أفرغت من قلبها حمولة، ظنت أنه لا يستطيع حملها إلا الأموات، ودون أن يكون لمقالها رد، ولت المسكينة إلى القرية لتجد بكرها يقف قبالة حجرة من طين يتأمل صبية يصدحون بأصوات لم تألفها آذانه، تقف بجواره دون أن يكون لوجودها آبها، لتفهمه أنهم ينهمون مما ينزل على الأرض من غيث، وهم غير خبر بما ينبت لهم من عقاب، عندما يركبون ويعبرون من الوقت قليلا، رافضين إلغاء ما كتب من دساتير تجعل منهم أمة لا تبصر في الكون جمالا، ولو ساد سناؤه ضياء فإنهم لا يرون جليا ما على جيدك من قيد أنت به مكبل، فتعرض به عن عقيدة بها كانوا يطعمون النفس جهلا ، تتكسر رغبته في أن يكون بداخل الحجرة يتلقى ما يتلقاه أترابه، ليجد نفسه في صبيحة وهو ينحني أمام الفقيه مقدما خدماته، يستبق النظر إلى جنة عنه قصية، فيغور الدمع في عيونه والبكاء يستعصي عليه جلبه، وبداخل معزل بنفسه تكلمه أنثى رمزا،أن لا يكون له بطنها مخبأ، منه يخرج إلى الغد حقيرا، يحمل نفس الهيأة والملامح، وكسوة ترتديها جهالته هوية وعقيدة وتاريخا، يزحف قعودا على مؤخرته طوال النهار صوب الفقيه المسرع في حياكة الجلباب، ولقد اهترت وتفككت خيوط ما كان سترة لعورته، وكلما داهم الرقاد جفنه أيقظه السوط نزولا على أم رأسه، وغير بعيد عنه تعم الفوضى من ضجيج أطفال القرية الذين لم يجدوا أغناما للرعي، ولا شغلا في سوق النخاسة ولو كان قاسيا، يمزقون حناجرهم تلاوة بما لا يفقهون، ولا هم عنه يأخذون أجرا يعيلون به عجائزا تنتظر بالبيوت والحواصل فارغة، وعندما يبلغ به التعب أقصاه تنهار سواعده، تصبو نفسه لحيز من الزمن ينعم فيه باللهو الذي منع منه وكان عليه ممنوعا مادام في حضن الحجرة، ولم يعد يتطلع إلى مواقيت الصلاة لما ينصرف جلاده ليؤم ذكور القرية، وهو يأمره أمرا فظ اللهجة بكنس الحجرة وجلب الماء والدلو كيله من وزن الصبي أثقل، مهددا إياه إن هو أمد يده أو اختلس النظر إلى ما جاءه من طعام تهيؤه نسوة القرية إلزاما، يلتهمه عند رجوعه من الصلاة بشراهة والصبي إليه ينظر، يحرم عليه مد اليد قبل أن تملأ البطن ولا يترك له إلا فتاتا، يغنيه عما تحضر أمه من رقائق الشعير، وقد جثم الإملاق ببابها والعوز أرخى على حاضرها الشح، وبسط الهم على وجهها غيمة منها سال مطر حزن ملأ الجفن رواسب نقع داكن، يبيد من عينيها الغائرتين شعرا كانت تزفه لحنا من نظراتها لما كانت في الصبا طفلة تسكب البراءة في وجدانها، وهي تنتقي ما تعبت به من جمال غضنته مصدعة حاضر قرية فقد أهلها التآلف بينهم، وطردوا من قلوبهم الرأفة، فلم تجد من يعير لحالها شأنا، ولا جار يروي جنانها بنفحة رحمة تحيي بها رغبتها في العيش، وما وعدها به الفقيه كأجر مقابل ما يقدمه له إبنها القاصر من خدمة قد طال انتظاره، لتقف ببابه متحشمة تنتظر حضوره، وما كان عليها أن تنتظر لقاءه إلا إرغاما، وكأنها ترجو منه صدقة تقرح كفها وتفجر منه ينابيع قيح تشمئز النفوس لرؤيتها، فخرج إليها مبتسم الثغر، وعيونه تستدرجها إلى خطيئة كان قلبه يضمرها، بادرها بسؤال عما جاء بها، فيعجز لسانها بالبوح عما ساقها إليه، تستدرك القول بأنه يستطيع قراءة ما تحت الضمائر ، وبالنساء خبير، وإشفاقا بحالها أوهمها أنه سيهيئ لها تميمة زادا، تجلب إليها الخير وعنها تبعد الشر، ووعدها قولا أن يخرجها مما هي فيه من إقصاء وشدة العوز، وإن تكن خاضعة الجناح غير رافضة لما سيصدر عنه من أمر، ليعيد لها ما فقدت من أنوثة، طأطأت الرأس ساكتة، حسبه سكوتا من علامات الرضا، وظن أنه كان لطعمه مفعولا، فمد يده الى صدرها يرنو ملامسته، فأصابها الذهول كصعقة برق منها استمدت قوتها، لترفع يدها صافعة وجهه، فولت صوب البيت مهرولة، والخيبة تضغط على الصدر حابسة زفير أنفاسها، وتوصد الباب من خلفها احتراسا وخوفا أن يتعقبها منتقما، اتقت شره حجبة لا تخرج من وكرها إلا لماما، وكانت عندما تنهار نفسيتها توسوس لها بالرحيل، مغادرة المكان الذي كان لها مهد الصبا وعقلت قدميها بحبال السكوت متحدية ما تظنه سيحل بها من انتقام الفقيه، أخبرتها به إحدى جاراتها، حين جاءتها التي لا ترد وجهها عما ألفت من قيود تقاليد موحلة في الجهل، ناصحة إياها بما ليس لها به سلطان، مقتحمة حارة بها تسقي أغراس ظلم، تحصد الأرملة سنابله، ودرت عليها من الكلام ما كرهت سماعه، حين جعلت منها خاطئة لما راودها عن نفسه كان عليها أن تكون مطيعة، مستطردة القول، عليك أن تكوني له كما شاء بغية حتى ينفض من مضجعك قنوعا، وكنت قد ربحت سلاما، وما من ذنب وقع بينكما يصبح اليوم منسيا، فإن لديه من شياطين الجن ما يضر بك يسلط أحدهم ليتلف عقلك، وإذا تجهم واكفهر فإن شره يكون شنيعا، فيأمر كما يفعل مع كل عنيدة، خادما له، فظا قبيح الصورة بشع القضيب يأتيها الليل كله، مما هو محرم على الإنس نكاحه، ومما هو عليهم فريضة، فانغلقت المسارب التي كانت منها تزحف ابتغاء البقاء.

جاءت بالشمس مدحرجة حتى بلغت الآصال، وقومها من حولها انفضوا، ولا نفر منهم راغب في ضيائها، تراهم في الأزقة انبطاحا يتصاغرون لنخب عليهم تنفث مداخن مدارسها العتيقة ظلما، حتى صار وجه الأرض كوجه البؤساء سخاما، يتوكلون على ما ينشدون لهم من أماني جوفاء، والموعودات قرابين موسم، من بعده تباد الوعود، والضواحي تسري بيدا بها الأرحام تفيض تكاثرا، إن إنجاب الفقر غير محصور، بضاعة من الفقراء فائضة الإحصاء، تستبق أحزاب النخاسة لابتياعها بالبخساء يوم أعيادها، فخرجت من بطن الغضب ريحا صرصرا، حولت بصر الصبي إلى السماء، واحتضنت في سعتها عزلته، وبسطت له لوحة تراءى له فيها ما تنفث الأجسام من عرق صار أكوام غيوم داكنة، تتجاذب مكفهرة تآلف لبدها منها أستعار لسان رعده يصدر كلامه هزيما يفزع قلوب الطغاة، كلماته كشهب تحمل نارا، وتملأ بشرارتها جرابه، ومضى منتفضا ينزع من الإقطاع ما سلب من كرامته وهو في الرحم كان ضعيفا، ليبرز لمشغله على جيل من رفات ضعفه عصيا والقساوة له رداء، ولم يبخل عليه بما كان يشح في صدره من السخط والغضب، يقذفه بالألواح المقدسة ، وبما يستحق من ذم وقذف قبيح، ثم فر هاربا والمعتدي من خلفه يركض، دون أن ينال منه، ارتمى الصبي في حضن أمه ينشد أمنا، والمطارد إنثنى عما كان يود قنصه، ورجع مهزوما يقلب كفيه أسفا، وضل العودة من حيث أفاض شره، وراح في النقع يبحث عن سبحة وخفين أضاعهما أثناء العراك، وباله لم يهدأ غليانه، ونفسه اللئيمة عن ناب الشر مكشرة، فرام عون الخزن يشكو أن زنديقا بالقرية ينمو، وأصبحوا ثلاثة لما إنضاف إليهم متملق يثبت ما يزعم الفقيه، فأتوه والأنوف تنفث ريحها غبارا، ودخلوا بيته اقتحاما، والذعر أماته لما رآهم عصبة، والأم كانت على أمرها مغلوبة وعن رد الهجوم لا تقوى، نزعوه منها عنوة واقتادوه أسيرا يلاقي تنكيلا، والقرية أصمت أذانها لعويله، سجنوه ثم نادوا على فئة من المستضعفين ليكونوا عليه شهودا، وحضر وكلاء الأحزاب ضيوفا، يحتسون كؤوس الشاي والصبي مربوط بجدع نخلة كان لها بواسطة المسجد غرسا مختارا، وهو تحتها يبدو غير مدرك لما يصدرونه من فتاوى عقابا، ولو أدرك ما يحيكونه لحبد الفناء عن بقاء فيه يلاقي وجوها في الجهل مسعورة، ونطق في المجلس أحد المستضعفين وقال قولا خال أنه رزينا، إن أبناء البغايا أصبح عددهم بالقرية وفيرا، فكل من عق الله وبيته والفقيه يجب قتله، وإن تراضيتم على قولي فإني على تنفيذ ذلك قادر، ونفسه الحقيرة لا ترنو لإصلاح وإنما تروم تملقا لمن يحسبهم أثرياء، فيتصاغر لطغاة بكبريائهم يقربون بذور المطر جنبا، ومن ثمراته يأكلون قوتا، يتباهون في الأعوام العجاف والبخل لباسهم، لا ينفقون مما يملكون من جاه وخيرات مصدرها اختلاس، وأرض معطات أصحابها فقراء منهم اغتصبوها، والعدل للأقوياء يتملق، وفي سلته صدقات منها يغرف الفقيه ما ينفعه، وعينه على الصبي لا تفارق، ولربطة طوقه يتفقد كل آن، فيستعجل العقاب، ويخرج من حقيبة خشبية سوطا له فيها حافظ لولائم العقاب، فقام في الحشد مؤذنا أذانا مخالفا لما ألفوه للصلاة، أذان يأمرهم فيه بعقاب الصبي، ليشب الخلاف بينهم عمن يكون الإمام، وككل الكراسي التي يرفض البعض التنازل عنها بعد احتكارها، كذلك الفقيه رفض أن يتنحى عن الإمامة، حتى وإن كان ما يأمرهم فيه صلاة ليس كالصلوات، فالقبلة كانت الصبي والمحراب وجهه، التكبيرات كانت سياطا والتلاوة ما تيسر من سب وشتم والركوع رفس وركل بالقدمين والصبي كادت حنجرته تتكسر من صراخ دوى صداه في أعماق صدر أم عجزت عن إنجاده، تحوم حول المسجد مكلومة واللب والجوارح بمحنة صغيرها مشغولا، فشب في كبدها نار، حطبها صراخ الصبي عندما يناديها، فطلبت الموت تستنجده أن ينتزعها من البقاء، قبل أن تشهد نعي الصبي، تتفجر في نفسها طاقة كسرت بها الباب محطمة ألواحه، وارتمت على فلذة كبدها تدثره، لتصبح لنزول السوط موضعا، فيرفع الإمام من صلاته مسلما وكان دعاء ختمه وعد و وعيد إن هما عادا فإنه سيعود..
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 25 مشاهدة
نشرت فى 23 ديسمبر 2014 بواسطة Aboyosefmohamed

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,103