<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلسطينيو الأسر.. شتاتٌ جديد بين السياسي والإنساني
الأربعاء 26 نيسان2017
إيهاب زكي - بيروت برس -

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، إبان ما بات يُعرف بانتفاضة الحجارة، فشل المحققون الصهاينة على مدى عشرات الأيام، بانتزاع اعترافات من الأسير الفلسطيني(ع)، رغم كل ما مارسوه من فنون التعذيب النفسي والجسدي، قام المحققون باستدعائه إلى غرفة التحقيق مجدداً، وهذه المرة كان ما ينتظره مختلفاً عن كل ما سبق من جلسات تحقيق، فقد وجد امرأة عارية إلا قليلاً، فأثارته بعد أن تحرشت به بشكلٍ وقح، فاستدرك أو بالأحرى قد استعصم، فلاذ بنفسه صمتاً وبها دفعاً، حينها دخل المعذِبون ليضعوا "إثارته" بين المطرقة والسندان، فضربوه عليها حتى أبغض الذكورة. فكان يوم الإثنين، وهو اليوم الذي كانت "إدارة السجن" تقوم بتوزيع أمواس الحلاقة على المعتقلين تحت رقابةٍ مشددة، ولكن (ع) كان لديه مخططٌ آخر غير حلاقة الذقن، فدخل إلى الحمام واستأصل ذكورته بـ"موس" الحلاقة، وألقى بها في سلة المهملات، وخرج ماشياً على قدميه كأن شيئاً لم يكن، وما إنّ وصل إلى باب الزنزانة حتى أُغميَ عليه فسقط أرضاً، فهرع إليه زملاؤه الذين عرفوا من آثار الدماء مكان الإصابة وسبب الإغماء، وبعد استدعاء السجانين تم نقله للمستشفى وإعادة ما قطع بنجاح.
كان (ع) يتصرف بدافع سدّ كل الثغرات، التي يمكن للاحتلال النفاذ منها إلى ما في عقله، وذلك دون النظر إلى العواقب التي ستكون على حساب ذكورته أو بالنتيجة على حساب حياته، فالعاقبة السيئة الوحيدة التي يخشاها هي المساس برجولته وكرامته ووطنيته، وأن يعطي للاحتلال إعطاء الذليل، وبعد أن أدرك المحققون ألّا فائدة من الضغط، لم تثبت "إدانته" فأُطلق سراحه، ولم يلبث كثيراً حتى حمل سكينه وهاجم دورية راجلة لـ"جيش" العدو الصهيوني، فقتل وجرح منهم قبل أن يستشهد.
هذه ليست رواية من نسج الخيال، إنها قصة حقيقية ما زال بعض شهودها من الأحياء، وهي ليست فريدة في سياقها، فلكل أسيرٍ قصة بطولة أو حتى قصة وجع، فالأسير لدى عدوه شهيدٌ يتنفس، وهو أفضل من أفضل روائي حين يحدثك عن الموت الواقف. فالفرق بين الأسير فوق الأرض والشهيد تحت الأرض، هو أن الأسير لا زالت لديه القدرة على الاستفادة من الهواء، حتى لو لم يكن هواءً نقياً، وفي هذه الأيام ونحن نعيش مع الأسرى يومهم العاشر للإضراب عن الطعام، إنما هم يطرقون باب الموت بقوة، ليس زهداً في الحياة بقدر ما هو إغواءٌ لها، حيث لا يستحقها بجدارةٍ سواهم. وهنا لست أقارن حين أذكر بأن قاتل إسحاق رابين يعيش في محبسه كنزيل فندق خمس نجوم، وقد تزوج في السجن وأنجب طفلاً، وتزوره زوجته بشكلٍ دوري، فيما يمنع الأسير الفلسطيني من الحديث هاتفياً مع عائلته، أو حتى زيارته ليحاكيها من خلف زجاج، فقاتل رابين وسجانه لا يستحقون مجرد الحياة طالما يسلبون الأرض.
إن الشعب الفلسطيني يعاني من شتات تراكمي، فيراكم شتاتاً فوق شتات، وقد تم تقسيمه بحكم سياسيات تنظيمية قاصرة وعربية متواطئة إلى فئات، فلسطينيو 48 وفلسطينيو 67 وفلسطينيو الشتات وفلسطينيو القدس وفلسطينيو المهجر، وداخل هذا الشتات شتاتٌ مصغر، من قبيل فلسطينيي الضفة وفلسطينيي غزة وفتح وحماس، والآن بالإمكان إضافة فلسطينيي الأسر إلى هذا الشتات، ونسترجع حين كان العدوان الصهيوني يحرق غزة بفلسطينييها، كان فلسطينيو الضفة يشعلون الشموع تضامناً، وحين يهدم الاحتلال بيوت فلسطينيي القدس ويحرقها ويهود المسرى، يقوم بعض الشتات المتراكم ببعض تضامن، وهكذا في كل محطة، شتات يتضامن مع بعضه فيزداد شتاتاً، واليوم يتضامن بعض شتاتنا مع فلسطينيي الأسر.. شتاتنا الجديد.
هذا ليس من باب الإحباط أو العدمية، بل من باب أن الأسرى وقضيتهم أسمى من تسخير مأساتهم لصالح مناكفات تنظيمية أو مآرب في نفوس الكثير من اليعاقبة، الذين يتربصون بهم الشرور، وقد تبدو مطالب الأسرى أقل من حق أي سجينٍ ينتظر دوره ليصبح طعاماً لدى قبائل أكلة لحوم البشر، ولكنك وأنت في قبضة عدوٍ شديد الجبن وضيع السوية، سيبدو تحقيق هذه المطالب انتصاراً عظيماً، ولا أود أن أختم بكلامٍ انشائيٍ روائيٍ أجوف، من قبيل الوحدة وانهاء الانقسام والإجماع كأحد النتائج المفترضة أو المتوخاة من خلف هذا الإضراب، لذلك فإن أفضل خاتمة هي، بأن يدرك على الأقل جميع ذلك الشتات، أنه في عالم يزداد تجرداً من إنسانيته، فالإنسانية تخفي دائماً نخاعاً سياسياً، قد يكون التصريح بإرهاصاتها ضرباً من الجنون.



ساحة النقاش