(( لحظة حب أبدية ))

.. بعد ليلة طويلة امتزج فيها الفكر بالألم ، والشوق بالضعف ، والأمل باليأس ، أسلما أعينهما لنوم عميق ، نوم لم يأتي بيسر ، فقد شاركتهما الدموع سويعات كأنها ضيف يرفض ان يبرح مكانه ..
دموع أذرفتها مشاعرهما بالزمن من حولهم ، زمن باتت فيه المادة تسيطر علي كل شيء ، بل وتضع خطا أحمر أمام العديد من الاحلام والطموحات العذبة المخلصة ، فتحدد بذلك مصيرا مأساويا لها في أغلب الظروف، وأكثر الاحتمالات تعقيدا ..

.. كان كل ما يجمعهما معا في هذه الليلة ، مجرد هاتف يشاركهما وحدتهما ، ويقربهما من بعضهم البعض ، ويزيل بعض ما علق بأنفسهما من هموم ثقيلة ، وأحلام علي شفا الهزيمة .

.. استيقظ بعد ليلته تلك _ وبعينه أثر سهاد طويل _ وكعادته ، أخذ يتصفح جريدته اليومية ، باحثا عن وظيفة جديدة لعلها تجدي نفعا له .

لكم هو في أشد الحنين للاقتران بحبيبة عمره ( وعد ) ...!

وبينما هو كذلك مندمج في تصفحه ، لفت إنتباهه إعلان يتوسط إحدي الصفحات ، واستوقفته صيغة الاعلان المكتوبة بخط داكن عريض ..
( لمحبي المغامرة ، تعلن الوكالة الفضائية للعلوم الكونية عن رغبتها في متطوعين ، للسفر في رحلة إستكشافية في الفضاء الكوني ، لتسجيل مشاعرهم وانطباعاتهم الانسانية ......)

أعاد قراءة الاعلان مرات ومرات ، وكان في كل مرة يعيد فيها قراءته ، تلمع في ذهنه فكرة جنونية ، تكاد تكون غير ممكنة ، بل مستحيلة تماما !!

..وبغير ترجيح لأي إحتمالات تضعف فكرته الجنونية ، التقط هاتفه وبدأ في الاتصال بأرقام الهواتف المكتوبة أسفل الإعلان ..

****

لم تمر اسابيع ، كان بعدها العاشقين يقفان جنبا إلي جنب في مركز الاختبارات التابع للوكالة الفضائية ، والذي يحدد مهارة وكفاءة المتطوع للقيام بالرحلة الفضائية الاستكشافية ..

.. كان كل ما يحدث أشبه بحلم خيالي أو لعله حلما مستحيلا ...

.. وكان دافعهما جنوني ، كانت ظروفهما أقوي من أن يرضخا لفكرة الانفصال والبعد عن بعضهما البعض ..

.. عرض عليها فكرته ، فتقبلتها منه كل القبول،
قالت له:-
_ أنا لك .. فأينما ذهبت أكون ...!

ومرت عليهما ساعة وقفان فيها وسط عشرات من المتطوعين ، إلي ان جاء دور ( سليم ) في الكشف ..
.. دخل إلي الغرفة وعرف بنفسه في صوت جهوري رنان علي أعضاء اللجنة ، وأخذ بعدها يجتاز الاختبار الواحد تلو الاخر في صبر وإستماتة وعزيمة وفهم ويقين ، كانت مهاراته تبدو جلية أمام أعضاء اللجنة ، مهارة يكسبها الحب قوة وإتزانا ..
.. وانتهي ( سليم ) من الاختبارات ، ودخلت ( وعد ) بعده ، تختبر هي الاخري ويدفعها في ذلك حبها القوي لمحبوبها ( سليم ) .

.. ثم مرت أيام ، أعلنت بعدها نتيجة الاختبارات ، والتي جاءت مدهشة للعاشقان وغير متوقعة ألبتة ، أيعقل أن يحالفهما الحب هذه المرة؟! ..أيعقل أن ينهزم حظهما التعس أمام عشقهما اللانهائي ؟! ..

.. وفي الموعد المحدد وبعد تدريبات شاقة لمعايشة أجواء الفضاء ، أطلقت الوكالة صفارات إنذارها ، تعلن عن بدء العد التنازلي للحظة الصفر التي عندها ينطلق الصاروخ الفضائي ، الذي يحمل علي رأسه مكوكهما الفضائي ، صوب الفضاء ...

****

وبداخل قمرتهما الصغيرة ، تمسك العاشقين بإيدي بعضهم البعض ، وقد انشغلا كلا منهما في التركيز في الارتجاجات التي تحدثها قوة الدفع الهائلة للصاروخ ..

.. ومضت فترة ، بعدها أتاهم صوت رائد المركبة من قمرة القيادة ، يهنئهما بنجاحهما في إجتياز جاذبية الأرض وتحررهم الكامل منها ، طالبا منهما أن يبدأ كلا منهم في مهمته في تسجيل مشاهداته وتأملاته في كل ما يراه ..

.. وبداخل قمرة العاشقين ، راحا معا يسبحان في فضاء القمرة ، غير مصدقين ما يحدث لهما ..
قالت له:-
_ ألا تري في هذا جنونا ، أن نترك الأرض ..!
اجابها :-
_ ألا ترين اني عشقتك بجنون ..؟!
قالت له:-
_ لكم أنت مجنون ...!
رد عليها مبتسما :-
_ لكم أنتي جميلة ...

علت حمرة الخجل وجهها وهي تجيبه:-
_ يخجلني حديثك العذب ..

ابتسم لها وهو يسبح بإتجاهها ، ويعانق خصرها بكلتا يديه ، برفق وحنو ،قائلا:-

_ ألم أخبرك ان حسنك اليوم يغلب حسن المنظر من حولنا ..

قالت له ، وهي توثق الإمساك به حتي لا تبعده عنها مسافة :-

_ هل الحب الذي بيننا هو من جعلنا نقبل بهذه المغامرة الجنونية ..

اجابها :-
_ الحب أقوي من الظروف ..

ابتسمت وهي تقترب منه ، تعانقه:-
_ عشقك أقوي من كل الأشياء ..

.. وغابا في عناقهما ، كجسدين التقيا في صحراء جدباء ، بعد مشقة وعناء شديدين ..

.. وقطع ذلك صوت رائد الفضاء ، يخبرهما بأن الرحلة لن تستغرق أكثر من أيام معدودات ، وان عليهم الإسراع في تنفيذ مهامهما ..

قالت له:-
_ لا أريد العودة ثانية إلي الأرض يا سليم ..
رد عليها :-
_ الأرض تقيدنا يا وعد .. تبعدنا ..
اجابته:-
_ نعم الأرض جاذبيتها أقوي منا ..
رد عليها بحزم:-
_ ولكني لن أعود ..!

.. وصمت يفكر لبرهة .. بعدها سألها :-
_ كم يكفي من ايام طعامنا المخزن بالقمرة ..؟!
اجابته:-
_ قالوا لنا لسنوات ، ألا تنس انهم علمونا كيف نعيد صناعة ما نأكله ليعود طعاما ثانية ..
سألها:-
_ وكم يكفي ما نحمله من أكسجين ؟!
اجابته:-
_ قالوا لنا ان الورود والأزهار حين نزرعها فإنها تعطينا الأكسجين الذي نحتاجه .

سألها وقد برقت عيناه بفكرة جنونية :-
_ أتحبين العودة للأرض يا وعد ، أم تفضلين البقاء معي ..
اجابته في لهفة وهي تحتضنه وتبكي بحرقة ولوعة :-
_ يكفيني ( لحظة حب أبدية ) أكون فيها إلي جوارك ( سليم ) .

.. ابعدها عنه برفق ، بعدها سبح بإتجاه زاوية في القمرة قائلا لها :-

_ اذا ، فليكن جنون .. لحظة حب أبدية تكفي!

.. وبقوة وعزم ، ضغط زر إنفصال القمرة عن المركبة ، لتتحول بدورها صاروخا تحركه قوة دفع خاصة به ..

.. قالت له مندهشة:-
_ ماذا تفعل يا سليم ؟! هذا حقا جنونا ..

.. سبح بإتجاهها ، ووضع قبلة دافئة برفق علي خدها الرقيق ، بعدها سألها :-

_ ألا ترغبين في لحظة حب أبدية ؟!

.. صمتت قليلا تنظر إليه ، في حب جارف ، وأومأت برأسها إيجابا وهي ترد عليه:-

_ بلي .. أرغب في ذلك !

.. وانطلقت بهم المركبة الجديدة ، تغوص في أعماق الفضاء الفسيح ، مبتعدة عن الأرض ، وعن المركبة الأم ، التي جلس بداخلها رائد الفضاء ذاهلا ، لا تصدق عيناه ما حدث ..

.. وعلي الأرض ، كانت اجهزة التلفاز في كافة الانحاء ، تنقل الحدث لحظة بلحظة ، وسمع الجميع صوت المعلق وهو يخبرهم :-

_ لا تستطيع الوكالة تفسير ما يحدث ، ولكن يبدو لنا ان ما رأيناه منذ دقائق يمكننا أن نسميه حب ، أو جنون حب ...!!

.. صفق جميع من تابع الحدث بشغف وإهتمام ، في وقت واحد علي الأرض ..

.. بينما امتزج العاشقان أكثر في قبلاتهما المتقطعة ، وفي ..

.. وفي لحظتهما الأبدية!!!

تمت بحمدالله وتوفيقه

محمدالسيدالمنسي

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 26 مشاهدة
نشرت فى 5 أكتوبر 2014 بواسطة Aboyosefmohamed

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

317,219