جرائم الكمبيوتر والانترنت
ايجاز في المفهوم والنطاق والخصائص والصور
والقواعد الاجرائية للملاحقة والاثبات
تمهيد
ان الارقام قد تغني عن الكثير من الأقوال ، واحيانا عن ايجاد مدخل مناسب للحديث عندما تتزاحم العقل افكار عديدة ، ففي احدث تقارير مركز شكاوى احتيال الإنترنت ( IFFC ) الأمريكي ، اظهر التحليل الشامل للشكاوى التي قدمت للمركز ، ان عدد الشكاوى التي تلقاها المركز منذ بدأ اعماله في ايار 2000 وحتى شهر تشرين ثاني من نفس العام ( اي خلال ستة اشهر فقط ) قد بلغت 6087 شكوى ، من ضمنها 5273 حالة تتعلق باختراق الكمبيوتر عبر الإنترنت و814 تتعلق بوسائل الدخول والاقتحام الاخرى كالدخول عبر الهاتف او الدخول المباشر الى النظام بشكل مادي ، مع الاشارة الى ان هذه الحالات هي فقط التي تم الابلاغ عنها ولا تمثل الارقام الحقيقية لعدد حالات الاحتيال الفعلي ، وهي تتعلق فقط بجريمة الاحتيال عبر الإنترنت التي هي واحدة من العديد من انماط جرائم الكمبيوتر والإنترنت . وقد بلغت الخسائر المتصلة بهذه الشكاوى ما يقارب 4.6 مليون دولار وهي تقارب 33% من حجم الخسائر الناشئة عن كافة جرائم الاحتيال التقليدية المرتكبة في نفس الفترة . وان 22% من هذه الخسائر نجمت عن شراء منتجات عبر الإنترنت دون ان يتم تسليم البضاعة فعليا للمشترين ، وان 5% منها نشأت عن احتيال بطاقات الائتمان .
ان ظاهرة جرائم الكمبيوتر والانترنت ، او جرائم التقنية العالية ، او الجريمة الإلكترونية ، او ( السيبر كرايم- Cyber Crime ) ، او جرائم اصحاب الياقات البيضاء White Collar ، ظاهرة اجرامية مستجدة نسبيا تقرع في جنباتها أجراس الخطر لتنبه مجتمعات العصر الراهن لحجم المخاطر وهول الخسائر الناجمة عنها ، باعتبارها تستهدف الاعتداء على المعطيات بدلالتها التقنية الواسعة، (بيانات ومعلومات وبرامج بكافة أنواعها). فهي جريمة تقنية تنشأ في الخفاء يقارفها مجرمون أذكياء يمتلكون أدوات المعرفة التقنية ، توجه للنيل من الحق في المعلومات ، وتطال اعتداءاتها معطيات الكمبيوتر المخزنة والمعلومات المنقولة عبر نظم وشبكات المعلومات وفي مقدمتها الإنترنت . هذه المعطيات هي موضوع هذه الجريمة وما تستهدفه اعتداءات الجناة ، وهذا وحده - عبر دلالته العامة - يظهر مدى خطورة جرائم الكمبيوتر ، فهي تطال الحق في المعلومات ، وتمس الحياة الخاصة للأفراد وتهدد الأمن القومي والسيادة الوطنية وتشيع فقدان الثقة بالتقنية وتهدد ابداع العقل البشري. لذا فان ادراك ماهية جرائم الكمبيوتر والانترنت ، والطبيعة الموضوعية لهذه الجرائم ، واستظهار موضوعها وخصائصها ومخاطرها وحجم الخسائر الناجم عنها وسمات مرتكبيها ودوافعهم ، يتخذ اهمية استثنائية لسلامة التعامل مع هذه الظاهرة ونطاق مخاطرها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية .
وإذا كانت مجتمعاتنا العربية لم تتأثر بعد بشكل ملموس بمخاطر هذا النمط المستجد من الإجرام، فان خطر جرائم الكمبيوتر والانترنت المحتمل في البيئة العربية يمكن ان يكون كبيرا باعتبار ان الجاهزية التقنية والتشريعية والادائية ( استراتيجيات حماية المعلومات ) لمواجهتها ليست بالمستوى المطلوب ان لم تكن غائبة تماما ، وبالمقابل فقد امست جرائم الكمبيوتر والانترنت من أخطر الجرائم التي تقترف في الدول المتقدمة ، تحديدا الأمريكية والأوروبية ، ولهذا تزايدت خطط مكافحة هذه الجرائم وانصبت الجهود على دراستها المتعمقة وخلق آليات قانونية للحماية من إخطارها ، وبرز في هذا المجال المنظمات الدولية والاقليمية خاصة المنظمات والهيئات الإقليمية الأوروبية. وادراكا لقصور القوانين الجنائية بما تتضمنه من نصوص التجريم التقليدية كان لا بد للعديد من الدول من وضع قوانين وتشريعات خاصة ، أو العمل على جبهة قوانينها الداخلية لجهة تعديلها من أجل ضمان توفير الحماية القانونية الفاعلة ضد هذه الجرائم واظهر تحليل الجهود الدولية واتجاهات القانون المقارن بشأن جرائم الكمبيوتر والانترنت ، ان مواجهة هذه الجرائم تم في ثلاثة قطاعات مستقلة ، (حماية استخدام الكمبيوتر او ما يعرف احيانا بجرائم الكمبيوتر ذات المحتوى الاقتصادي ، وحماية البيانات المتصلة بالحياة الخاصة ( الخصوصية المعلوماتية ) ، وحماية حق المؤلف على البرامج وقواعد البيانات ( الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية ) وهذا بدوره أضعف امكان صياغة نظرية عامة للحماية الجنائية لتقنية المعلومات. وشتت الجهود بشأن ادراك كنه هذه الظاهرة وصك أدوات ناجحة لمكافحتها ، وهو ما ادى الى توجه الجهود نحو صياغة نظرية عامة لجرائم الكمبيوتر والجرائم التي تستهدف المعلومات ، وهذا ما سعينا شخصيا الى تحقيقه في موسوعة القانون وتقنية المعلومات التي وفقنا الله لوضعها في مؤلفات خمسة تتعدد في بعض الاحيان اجزاء المؤلف الواحد من بينها ، وهو ما كان وراء فكرة انشا


