احتضنهما ليل القرية، ليفتح لها كوة لترى بعلها راكبا بلقاء من غير لجام، يتبختر ولباسه من سندس واستبرق، إلى نهر الكوثر يمضي تحت ظلال أشجار من رمان وتين ونخيل قاطفا من ثمارها ما يحلو له ، فتهب على قلبها نسمة الرضا مما فيه بعلها من رغد، ولبست رداء الكفر والردة لما تلاقيه في الأرض من إملاق، لأن المحراث خشبي والدابة هزيلة سقيمة والأرض ظمآنة لا تخرج من ترابها إلا بصلا مقيت الرائحة وسنبلة شعير خاوية من الحب، منها تصنع خبزا ممزوجا برائحة التراب العفن، فتبدي رغبة ليكون لها اللحد مركبا يقلها إلى حيث الزوج ينعم، تاركا إياها قابعة غير متبرجة بزينة الحياة، داخل زنزانة نوم موصدة بأسوار الطين العتيق، ولم تعد ترجو نكاحا من رجل عقيم يفسد ما برحمها من حلم، ويمنعها أن تمد يدها باسطة لتقطف من الفواكه ما لم تمسسها قط يدها ولا رأتها عيناها، كانت تحسبها مجرد أسماء سمعت عنها عندما كانت صبية في حكايات الأساطير، لتصبح حقيقة في الحلم تتهشم تحت طواحينها وفكاها ينطبقان وكأنها أصيبت بالمس دون أن تحس حوصلتها بالشبع، فترى البلقاء من النهر تدنو وبرفق دللت عنقها حتى ترجل الراكب، إنه زوجها، هب إليه ولدان ورفعوا عنه سترته، ثم ألقى بنفسه سابحا دون حجاب، وكلما طفا على السطح داعبته حسناوات حور عين، منبطحات يرشقنه بما في أباريق من فضة ونحاس من نبيذ، فيأخذ مقعده من أريكة نسائجها من خز مطرز، وأشار بسبابته لإحداهن والكبرياء مهر يركبه، فسعين إليه غير ممانعات يعرضن ما أنجبت أجسادهن من ثمار الإغراء ، ليبدو أمامه أن ما منحت الطبيعة الزوجة من أنوثة كقطعة فحم تأبى النار أن تشب فيه، فاندلع لهب الغيرة حارقا وجدانها، و النفس سعرت و العيون تتأجج ثأرا لعرضها، فنطت خارج مرقدها مذهولة مما رأت والجسد يفور عرقا مرتعشا كمن أصابه مس من الجن، أزاحت ما عليها من نقع الظلام والسواعد منهوكة، وكأنها تبحث عن تلك الكوة التي رأت منها ما أفزع القلب .
نشرت فى 9 ديسمبر 2014
بواسطة Aboyosefmohamed
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
312,989

