<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
الميدان هو الميزان..
السبت 04 شباط 2017
عمر معربوني - بيروت برس*ضابط سابق - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية.

أين كنّا وأين أصبحنا؟ هو السؤال البديهي الذي لا يمكن تجاهله بخصوص الصراع الدائر في سوريا، فما كان مطلوبًا تحققه لجهة إنهاء الدولة السورية وتفكيكها لم يحصل رغم المصاعب الكبيرة التي تعاني منها الدولة السورية بسبب استمرار المعارك لست سنوات متواصلة، والتي كان يمكن أن تؤدي إلى انهيار اكبر وأعظم الدول بأقل من نصف زمن الحرب الدائرة.
ليست المقدمة نصًّا وجدانيًا أو شعريًا، وإنما هي الحقيقة الساطعة التي تؤكد مشهد بقاء الدولة السورية وقدرتها على امتصاص أهداف الحرب واستيعابها ضمن فهم دقيق لطبائع الصراع الحاصل، وكذلك لأدواته والدول والجهات التي تشارك في سفك الدم السوري.
حتى اللحظة، تدير الدولة السورية الحرب ضمن قوانين ومعايير الصراع المتعارف عليها بإبداعات عسكرية وسياسية ودبلوماسية تدل على قوة المنظومة وتكاملها، حيث لم نشاهد ولو لمرة واحدة أية إرباكات بين عناصر المنظومة التي تتكون منها الدولة، وخصوصًا فيما يتعلق باستثمار منجزات الميدان في الجانبين الدبلوماسي والسياسي، وهذا هو معنى عنوان المقالة أي التناغم والتكامل بين الميدان والسياسة.
هذه الأيام تبدو الدولة السورية ممسكة بمفاصل إدارة الحرب أكثر من أي وقت مضى، ولكن ذلك ما كان يمكن أن يحصل لولا انجازات الميدان. فإذا ما نظرنا إلى حجم الهجمة وأدواتها والإمكانيات الهائلة المتاحة، لاعتبرنا أنّ مجرد الثبات هو انتصار بحد ذاته، فكيف إذا كان الأمر تقويضًا لمفاعيل الحرب وأهدافها عبر سلسلة طويلة من الانتصارات والتي وصلت إلى مستوى كبير في اللحظة التي استعادت فيها الدولة السورية للأحياء الشرقية لمدينة حلب.
ما بعد تحرير وتوحيد حلب ليس كما قبلها وهو أمر اجمع عليه الأصدقاء والأعداء، فالمشهد الآن أكثر وضوحًا من أي لحظة مضت وها هي المتغيرات الجيو سياسية تتسارع، وهو ما كان رأينا مع أغلبية من الخبراء والمحللين، وهي متغيرات تتصاعد بشكل مطرد على المستوى الميداني ولا يمكن لأحد نكرانها ولا التقليل من شأنها ولا الأخذ بها كمنجزات ميدانية كبيرة ستميل كفة الميزان في السياسة لمصلحة الدولة السورية.
ومن خلال خرائط السيطرة الحالية انطلاقًا من أهمية المناطق وليس مساحتها وحسب، يمكننا القول إنّ الدولة السورية باتت تسيطر على اغلب منطقة الثقل الإستراتيجي للدولة بما يرتبط بعدد السكان المقيمين في مناطق سيطرة الدولة والمدن الكبيرة وطرقات الربط بينها والمطارات والموانئ، والتي تعطي الدولة زخمًا اكبر في المرحلة القادمة والتي ستكون بكل تأكيد مرحلة استعادة أراضي الزراعة والنفط. وقد يتناطح البعض ويعتبر أنّ ما نتكلم عنه هو سوريا المفيدة التي تخدم التقسيم، في حين أننا نعتبر مناطق سيطرة الدولة بالنظر إلى العوامل المذكورة أعلاه هي نقاط ارتكاز وانطلاق لاستئناف عمليات تحرير كامل التراب السوري، وهو ما نشهد بداياته في شمال شرق حلب وتقدم الجيش السوري إلى مدينة الباب وكذلك في شرق حمص وبعض مناطق البادية في الجهة الشرقية الجنوبية للغوطة الشرقية لدمشق.
وبنظرة إلى الوضع الحالي لخرائط السيطرة وما يرتبط بها من اتصالات ولقاءات، سنرى لاحقًا تسويات كبيرة في المنطقة الجنوبية بسبب تفعيل العلاقة بين الأردن وروسيا إلّا إذا قرر دونالد ترامب إقامة منطقة آمنة في الجنوب السوري، وهو برأيي أمر متعذر وغير قابل للتطبيق كون المنطقة حتى اللحظة هي منطقة اشتباكات متداخلة لا يمكن إقامة مناطق آمنة فيها، وعليه فالمنطقة ستشهد تسويات كبيرة بسبب فقدان الجماعات المسلحة زخمها السابق.
من غباغب شمال درعا وصولًا إلى دمشق، ومن بيت سابر وكفرحور وبيت تيما مرورًا بسعسع وخان الشيح وصولًا حتى دمشق، ولا ننسى داريا والمعضمية ولا قدسيا والهامة ولا وادي بردى أخيرًا، حيث غدت هذه المناطق مناطق آمنة أزاحت عن الجيش السوري أعباء كثيرة في العديد البشري سيسمح قريبًا بزج هذا العديد في معارك أخرى كمناطق البادية والقلمون الشرقي وشرق حمص، وهذا ما حصل في ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الباب حيث تم زج عديد كبير كان يشارك في تحرير الأحياء الشرقية لمدينة حلب بينما بقي ما يكفي من القوات لتنظيم المدافعة عن مدينة حلب، خصوصًا أن الجماعات الإرهابية بعد دخولها في حالة الاحتراب والتذابح ستكون عاجزة عن شن أية هجمات، وهو ما يأتي لمصلحة الجيش السوري حتى أمد ليس بالقصير.
تحرير إدلب لم يعد صعبًا، فالجماعات الإرهابية ستنشغل في نهش بعضها وهو أمر لم يعد ممكنًا الرجوع عنه حيث بات الانقسام عاموديًا وحادًّا وهو ما سيسهل مهمة الجيش السوري فيما بعد، حيث لن يبقى إلّا جبهة النصرة الضعيفة والمنهكة والتي تتغطى الآن بهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام التي لن يكون حالها بأفضل من النصرة، حيث تشير المعلومات أن جولة التذابح الأخيرة أدّت إلى آلاف القتلى والجرحى وهو رقم سيتصاعد في الأيام والشهور القادمة.
الغوطة الشرقية لمدينة دمشق مرشحة لتسوية كبيرة سينتج عنها تثبيت نهائي لنطاق أمان العاصمة دمشق، وهو أمر سنتبيّنه بعد جولة جنيف القادمة وما يمكن ان يحصل من مفاجآت فيه.
معارك المنطقة الشرقية هي معارك تتداخل فيها الكثير من التعقيدات وسيتم حسمها بمواجهة "داعش" بموجب تفاهمات ستشمل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، حيث ستكون المشكلة الكردية هي الأكثر تعقيدًا نظرًا لحرص أميركا حتى في ظل إدارة ترامب على الإمساك بورقة قوة كبيرة. فالأكراد الآن يسيطرون على أراضٍ تتجاوز حجمهم الواقعي، ولكنها سيطرة ستجعل منهم فريقًا قويًا في أية مفاوضات قادمة إذا ما قررت الدولة السورية عدم مواجهة الأكراد عسكريًا في المستقبل وحل المشكلة معهم عبر تفاهمات سياسية تحفظ حقوقهم الطبيعية التي لا تتجاوز حجمهم الحقيقي عبر نصوص دستورية تشير إلى ذلك.
هذا المشهد الإيجابي والغارق في التفاؤل قد يحصل عكسه بما يتعلق بمناطق سيطرة الأكراد والمنطقة الجنوبية وإدلب وشرق حمص، إذا ما تمت ترجمة الاتصالات بين ترامب ودول الخليج وتركيا وعودًا في اتجاه ما يمكن أن يعيد إحياء محور ما تسميه أميركا بمحور "تركيا والاعتدال العربي"، وهذا يعني أنّ جولات الصراع ستكون أقسى وأطول بفارق أنّ الدولة السورية ستكون أكثر قدرة على المقاومة ضمن هامش سيطرة كبير ومتماسك يختلف عما قبل تحرير حلب والتسويات التي حصلت في محيط العاصمة دمشق.
المشهد الأخير يتطلب منا لتأكيده بعض الصبر لتبيان سياسة الإدارة الأميركية الجديدة التي اعتقد أنها لن تتغير عن سابقتها إلّا بالأسلوب، فها هي إدارة ترامب تحتوي جنرالات كارهين لروسيا وإيران وكذلك المستشارين وهم بأغلبهم من المحافظين الجدد ويؤمنون بمقولة "الفوضى الخلّاقة".



ساحة النقاش