جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الرّاياتُ الحُــمْر
في عُمْقِ الصحراء
نُصِبَتْ راياتٌ من نار
تهتزّ تُرَفْرِفُ في كلّ الأنحاءِ ـ
يراها الناظرُ لمْعَ سَرابٍ ـ
يجتذبُ الماشي والراكِبَ ـ
تحتَ لهيبِ الصحراء.
راياتٌ حمرٌ فوق خيام سودٍ ـ
تومض للعينِ
تتحَرَّكُ كالأيدي
تغري من أتعبه السفرُ
وتُرَحِّبُ بالآتينَ صَباحَ مساءَ ـ
تقولُ هلمَّ إلى الواحةْ
وهلمَّ إلى الفرَحِ الدائِمْ
ستلاقي المَأوى والرّاحةْ.
تبدو راياتٌ مخضوبَــةْ
بدماءِ نِعاجٍ أبْكارِ
وخِيامٌ سَوّدَها البَشرُ
بفعالهم السوداء!
وتفوح روائِحُ تجْتذِبُ السّاري
قد أرْسَلَها دَنٌّ مُـتْرَع
خمرٌ وقوارير ...
ولحومٌ بيضاء
تتمدَّدُ فوق موائِدَ مَكشوفَةْ
تُغْري من كانَ نباتيّاً
أن يأكلَ لحمَ الخنزير!
ولذا لا شيءَ سوى سكّينٍ تُغرَسُ ـ
أو أخرى تُـنزَعْ:
في لحم نِعاجٍ تُذبَحُ صامِتة ً
ونعاجٍ تصرُخُ إذ تُطْعَن
دمُها قد دنّس أثواباً
كم كانت تبدو ناصعةً
وهناك ترى أنيابَ ذئابٍ جائعةٍ
لا تشبعُ أو تقنعْ
****
قد كانت مَكّةُ لا ترضى
إلا طُهْراً ونقاءً لم يَدْنَسْ
ولِذا فَذَواتُ الرّاياتِ الحمرِ
قد عشْنَ هنا، في عمق الصحراء
وبعيداً عنْ أرضِ الطُّهْرِ
كي يدْفِنَّ العفـَّة
في رمل الصحراء.
لكنْ بقيَتْ مكّة
أرْضَ العِـفَّة
ظلتْ أرضَ الخيْرِ
كانت مكة.
ظلت مكة.
دامت مكة!.
لكن زالت: كلُّ الراياتِ الحمرِ
وجميعُ الأفعالِ السودِ
وظلالُ الخيماتِ السّودِ
زالَ الغُرَباءُ ـ
ومَنْ قد سافرَ عبْرَ الصحراء
مِمَّنْ أغْراهُ لحْمُ الخَنزير
لم يَبْقَ سوى ذِكْراهُ السَّوداء
ذكرى لِذَواتِ الرّاياتِ الحمرِ
ذكرى مَنْ خُنَّ القوْمَ الأمجاد
بلْ بِعْنَ جميعَ الأشياء
في مَكَّةَ أو في الأجْساد
لغزاةِ الصَّحراء
للأوْغاد
لذئابِ الصحراء
للطُّرّاقِ الأفّاقين:
رومٍ ويهودْ
جِنٍّ وَقُرود.
****
بئْسَ المَخْلوقات!
حَرَقَتْها شمسُ الصّحراء
وتوالَتْ أعْوامٌ
غَسَلتْها، بل جَرَفتْها فيها الأنْواء
لِيَعودَ الرَّملُ طَهوراً مِنْ دَرَنٍ
يَتَـيَـمَّمُ منهُ مُصَلّون
وعليهِ يَسْجدُ عُبّادٌ
وَيُقيمُ هُنالكَ نُسّاكٌ
وَيسيرُ عليهِ رُكْبانٌ
ويطوف عليه رِعْيانٌ
ترعى معهم قطعانٌ -
طاهرةٌ ما فيها خنزيرُ
أو فيهم علجٌ مخمورُ
فالكُلُّ هُنا لا يَصْحَـبُهُمْ إلا الله
الكلُّ هنا
لا يُرشِدُ خُطْوَتَهُمْ إلا الله.
[من المجموعة الحادية عشرة، ديوان (أواخر الصيف) دار أمواج ـ عمّان ـ ط1ـ 2014م . ص68 ]