<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
في حلب .. دمشق فاوضت بـ"النار"

شبكة عاجل الإخبارية ـ ماهر خليل
05 أيلول 2016
بالوقت الذي كان يجلس فيه المفاوض الأمريكي في مقابل نظيره الروسي على طاولة المفاوضات "السورية"، سيطرت وحدات الجيش العربي السوري أمس على منطقة الكلّيات جنوب حلب، منهيةًّ بذات الوقت ما أسمتها الميليشيات الإرهابية قبل سيطرتها على المنطقة قبل شهر من الآن بـ"ملحمة حلب الكبرى" والتي كانت تهدف لربط الأحياء الشرقية من مدينة حلب بالأحياء الغربية، بعد تمكّن الجيش السوري من فرض حصار صارم على ميليشيات "الشرقية" بسيطرته على طريق الكاستيلو ودوار الليرمون، قبل أن يطوّر حصاره ويسيطر على حي بني زيد الذي أذاق أهالي حلب ويلات الموت من خلال القذائف الصاروخية التي كانت الميليشيات الإرهابية تطلقها منه على الأحياء التي تسيطر عليها الدولة السورية ..
عندما أعلن الجيش السوري استكمال سيطرته على مجمع الكلّيات العسكرية أمس وإعادة إغلاق الثغرة التي فتحها "جيش الفتح" الإرهابي في وقت سابق باتجاه الأحياء الغربية، كانت موسكو تُعيد تموضعها على طاولة المفاوضات، في وقت ظنّ الأمريكي أنه تمكّن من وضعها في "خانة اليك"، لا سيما وأن معركة أخرى أطلقتها الميليشيات الإرهابية في شمال حماة وسط تقدّم سريع للميليشيات الإرهابية وسيطرة على عدد من القرى والنقاط التابعة للجيش السوري، ما دفع الجانب الأمريكي حينها لفرض "شروط قاسية" على الجانب الروسي للتوصل إلى هدنة كان من المفترض ان تنص على أن يصبح شمال حلب منطقة منزوعة السلاح، وانسحاب قوات الجيش السوري من طرق الإمداد شمالي المدينة، ومنع الطائرات السورية من قصف مناطق "المعارضة"، كما سيشمل انسحاب الجيش من طريق إمداد رئيسي يقود إلى شرق المدينة الذي تسيطر عليه "ميليشيات الزنكي وجيش الفتح وتنظيم فتح الشام" والذي قطع في يوليو الفائت. ويمكن أن يتحول طريق الكاستيلو إلى منطقة منزوعة السلاح، بحسب رسالة للمبعوث الأميركي إلى سورية "مايكل راتني"، أبلغ فيها ما تسميهم واشنطن عادةً "المعارضة السورية"عن قرب إبرام اتفاق مع روسيا لوقف إطلاق النار في حلب.
بنود الاتفاق هذه، بدت وكأن واشنطن تُفاوض من باب القوة على الأرض، حيث كانت تراهن فيما يبدو على استمرار الميليشيات المسلحة التي تحظى بحمايتها في السيطرة على مجمع الكليات ومنطقة الراموسة، قبل أن يتمكن الجيش من اقتحام المواقع والسيطرة عليها أمس، ما قلب طاولة المفاوضات على الجانب الأمريكي، حيث رفضت موسكو "الشروط" الأمريكية نهائياً، لتخرج واشنطن أمس وتعلن أنها لم تتوصل مع موسكو إلى أي اتفاق بشأن الأزمة السورية، ملقية اللوم على موسكو التي قالت عنها إنها "تراجعت" بشأن بعض القضايا. وأن وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، سيلتقيان مجدداً اليوم الاثنين على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هانغتشو الصينية للتشاور بشأن "نقطتين" عالقتين حول الأزمة السورية. حسبما أعلن مسؤول بارز في الخارجية الأمريكية مساء أمس الأحد.
إذاً، تزامنت العملية العسكرية الناجحة التي نفذها الجيش السوري في جنوب حلب أمس، مع مسار سياسي كانت الولايات المتحدة تستثمر فيه وضعاً عسكرياً "حرجاً" في حلب وحماة، إلا أن إنجاز أمس كان الورقة الرابحة التي لوّحت بها موسكو أمام واشنطن، خاصة وأن ما تعتبره الميليشيات الإرهابية ما جرى في شمال حماة قبل أيام ،إنجازاً" توقف في منتصف طريقه وباتت القوات الإرهابية المهاجمة واقعة ضمن قوس ناري قاتل بالنسبة لها بسبب عدّة عوامل، كان أهمها أن الجيش السوري اتّبع تكتيكاً مشابهاً للتكتيك العسكري في معركة الكلّيات، وهو الانسحاب السريع إلى الخطوط الخلفية وتشكيل خطوط دفاع تستنزف القوات المهاجمة، ومن ثم البدء بهجوم معاكس لها غايتان: 1- إرهاق العدو بعد انتقاله "فجأة" من الهجوم المُريح إلى الدفاع وسط قوس ناري شبه مكتمل، 2- استنزاف القوات المهاجمة خاصة وأن هجماتها تعتد جميعها على الأعداد الكبيرة من المقاتلين، ما يضطر العدو لا ستقدام قوّاته الاحتياط في المؤخرة للحفاظ على مكتسباته "السريعة"، وهو ما يمنح الجيش "على غرار حلب" فرصة ذهبية بالقضاء على أكبر عدد من المهاجمين نتيجة دفعهم للتقدّم إلى "نقطة المقتل" والتي هي عادةً ما تكون مدروسة وفق الخطة العسكرية. ما يشير إلى تحضير مسبق من قبل القيادتين السورية والروسية لهذه اللحظة، عندما فوجئ الأمريكي بسحب الجانب الروسي لأوراق التفاوض طالباً إعادة صياغتها وفق المستجدات، فيما يبدو أنه رفضٌ للورقة الأمريكية بشكل كامل بعد أن أوهمه بقبولها وأنه يفاوض من موقع "المُجبر"، ما دفع الخارجية الأمريكية للقول أمس أن المفاوضات وصلت لحائط مسدود، وأن جولة جديدة ستكون اليوم الاثنين بين لافروف وكيري قبل إعلان "نتائج" الاتفاق الأخيرة، والتي رأى فيها متابعون أنها لن تكون كما سابقاتها محرجة للجانب الروسي، بل غالباً لن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي وسيتم تمديد المشاورات إلى وقت آخر، بالوقت الذي يسعى فيه الأمريكي عن طريق "جند الأقصى" في ريف حماة تشكيل أي تهديد على مدينة حماة الآمنة منذ انطلاق الأزمة السورية، أو على الأقل التوغّل أكثر في "الزاروب" الذي دخلت منه تلك الميليشيات التي فشلت حتى اللحظة في توسيع رقعته بعد معارك كبّدتها خسائر كبيرة على جبهة "معان" و"كوكب" و"قمحانة" و"معردس" و"طيّبة الإمام"، انتهت بخسائر فادحة للميليشيات المهاجمة بالعتاد والأرواح.
مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية في سورية باتت واضحة كعين الشمس، هي لم تعد قادرة على إحراج الدولة السورية بتقدّم هنا وإخراج منطقة هناك عن سيطرتها، فجنوح القيادة السورية لعقد المصالحات في المناطق خاصة القريبة من العاصمة دمشق "والتي تزامنت مع تقدّمات ميدانية لا تقل أهمية عن ما حدث في حلب"، هو من أحرج واشنطن وأعطى موسكو مكتسباً على طاولة التفاوض، كما أن إغراء الولايات المتحدة بانتصار في جنوب حلب ومن ثم شمال حماة، دفعها لإخراج ما بحوذتها من شروط، بينما كان ينتظر الجانب الروسي والسوري "السّقف" التفاوضي الذي ستصل إليه واشنطن، وبعد التأكد من أن باراك أوباما صعد لأعلى الشّجرة في شروطه، بدأت أوراق الرد بالخروج من الأدراج، من داريا إلى المعضمية، وصولاً إلى انتصار حلب أمس ومحاصرة التنظيمات الإرهابية في شمال حماة، كلها أوراق أوصدت باب التنازل في وجه أوباما، وأعادته إلى نقطة الصفر بشأن الملف السوري، على الأقل حتى نهاية ولايته.
إن الاستثمار الناجح لمكتسبات الميدان على طاولة المفاوضات، هو تكتيك روسي - سوري ناجح اليوم، وهو مشكلة حقيقية يواجهها أعداء هذا الحلف الذي فشلت كل المحاولات في إحداث أي خرق باتجاهه، فأنقرة التي قامت بدوران 180 درجة باتجاه موسكو وإيران، تشكّل معضلة أخرى ستواجه واشنطن في الأيام القادمة، خاصة وأن أوباما فشل فيما يبدو بحجز دور له في صفوف الحلف الجديد وسط استمرار أنقرة بتأمين شريطها الحدودي مع سورية من تنظيمي داعش ومقاتلي حزب العمال الكردستاني ولو بأساليب ملتوية أثبتت منذ انطلاقتها أن علاقتها مع تنظيم داعش على وجه الخصوص هي بأعلى درجاتها، وأنها قادرة على التنسيق معه لإكسابها انتصاراً هنا ومعركة على غرار "جرابلس" هناك، وهو ما تصادم مع الإدارة الأمريكية في ترك الحدود السورية كخط تفاوضي مع الجانب الروسي للضغط على دمشق سواء بتنظيم داعش أو بالانفصاليين، والتي كان آخرها تحريك "الخلايا الأمريكية" الانفصالية في الحسكة والتي فشلت بجهود روسيّة قبل أن تكون سوريّة، وهو ما سجّل نقطة روسيّة إضافية في المرمى الأمريكي لاحقاً ..
خطوط التفاوض والاجتماعات التشاورية مستمرة، طالما الجيش العربي السوري قادر على خوض معاركه وتنظيف المناطق السورية من الفصائل الإرهابية على أنواعها وانتماءاتها، وطالما الدولة السورية قادرة على تحييد منطقة أو مدينة أو حتى حي صغير من معركة عسكرية قادمة عبر "الهُدن" المؤقتة أو الدائمة، فالأمريكي الذي راهن على سقوط النظام في سورية منذ بداية الأزمة لن يرضى بأنصاف الحلول، وسورية التي راهنت على جيشها العقائدي لن تسمح بليّ ذراعها، وهذا ما أثبتته المفاوضات الأمريكية الروسية الأخيرة، فمن قال أن روسيا سترضخ للشروط الأمريكية فوجئ بسيطرة الجيش السوري على منطقة الكلّيات وأجزاء من الراموسة، فإن كان الروسي "فرضياً" كان يفكّر بالذهاب للموافقة على بنود الورقة الأمريكية بدون استشارة دمشق "وهذا مستبعد إلى حد المستحيل"، يفهم بعد انتصار حلب أن دمشق رفضت ورقة "الاستسلام" واختارت طريق الحرب .. فالنار لن يطفئها مهما اشتدّ سعيرها سوى النار.



ساحة النقاش