لثلاث سنوات وأنا ألهث صاعدا وببطء. جدار مسود ودرجات أنهكتها السنون، بدت متعبة حيث توزعت الحفر والأخاديد هنا وهناك. فناء بدت بعض الصور معلقة على جدرانه بينما بدا رجل أربعيني مستقرا خلف منضدة صغيرة يفتش في رف تكدست فوقه بطاقات انهمك بفرز بعضها ليسلمها الى الجالسين أمامه. لحظات صمت بطيئة مرت أشار بعدها الرجل الى امرأة يقودها شاب. سلمها البطاقة. دخلا سوية وأغلقا الباب خلفهما.
- تفضل هذه بطاقتك..ستدخل عندما تخرج الأمرأة مع ابنها.
- أشكرك. ولكن..
- ولكن.. ماذا؟ تسائل الرجل ثم سكت برهة وأضاف مرتبكا. فهمت ولا داعي لكلامك. الدرج.. سنصلحه الاسبوع القادم بالتأكيد. هذا ما أخبرني الطبيب به. اطمئن سيدي لن تعثر في المستقبل أبدا. أخبرني كيف حالك؟
- لم أعد أرى بوضوح وها أنا جئت حسب وصية الطبيب. العين اليسرى شبه معتمة لم أعد أميز لأكثر من مسافة متر واحد. ياليته يوافق على..
- بالتأكيد. ستجري العملية بنجاح ان شاء الله وسترى بعينك كزرقاء اليمامة.
كنت أكره تلك اللحظات التي تجبرني على الأنتظار، معتقدا ان الوقت يمر هباء. وطالما رافقتني كتب أطالعها بدلا من التركيز بعيون الاخرين أو الثرثرة المملة. وكنت معجبا بطريقة الأنسان الاوربي عندما ينشغل بمطالعة كتاب اثناء الأنتظار أو سير القطار حتى موعد الوصول حيث يعلن المايكرفون اسم المدينة قبل لحظات ليتهيأ الركاب للنزول. وكنت مشدودا من حيث لا أدري الى رواية ارنست همنكواي The Old Man And The Sea كلما أصبح لى موعد يتطلب الأنتظار مع والدتي المريضة عند عيادة طبيب أو خلال اجراء معاملة أو غيرها..والان.. أنتظر ساعات تمر ثقيلة مملة، فقد بدأ الماء الأبيض يتموج في احدى عيني بينما لاحت علائمه واضحة في العين الأخرى..أوصدت الباب خلفي ونظرت من النافذة لأرى الشارع في ظلام دامس بينما أشارت عقارب ساعتي وأنا أنزل الدرجات بهدوء الى التاسعة مساءْ وبين ان واخر تتلألأ السماء ويدوي بعدها الرعد فيشق حجب الصمت بينما يتسارع المارة على امتداد شارع ضبابي مهيب. توقفت قليلاً وابتعت عصيراً مثلجاً لكن صراخ طفل ما انفك يبكي مشيرا الى لعبة كبيرة مصرا على اقتنائها وهنا تذكرت باني أسمع كل يوم بكاءً وصراخاً من أبن أخي المدلل من أجل شراء مسدس "يرمي طلقات" ليلعب به مع أقرانه وأصدقائه. وكان أبوه حريصاً على أن لايشتري له مثل هكذا لعبة لانها ترسخ العنف والقسوة، لكنه يبقى باكياً ولاهثا: اريد مثل مسدس بابا..وفي النتيجة عرف كل الجيران والمارة أن لبابا مسدساً فقد احتار الأب أين يخفيه عندما يدخل الجنود بين فترة واخري مفتشين بيوت المنطقة سائلين عن أية بندقية أو مسدس الى أن تمت مصادرته وعندها حصل الطفل على "كفخة" على رأسه أنسته المسدس لفترة وارتاح الجميع منه، لكنه سرعان ما عاود البكاء وبشدة هذه المره. تحدثت مع الأب لأقناعه بشراءه فرفض وعند اصراري وافق بشرط أنا الذي أقوم بشراءه.
لأشتريه اذن وكما يبدو بانه مسدس حقيقي. لافرق أبدا بينه وبين مسدس الأب الذي يتمسك بمبادءه التربوية حد الجنون رافضا اللعب التي تغرس العنف وتثير ميول الأعتداء. بالتأكيد انه على صواب ولكن، ألا يفهم ان الأصرار على البكاء يعبر عن فشل الوالدين في تربية ابنهما.. المهم لن اتعب نفسي في هذا الجدل العقيم.. لأشتريه.. أجل قد ادافع به عن نفسي أو أرهب لصا أو معتديا يوما ما.. ولم أبال بثمنه فقد وضعته بجيبي وأنا أسير وسط الضباب مع بريق الرعد بين ان واخر. الكل في عجلة يتسابقون مع زخات المطر المتقطة وعندها انتابتني مشاعر الحسد والألم لأن المارة أمامي يميزون طريقهم ويسيرون بكل انسيابة ووضوح أما أنا فلا بد من دفع ثمن العمر والمتاعب ونهم القراءة المجنونة طيلة السنين..وما الضير فها أنا سعيد بوجودي وستكون فرحتي عارمة عندما يرجع لي بصري بعد اسبوع فها أنا اسير مسرعا في شارع اعتادت عليه خطواتي وحفظت أزقته فأسير خلاله بأمان، ولكن ولكن يا الهي.. من؟ من أنت؟ توقف أيها الشاب. أهكذا تدفع رجلا كأبيك؟ نهضت بصعوبة لكنه ولى مسرعا. حاولت مسح ملابسي التى لوثها الطين وبللها المطر فانسلت يدي في جيبي. تحسست منديلي ولكنني لم أجد محفظتي. لقد سرقت وأنا في بداية الشهر. أسرعت خلفه. رجل متوسط الطول بنظارات سميكة وحقيبة سوداء في يده ويرتدي بدلة داكنة. ياترى أين اختفى؟ لأفتش تلك الزاوية. أجل انه هو بعينه.. ولكن كيف لي أن استرد محفظتي؟ قد يطرحني أرضا أو ربما.. ربما يقتلني. لا. لا. لن أتخاذل. يالها من فكرة رهيبة! تقدمت نحوه جمعت قواي واندفعت نحوه فطار صوابه من هول الصدمة. ارفع يديك والا قتلتك حالاً. هات المحفظة والأ..قلت لك هاتها والا أفرغت كل الرصاصات في صدرك. هاتها وبسرعة. رد مرتبكا . أرجوك لا تقتلني لا. لا أرجوك..خذ. خذ المحفظة ولكن لا تقتلني أرجوك.. وبلمح البصر أعطاني المحفظة وابتعد مختفيا في الظلام.. تسارعت خطواتي ونسيت عكازتي وشعرت بقوة غير مألوفة تسري في جسدي. أيعقل أن يكون هذا النشال جبانا لهذه الدرجة؟ دفعت الباب ودخلت لاهثا وتوجهت لغرفتي واستلقيت على سريري فاستغرب من في البيت والتفوا حولي. وقفت وسطهم ورفعت المسدس فقفز الطفل فرحا.. مسدس بابا مسدس بابا. دنا مني وأعطيته المسدس فتناوله مسرورا .ضحك الجميع عدا الأب الذي بدت عليه علائم عدم الأرتياح لكنني قررت اخبارهم بما جري لكن طرقات شديدة على البالب جفل أمامها الجميع. ثلاثة رجال مسلحين نزلوا من سيارة النجده ومعهم رجل يرتدي بدلة داكنة ونظارات سميكه حيث تفاجأنا عندما شهر الضابط مسدسه طالبا من اللص أن يسلم نفسه مع المسدس الذي هدد به هذا المسكين وسرق محفظته. مد الضابط يده في جيبي وأخرج المحفظة وكانت المفاجة بأنها ليست محفظتي .يا الهي لقد سرقته. اني أنا اللص وليست هو.. اقتادوني نحو الخارج بينما سأل الضابط عن المسدس فأردت افهامه انه غير حقيقي لكنه سمع صوت اطلاق ناري وطفل يصيح مسدس بابا مسدس بابا. أخذه الضابط بعنف من الطفل قائلا طفل بهذا العمر يملك سلاحا ويهددنا؟ شيء غريب وكل شيء جائز في هذا الزمان.. سكت الجميع وساد الهدوء ولم يسمع سوى بكاء لطفل يصيح مسدس بابا مسدس بابا..

