قراءة تحليلية للنص القصصي"عويشة"المقتطف من مجموعة "سلسلة قصص الناس" للكاتب والشاعر جمال الدين العماري.
بقلم خديجة التاوري 
-------------------------------------------
لم يكتفي الكاتب والشاعر جمال الدين العماري بنقل مايعتري اﻹنسان من أحاسيس وانفعالات نفسية في لوحات شعرية من خلال شخصه، بل تجاوز هذا ليعبر عن الواقع اﻹجتماعي للإنسان عن طريق شخصيات أخرى تمثلت في إبداعاته القصصية ،لأنه آمن بأن القصة تستمد أغلب أحداتها من الواقع المعاش وليس من الخيال.وهذا ما ستظهره لنا دراستنا لقصة 'عويشة'المقتطفة من المجموعة القصصية "سلسلة قصص الناس" للكاتب جمال الدين العماري،ومن بين إبداعاته القصصية: البحث عن السراب-اعمارة الأعور-اﻹنزلاق للهاوية.
فما الموضوع الذي يعالجه الكاتب جمال الدين العماري في نصه؟ وما الوسائل الفنية الموظفة للتعبير عن الموضوع؟
جاء عنوان النص "عويشة" اسم تصغير وعويشة هو اسم علم والأصل عائشة أي أن بنية اﻹسم تغيرت لغرض مقصود وهو تحقير شأن المسمى، وهنا نجد أن الكاتب جمال الدين العماري اختار عنوان النص بذكاء ليضعنا على عتبة موضوع نصه قبل الخوض في أحداث القصة. فإلى أي حد يعكس العنوان مضامين القصة؟
وانطلاقا من العنوان "عويشة"وشكل بعض المؤشرات من قبيل :تخرج ترجيعة حزينة - ظلت تسترجع ماضيها - الحياة الظالمة،نفترض أن النص قصة قصيرة ذات طابع واقعي اجتماعي يعالج فيه الكاتب جمال الدين العماري معاناة شريحة اجتماعية وسعيها نحو حياة أفضل وقد جسد الكاتب هذه الشريحة في شخصية 'عويشة'.فإلى أي حد تصح هذه الفرضية؟ وما الرهان الذي راهن عليهالكاتب جمال الدين العماري في نصه القصصي؟
وانطلاقا من متطلبات فهم النص القصصي واﻹجابة عن موضوع النص القصصي والسؤل اﻹشكالي المتعلق بالقصة ومتوالياتها السردية يتحدد موضوع القصة في حكاية فتاة اسمها عويشة التي كانت تعيش في البادية تحت وطأة المعاملة القاسية لزوجة أبيها والتي جعلتها تغادر المدرسة وكذلك تحت وطأة أبيها الذي همه الوحيد المال، ففي يوم من الأيام اصطحب ابنته عويشة إلى المدينة وشغلها عند أسرة غنية وكان يذهب لزيارتها فقط عندما يريد أن يتقاضى أجرا عن عملها عندهم، ولم يكن يبالي بحال ابنته أو ما تعانيه في عملها، وهنا يأتي الحدث الصادم فقد تعرضت عويشة لﻹغتصاب من طرف ابن الأسرة الغنية الذي كان يدرس بفرنسا،وقد توالت الأحداث بعد هذا الحدث المأساوي تمثل في ارتكاب عويشة لجريمة قتل في حق مغتصبها. ومن خال هاته الأحداث نجد أن الكاتب جمال الدين العماري صور في قصته الواقع المرير ﻹنسان البادية بصفة عامة حيث أظهر حجم معاناته النفسية واﻹجتماعية وكثرة ما يعتمل بداخله من ظغوط تجعله قلقا متوثرا ومكتئبا،.سنستشهد بهذا من القصة حيث نجد على سبيل المثال:"شريدة الدهن-تتنهد وتخرج ترجيعة حزينة-ظلت تسترجع ماضيها" وهذا إن دل على تصوير واقع اجتماعي فهو كذلك يدل على مدى عمق المعاناة النفسية،وفي مقابل إنسان البادية هناك إنسان المدينة الذي جسده الكاتب في شخصية ابن الأسرة الغنية عصام والذي كان عاملا فاعلا في تقلب نفسية الشخصية الرئيسية 'عويشة'،وهنا يبرز لنا الكاتب الصراع الطبقي في المجتمعات :الطبقة الفقيرة في مقابل الطبقة الغنية،لكن الكاتب لم يقف فقط عند هذا التناقض بل تجاوزه وعمق رؤيته أكثر ليحدث مقارنة بين إنسان البادية وإنسان المدينة.هكذا استطاع الكاتب جمال الدين العماري تصوير الواقع اﻹجتماعي بأخد عينة من شرائح المجتمع باختلافها(عويشةابنة البادية-ابن الأسرة الغني) وعينة من المشاكل التي تعانيها(الهدر المدرسي-اﻹستغلال-اﻹغتصاب).
بعد دراسة المضمون والغوص في أحداث القصة سننتقل إلى جانب البناء القصصي، ويعد الزمان والمكان عنصرين بالغا الأهميةفي البناء القصصي إذ يمثلان الفضاء واﻹطار 
والمجال الذي تقع فيه الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات، فبالنسبة لﻹطار الزمني وقعت القصة في زمن الليل واقتطع منه الكاتب جمال الدين العماري عدة لحظات غير محددة متعلقة بحدث اﻹغتصاب الذي غير مسار ومستقبل الشخصية الرئيسية وذلك عائد إلى إبراز التوثر النفسي الذي تعيشه الشخصية ، أما بالنسبة للفضاء المكاني فقد دارت أحداث القصة في أمكنة عديدة كالزنزانة - المدينة -المطبخ -الحافلة- الغرفة، وقد حملت هذه الأمكنة دلالات متباينة إذ تدل الزنزانة والمدينة على الظغوط والقيود والتوثر، أما الحافلة فتدل على مسار اﻹنسان إلى عوالم حياة مجهولة،وقد تفاعل كل من الزمان المكان في رسم معاناة الشخصية الرئيسية وتسليط الضوء على واقع إنسان البادية الفقير من الجانب النفسي واﻹجتماعي،كما نرى أن هذا النص انتظمت فيه متواليات وفق تسلسل زمني أحالت عليه مشيرات لغويه دالة على الزمان كما ذكرناها مسبقا وأحيانا مشيرات لغوية منطقية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالأحداث من شأنها أن توجه القارئ إلى مقصدية الكاتب جمال الدين العماري ونذكر على سبيل المثال من القصة علاقة السببية: "لأنها لم تتصور في يوم من الأيام أنها ستسكن هذا القصر" إضافة إلى علاقة اﻹستدراك: "لكن سرعان ما اختفت" هكذا تعالقت الأحداث بطريقة منطقية ساهمت في اكساب النص بناءا وهيكلا قائما على الطريقة التلاثية متأسسة على وضعيات : البداية والوسط والنهاية بشكل محكم ، إن المستوى السردي في النص لا يقف عند البناء أو الهيكل بل يتجلى في الرؤية السردية للكاتب،حيث نجد الكاتب جمال الدين العماري يتدخل ليفسر مايقع داخل الشخصية من الناحية الفكرية والشعورية وهنا تتحقق الرؤية من خلف وعلى سبيل المثال نجد في القصة :'شريدة الدهن..حزينة..وجهها الحائر..السعاة تغمر قلب عائشة' ومن خلال هذه الألفاظ نجد الكاتب متحكما في الجانب الفكري للشخصية ، وإلى جانب الرؤية السردية نجد أن النص شهد في بناءه عنصر آخر مهم وهو عنصر الحوار وقد دار هذا الحوار بين الشخصية الرئيسية عويشة وأبيها ثم حوار آخر بين عويشة وإبن العائلة الميسورة عصام ،إذا كان الكاتب جمال الدين قد استعمل خاصية الحوار في نصه وإن كانت هذه الظاهرة خاصية مسرحية فإن النص القصصي لا يخلو بدوره من هذا الأسلوب ، لكن بمقاييس فنية وظيفتها تحديد السمات وتجلية أبعاد الشخصية النفسية واﻹجتماعية،مثال:الأب استغلالي أناني بحيث حرم ابنته من أبسط حقوقها كحق التعليم / عويشة:طموحة وفي نفس الوقت هي حساسة حزينة ومتوثرة.
وتأسيا على ما سبق يتبين أن الكاتب جمال الدين العماري نوع في قصته بين السرد والوصف والحوار وذلك بغية خدمة المعنى وجعله واضحا في دهن القارئ. أنا بالنسبة لرهان الكاتب جمال الدين العماري في نصه القصصي فهو تعرية الوضع المزري لشريحة معينة من المجتمعات مثلتها شخصية عويشة إضافة إلى ضرورة ترسيخ قيم إيجابية لبناء مجتمع صالح يخلو من مظاهر اﻹستغلال بكل أنواعه.

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 90 مشاهدة
نشرت فى 10 ديسمبر 2014 بواسطة Aboyosefmohamed

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,132