<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
انفصام الشخصية في الزمن العربي .. الحقيقة جرداء والآمال كسحاء

د. محمد الشرقاوي * أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن عضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة,
الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 -
أجدني أحيانا أسرح في تأمّلاتي في واقعنا العربي المعاصر وتذبذب خطابنا الرّسمي بين التمسّك بالأصالة، من قبيل أن "من لا ماض له لا مستقبل له"، والتلويح بأننا مجتمعات "منفتحة على العصر"، بل في مركز المعاصرة ذاتها. كنا نطالع في كتبنا المدرسية عن "عظمة" إنجازات حكوماتنا الوطنية التي خلفت الاستعمار البريطاني والإيطالي والفرنسي والإسباني.
وتشبّعنا عبر إعلامنا الرسمي بسردية أننا دول تُسْرع الخطى في طريق النمو للحاق بركب الحضارة العالمية. وقد شيّدت حكومات الاستقلال وزاراتها وبرلماناتها ومحاكمها وجامعاتها وتلفزيوناتها، ووزعت الأدوار على الأحزاب الموالية، واستقطبت بعض مثقفي "العرض والطلب". فتمّ تركيب صورة زاهية أوحت بأننا مجتمعات وجدت مكانتها "الطبيعية" في نادي الحداثة وفي قلب الزمن العالمي. كانت أحلامي أيام الدراسة في الجامعة تتشكل في رأسي بألوان وردية، وكان تصوّري يافعا متوهّجا يسير منتصب القامة نحو الأمل في معانقة الزمن العربي الأخضر!
بيد أن مفارقات مثيرة، أو بالأحرى ثنائيات غير متّسقة، تتّضح في عيني أكثر فأكثر بين ذلك التصور الجامح بعفوية الشباب وحقيقة التخلف الذي نكابره حاليا في جلساتنا الخاصة ونقاشاتنا العامة المتوترة في أغلبها بفضل ميولنا الانفعالي ومزاجنا الوطني وكبريائنا القومي.
في السبعينات، دخلت نُخبنا السياسية والثقافية في سجالات نقدية ملتهبة حول مخاطر الأمبريالية والرأسمالية والشيوعية وغيرها من الفلسفات السياسية في معارك خارجية. وفي الثمانيات، انقسمنا في مواقفنا من العولمة وندّد أغلبنا بالاستعمار الثقافي الجديد. ومنذ تنامي تأثير حركات الإسلام السياسي في التسعينات، لم تهدأ عاصفة الجدل بيننا بعد بشأن المرجعية الإسلامية والحداثة والعلمانية وعلاقة الدين بالدولة و"أفضلية" الشورى على الديمقراطية.
ومنذ مطلع القرن الجديد، وقعنا في شرك التباري بين قوميات شيعية وسنية ووهابية وتيارات سفلية وقاعدية وجهادية وداعشية في معارك داخلية في شقها الديني، وبين دعوات مدنية وعلمانية، وأحيانا إلحادية، في الدفاع عن قيم الحرية والمواطنة والحداثة في شقيها السياسي والثقافي.
هي ثنائية صارخة تنمّ عن مسافة لا متناهية بين التلويح بمعانقة روح العصر واستخدام التكنولوجيا والاقتباس من نفس صفحات ويكيبيديا الإلكترونية والتواصل مع العالم عبر آليات الهاتف الذكي من ناحية، وتكريس أصالاتنا ومحافظاتنا وسلفياتنا وجمودنا الذهني بسبب طغيان النقل ومحاربة العقل من ناحية أخرى.
فجلّ مدارسنا وجامعاتنا لا تزال تفرض قواعد الحفظ عن ظهر قلب وتغلق الباب أمام التفكير النقدي والاجتهاد البديل. فالمنادي بتجديد بنية تفكيرنا "عنصر مشبوه" في حملة "التغريب" وتهديد التوابث الثقافية والسيادة الوطنية، والمُجَاهِرُ بفشل السياسات العامة "عميل" لجهات ومؤامرات خارجية، والمُطالب بالإصلاحات السياسية "جحود" في عين الدولة لكونه لا يقدّر الأمن والاستقرار الذي ينعم به البلد وسط التلويح بشماعة الحرب الأهلية المستعرة في سوريا واليمن.
والمنادي بالحرية والشفافية مواطن "عاقّ" يجوز رَمْيُه في دهاليز الزنزانات المظلمة، والمتظاهر في الشارع "خطر أمني" ينبغي وضعه على القائمة السوداء أو سجنه أو على أقل تقدير مضايقته حتى يختار النفي الإرادي في أرض الله الواسعة، وناشر تغريدة بشأن سلوك طائش لدى الحاكم "مجرم" ارتكب الكبائر في حق هيبة الدولة، فلتتعقبه قوات الأمن والمخابرات والدرك والجيش وكل ترسانة الدولة. هي لعنة تاريخية متواترة منذ ثمانية قرون منذ أن مات العقل العربي ودُفن مع جثمان ابن رشد الذي نهشته في أواخر أيامه حرقة الحسرة على حرق كتبه ومقاومة أفكاره العقلانية.
وتتوالى هذه المفارقات حتى في خطابنا العام وجلسات مقاهينا المليئة بالرجال، لا نزال نتبنّى نظرة إنفصامية إلى المرأة بين اعتبارها "مواطنة متساوية الحقوق" مع الرجل وأنها "عورة" و"ناقصة عقل ودين" حسب اجتهادات أغلب فقهائنا، أو أنّ تخليها عن الحجاب سيثير "فتنة جنسية" تعمي بصيرة الذكور وتلهي قلوب الرّجال عن "التقوى".
والأدهى من ذلك أن يطرح بعض "الفقهاء" أو "المستفقهين" بالأحرى اجتهادات مقزّزة للنفوس والعقول حول سؤال العصر "هل تجوز مضاجعة المرأة الميتة؟". هذا ضربٌ غريبٌ من مفرقعات المكبوتات التي لم تروّج لها لا نزعاتُ البوهيمية في عز الزمن الهيبي Hippie، ولا ينشغل بها الرجال من سكان الأدغال الموحشة في غابات الأمازون، ولا تنادي بها حتى أحدث تقليعات ما بعد الحداثة بين أوساط الملحدين!
تكثر هذه الثنائيات والمفارقات وتمتد في كل اتجاه عند تأمل حقيقة علاقتنا الثقافية والمجتمعية مع روح العصر، وتأكيداتُ فقهائنا تُصرّ دوما على أن الإسلام دين لكل زمان ومكان. لكن لماذا انقلبنا على سماحة هذا الدين وأصبحت جلّ أوطاننا فريسة للتطاحن السني الشيعي واستعادة عداوات وتصفية حسابات قديمة ثأرا لحقائد دفينة بين الأوّلين؟
نحن اليوم نؤجج بأنفسنا (لا بمكيدة استعمارية، أو وصايا سايس- بيكو القديمة، أو بصيغة "الفوضى الخلاقة") مواقد حرب باردة إقليمية بين معسكري "آل معاوية" و"آل علي" وكأننا نعاني انحباسا تاريخيا يُبقينا جامدين عند لحظة قيام النزاع على الخلافة قبل أربعة عشر قرنا. وكما قال ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون، "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدّا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات".
ومع تراجع مركب الخوف من السلطة بفضل انتفاضات ما سمي "الربيع" العربي، لم نتحلل بعد من ثقافة منع الاختلاف وإقصاء الآخر حسب التصنيفات العرقية والثقافية والدينية. نحن شعوب ذات معدّلات هزيلة في إدارة الاختلاف وتبني التعددية. نظلّ مخلصين في وفائنا لماضينا وأصالتنا وقوّامين في استعادة جاهلية القبيلة وإعادة إنتاج نظام العشائر السياسية والدينية والثقافية. نقاوم جاهدين فكرة المواطنة وتكافؤ الفرص بين أقلياتنا وأغلبيتنا، وبين فقرائنا وأثريائنا، وبين بناتنا وأولادنا، وحتى بين التركيز على مستقبلنا بدل التغني بماضينا.
مستعدون دوما لأن نُصوّب عياراتنا حتى آخر طلقة على الاختلاف والطرح النقدي والتعددية. من منا ليس متشبعا بذلك الرصيد المعتق من تضخم الأنا والاعتداد بالذات وثقافة "مناصرة أخيك ظالما أو مظلوما" بفضل عصبية القبيلة ضد المواطن الآخر، والرأي الآخر، والحجة الأخرى!
نحن نخنق صوت العقل في قراءة التاريخ، وفي مساءلة السياسة، وفي تحديث الجامعة، وفي استطلاع المقدس والمطلق، وفي الدفاع أيضا عن دور المسجد التنويري بدلا من تكريس نظرية القطيع خلف اجتهادات بعض الفقهاء في استدامة فرضية "طاعة" الحاكم من طاعة الخالق، والرجال "قوّامون" عن النساء، وكيف نحاول أن نغطي تخلفنا بأننا فوق شعوب الأرض لا لأمر منطقي سوى لأننا مسلمون.
ولا غرابة أن يتخندق الاجتهاد الفقهي حاليا في مربّعيْن اثنين: أوّلهما تحصين الشرعية الدينية والمجتمعية للأنظمة السياسية القائمة كما هو حال عدد من فقهاء الأزهر في تعميق أركان حكم السيسي، أو مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون في تعزيز الترسانة الدينية والسياسية والعسكرية والإعلامية لنظام الأسد وهو القائل بنبرة الوعيد: "كل المتجمهرات والحشود العسكرية في الأردن على حدود سوريا الجنوبية لم ولن تخيفنا وسترتد على أعقابها مهزومة مدحورة على أيدي أبطال الجيش العربي السوري والشرفاء".
وتكثر الأمثلة الدّالة على تجنيد الخطاب الديني في محاولة إضفاء القداسة على الحاكم العربي عبر مكبرات الصوت في مساجدنا العامرة. فهذا أحد خطباء الجمعة في الحرم المكي في السعودية يحث المصلين على تأمل هذه الهدية الربانية بقوله: "من عناية الله بهذه الأمة ورعايته لها، أنه يبعث لها على رأس كل مائة سنة من الحكام والعلماء والمصلحين مَن يجدد لها دينها ويذكّرها بما ندرس من أصول الملة والشريعة. أما غيرنا من الأمم فلا يأبه الله بهم؛ فلذلك وقعوا في التحريف والتبديل والضلال".
وفي أقصى غرب جغرافيتنا العربية، عايشت خطب الجمعة في المغرب قبل أشهر اختبارا على مدى استقلاليتها أو توظيفها في تعزيز موقف الدولة في وجه نشطاء حراك الريف الذي يظل نزاعا اجتماعيا متغرس الفوارق المعيشية والعرقية والهوياتية. وتنافس بعض الخطباء الموالون لوصايا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في حث المصلين على عدم المشاركة في المظاهرات لأنها من تجليات "الفتنة"، كما قال أحدهم في تأويله للآية "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" (سورة الأنفال، الآية 25).
وشدّد الخطيب القول إنّ على المسلم في فترات الفتن "أن يلزم بيته، وألا يُساند الحراك أو يخرج في المظاهرات كيفما كانت المُسميات: سلمية أو حضارية، لأن هذه التسميات هي مجرد أماني شيطانية "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" (سورة النساء، الآية 119). ووجه لعنات سخطه إلى المطالبين بحزمة إصلاحات بنيوية واقتصادية في شمال المغرب بالقول: "الفتنة نائمة لعن من أيقظها".
ثانيهما، الإمعان في تفسير فحوى الأحاديث في شؤون العبادات والمعاملات على قوة أو ضعف روايتها إلى حد الاقتصار على أن الإسلام "دين عسر"، كمن يُرهب أذهان وقلوب المصلين في خطب الجمعة بعذاب القبر ونيران جهنم وغيرهما من الفزّاعات، دون استحضار أن الإسلام "دين يسر" أيضا، وكأنما رسالة محمد تظل للترهيب فقط وليست للترغيب أيضا.
ثنائية أخرى تنمّ عن تباطئنا في الخروج من دوّامة التخلف هي ثنائية البخل الشديد في تعليم طلابنا وتحديث جامعاتنا عندما لا تسخّر حكوماتنا "العليمة" سوى نسبة ثلاثة أعشار الواحد (0.3) في المائة من ميزانياتنا الوطنية من المحيط إلى الخليج للبحث العلمي وتجريب حظنا مع برغماتية التفكير وحصافة التنظير.
لكننا كرماء ما شاء الله وفي قمة السخاء عند إبرام صفقات أسلحة مع شركات أجنبية أو تقديم قرابة 500 مليار دولار عربون مودة على شكل استثمارات وصفقات جديدة مع دونالد ترامب خلال استضافته في قمة الرياض، أو عند تسخير اعتمادات مالية لعمليات الاستخبارات والتجسس تحت ذريعة مكافحة الإرهاب والقضاء على التطرف. والمقارنة مع دول أخرى تكون أهول وأعظم إذا علمنا أن إسرائيل خصصت نسبة 4.3 في المائة عام 2015، وأن كوريا الجنوبية سخرت نسبة 4.29 في المائة عام 2014، من ميزانيتهما للبحث العلمي.
لكن ينبغي أيضا ألاّ نضع وزر هذه الأوضاع على الحكومات وأن نقرّ بأننا نساهم في إعادة إنتاج التخلف. نحن شعوب جُبِلَتْ على القطيعة مع الكتاب، ومعدل المطالعة السنوية بيننا لا يفوق 0.79 في المائة، بمعنى أننا أناس لا تستوعب أذهاننا أكثر من ثلثيْ كتاب واحد على طول العام.
وحتى عند تأثيث بيوتنا وصالونات جلوسنا نُصرّ على إقحام خزانات زجاجية براقة لاستعراض سلسلة الأطباق والكؤوس الثمينة التي نتباهى باستخدامها في الترحيب بالضيوف إلى ولائمنا العامرة. كم من بيت عربي يسعى جاهدا إلى ملء البطون وليس إلى حيازة أصغر خزانة كتب لملء العقول.
وأكبر المبيعات من الكتب في أسواقنا هي كتب الطبخ وتفسير الأحلام لأننا شعوب اختزلت وجودها الذهني والحضاري في الأكل والنوم وما بينهما من زيارات دورة المياه. هذا هو علياء وجودنا على هذه الأرض من الماء إلى الماء. فمن أين يتسلل التفكير العقلاني وروح النقد إلى جماجمنا؟ وكيف ندّعي أننا جزء من روح العصر المعرفية والحضارية؟!
بعد جلسات حوار هادئ مع الذات بعيدا عن نوستالجيا الماضي أو الكبرياء الوطني الأجوف، تبيّن لي أنّ حقيقة الزمن العربي ليست خضراء على الإطلاق، بل نحن شعوب تتحصن بتخلفها وتستنجد برومانسية القرون الخوالي على أنها المهدي الحضاري المنتظر، شعوب تبكي حاضرها وتعيش في ماضيها هربا من قتامة مستقبلها. فهل أكون الوحيد الذي يعاني انفصام الشخصية في الزمن العربي؟!



ساحة النقاش