع غذائية نظيفة للتصدير والاستهلاك المحلى المحدود ، خصوصاً من الخضر والفاكهة الطازجة فى مناطق بعيدة عن الدلتا والوادى القديم 0 ولا ينفى هذا أنه توجد حالياً بعض الوحدات المنتجة لسلع غذائية نظيفة فى الدلتا والوادى تخصص للتصدير 0
- مياه الرى فى مصر تسرى فى شبكة كثيفة من المساقى والقنوات والترع والرياحات حول مجرى نهر النيل الرئيسى فى الوادى وفرعية فى الدلتا 0 ونظراً لاتس�


