جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
قريحته الشعرية
قالت له قريحته كن شاعرا
كانت قريحته تلح عليه ولا تتركه يمضي
حتى يتصبب عرقا
وفي يوم توتر فيه قلبه أشد التوتر
ولم يعد يطيق صبرا إلا أن يبوح
فنطق بشيء ظنّ أنه شعرا
بعد ذلك مكث لسنين يقرأ ويدون ما يعنّ له
ثم في خطوة لاحقة أخذ يقرأ ما يكتب
لبعض مقربيه بين حين وحين
فيسمع استحسانا ومديحا
حتى إن بعض أترابه من العاشقين كانوا
يقتبسون مما يكتب جملا بعينها
وفقرات يعدونها تعبر عن مكنون صدورهم ..
مما جعله في فترة لاحقة يعتلي المنابر
ويلقي على ملأ من الناس ما يعده شعرا
كان يكتفي من الناس أول الأمر
أن يهزوا برؤوسهم عند نهاية كل أمسية حافلة
ولما لم يكن أحد من النظارة ينبس ببنت كلمة
يهزون رؤوسهم فحسب وينصرفون
كان يظن أنهم إنما يفعلون ذلك استحسانا منهم
لما يسمعون من روائعه
حينما رغب في شيء أكثر من هز الرؤوس
كأنه أراد أن يسمع من بعض النظارة نقدا حقيقيا
أو أراد أن يسمع ما يشد على يديه
تخير من بينهم من توهّم أنه على درجة من الوعي
وخلا به لبعض الوقت ليطرح عليه السؤال
ما تقول فيما تسمع من أشعاري
أبدى الرجل تمنعا أول الأمر وقال أرجو أن تعفيني
وبعد إلحاح شديد نطق الرجل فقال
إن جوال البصل ب خمسة عشر شيقلا
وكليو البندورة ب خمسة شواقل
قال صاحبنا ما علاقة هذا بأشعاري
قال الآخر لقد أردت رأيي وهذا رأيي
وليس لديّ أقوال أخرى
ولما أراد أن يسمع رأي آخرين غيره
علّهم يشفون غليله
لم تكن إجاباتهم تبتعد عن جواب الرجل الأول كثيرا
عندئذ علم صاحبنا بأنه كان يحرث في بحر
ويلقي بذوره في صحاري من الوهم
وأن معشر النظارة لم يكونوا معه لسنين خلون
واكتشف كذلك بأن أكثر من ثلث النظارة
كانوا يغطون في الصالة في نوم عميق
وأن صوت المراوح كان يبدد شخيرهم
لهذا أشكل عليه الأمر
كان أول عمل عمله صاحبنا بعد
اكتشافاته المتأخرة أنه جعل كل ما كتبه من أشعار
في جوالات ثم أوقد النار فيها
ثم ذرى رماد ورقها المحروق في البحر
أما العمل الثاني الذي قام به صاحبنا
أنه التحق بورشات تقطيع الحجارة من عرض الجبل
وقال لنفسه هذا أشرف من نحت عقول تتأبى !!
يوسف ضميري