<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
العلاقات التركية ـ الروسية في المياه العكرة
2016-07-19

دام برس : صوفيا ـ جورج حداد - العهد
تنطلق السياسة الخارجية الروسية في العلاقات مع تركيا من ثوابت رئيسية في العقيدة الجيوستراتيجية الأوراسية التي تتبناها روسيا. وأحد أعمدة هذه العقيدة هو تحقيق التقارب الروسي ـ التركي، بالنظر، أولا، إلى الجوار الجغرافي بين البلدين، وثانيا، إلى العلاقات الدينية والعرقية لتركيا بالقسم الأكبر من مسلمي روسيا والجمهوريات "السوفياتية" السابقة في آسيا الوسطى.
روسيا كانت تريد فتح صفحة تاريخية جديدة مع تركيا
وبالرغم من السياسة العدائية والاستفزازية التي كانت تنتهجها تركيا على الدوام ضد روسيا، كمساعدة الإرهابيين والمخربين "الاسلامويين" الشيشانيين وغيرهم، وتحويل تركيا إلى قاعدة للناتو ضد روسيا، فقد كانت روسيا تتحلى بالصبر وطول الأناة والتعامل مع تركيا انطلاقا من مبادئ حسن الجوار والصداقة بين الشعوب. وفي كانون الأول 2014 حينما اعلن الرئيس بوتين عن وقف العمل بمشروع مد أنبوب الغاز القاري المسمى "السيل الجنوبي" عبر بلغاريا، اعلن في الوقت نفسه تغيير وجهة سير الأنبوب كي يمر في الأراضي التركية، وتصبح تركيا موزع ترانزيت رئيسيا للغاز الروسي، الى أوروبا الوسطى والجنوبية والشرقية، مما يعزز مكانتها لدى الاتحاد الأوروبي وفي العالم. وبناء لاقتراح أردوغان وافق الرئيس بوتين على أن يصبح اسم المشروع "السيل التركي".وفي شهر أيلول 2015 تمت أعمال ترميم وتوسعة الجامع الكبير في موسكو التي دامت عدة سنوات، وتوج الجامع بالقبب الذهبية على غرار قبب الكرملين، وأصبح اكبر جامع إسلامي في أوروبا. ودعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوصفه ابرز ضيف في الافتتاح، وجلس في المنصة الرئيسية الى يمين الرئيس بوتين الذي جلس عن يساره راوي عين الدين رئيس مجلس المفتين في روسيا. وفي كلمته في الافتتاح قال الرئيس بوتين "إن روسيا هي دولة مسيحية أرثوذوكسية ـ وإسلامية في الوقت ذاته". وخلال السنوات الماضية وسعت روسيا ونوعت بشكل ملحوظ علاقاتها التجارية والسياحية والاقتصادية عامة مع تركيا، مما كان يصب في مصلحة تركيا، أكثر بكثير مما يصب في مصلحة روسيا.
فكيف استقبلت المراجع العليا التركية هذه "الرسائل" و"الإشارات" الروسية الإيجابية جدا لصالح إقامة علاقات صداقة وثيقة مع تركيا؟
لا شك أن قسما كبيرا من النخبة السياسية للدولة التركية كان ينظر بانفتاح الى السياسة الإيجابية الروسية حيال تركيا، ومن ثم كان يؤيد فكرة تصفير الخلافات مع جيران تركيا، وهو ما عبر عنه بوضوح رئيس الوزراء التركي السابق محمد داود أوغلو، مخالفا السياسة التي كان ينتهجها الرئيس رجب طيب أردوغان والتيار المؤيد له. وهذا ما ينبغي التوقف عنده بشكل خاص.
أردوغان يمارس سياسة المراوغة والكذب
الواقع أن التيار السياسي "الإسلاموي" ـ الحداثي الذي يقوده الرئيس أردوغان في تركيا، والطامح الى تجديد الإمبراطورية العثمانية القديمة و"استعادة أراضيها" بل وتوسيعها، قد استخدم سياسة التقارب الروسي مع تركيا، للتظاهر بـ"حيادية" تركيا، ولتغطية أهدافه الحقيقية، وبالأخص لتغطية تحويل تركيا الى قاعدة تجميع وتمويل وتنظيم وتدريب وتسليح "الجيش "الإسلاموي" العالمي" والمجموعات والعناصر الإرهابية من البلدان العربية وروسيا ذاتها والجمهوريات الإسلامية "السوفياتية" السابقة وكافة أرجاء العالم.
انطلاق العدوان من الأراضي التركية
وقبل أكثر من سنتين، وفيما السياح الروس يتنزهون على الشواطئ وفي الأسواق التركية، بدأ "الجيش "الإسلاموي" العالمي"، انطلاقا من الأراضي التركية بالذات، هجوما واسع النطاق ضد سوريا والعراق وليبيا، باعتبارها "الحلقة الأضعف" في مجمل المخطط الإرهابي التوسعي لـ"العثمانية الجديدة" بقيادة أردوغان. وتم إعلان "الخلافة الإسلامية" (العربية!) تمهيدا لإعلان نقلها الى "الاستانة الجديدة" وبني عثمان، كمقدمة شرطية لشن "الحرب العالمية الاسلاموية" ضد روسيا، بالأسلحة التقليدية (غير النووية) والعمليات الإرهابية الوحشية ضد المدنيين الروس، بدعم كامل، مكشوف ومستور، من الكتلة الغربية بزعامة أميركا.
التدخل الروسي يقلب المعادلة
وفي 30 أيلول 2015، وبناء على طلب السلطة الشرعية السورية، بدأ التدخل العسكري الجوي الروسي. وفي أيام معدودة تمكن الطيران والأرصاد الجوية الروسية من الفضح التام لتركيا بوصفها منطلق العدوان الواسع على البلدان العربية والطرف الرئيسي في تفكيك وسرقة المعامل والمصانع من المنطقة الصناعية في حلب وإرسالها الى تركيا، ونهب النفط من سوريا والعراق بواسطة داعش وأخواتها، وقاعدة انطلاق المجموعات التي نفذت العمليات الإرهابية في البلدان الأوروبية ذاتها ومنها باريس وبروكسل. وأدى التدخل العسكري الروسي الى كسر شوكة الهجوم التركي ـ الداعشي على سوريا خصوصا، وفسح المجال للجيش الوطني السوري لاستعادة زمام المبادرة في ساحات القتال.
الخوف يُفقد القيادة التركية توازنها
وهذا كله أثار حفيظة القيادة التركية الأردوغانية، وحلفاءها الغربيين، خصوصا وأنها كانت تخشى أن يقوم الطيران الروسي بمطاردة جحافل الإرهابيين وقوافل الصهاريج المحملة بالنفط السوري والعراقي المنهوب، داخل الأراضي التركية بالذات.
تركيا تسقط الطائرة الروسية بضوء اخضر أميركي
وفي الموازنة والاختيار بين نهج الصداقة أو العداء مع روسيا، اختارت القيادة التركية نهج المواجهة العدائية مع جارتها الكبرى. وفي 24 تشرين الثاني 2015، وبضوء اخضر من أميركا وجهت تركيا "إنذارا" ضمنيا عمليا الى روسيا، بأن قامت طائرة تركية من طراز F-16 أميركية الصنع بإسقاط طائرة روسية من طراز سو ـ 24 فوق الأراضي السورية وقتل احد الطيارين اللذين هبطا بالمظلة سالمين واسر الآخر.
واعتبر الرئيس الروسي أن هذه العملية هي "طعنة في الظهر".
روسيا تبدأ ردا تصعيديا لخلخلة وتفكيك تركيا
وعلى الفور أصدرت الحكومة الروسية الطلب الى جميع السياح الروس في تركيا، وكان عددهم بضعة ملايين بأن يغادروا فورا الأراضي التركية، وهو ما دفع غالبية السياح الأجانب من أوروبا الغربية أيضا لمغادرة مراكز السياحة التركية خوفا من تدهور الأوضاع بين روسيا وتركيا. وبنتيجة ذلك تلقى القطاع السياحي التركي لطمة لا عهد له بها.
تركيا مرشحة للزوال عاجلا أم آجلا
كما أصدر رئيس الوزراء دميتريي ميدفيدييف أمرا الى الحكومة بدراسة جميع التدابير اللازمة لقطع جميع العلاقات الاقتصادية مع تركيا. وكان ذلك من ضمن خطة روسية متدرجة لإفقار وإضعاف تركيا وخلخلتها وتفكيكها كدولة، وهو ما سيحدث عاجلا أم آجلا كيفما جرت رياح الأحداث.
الداعشيون وأسيادهم يهددون تركيا لمتابعة السير في المخطط القديم
وبعد عدة شهور، وتحت تأثير القطيعة الاقتصادية الروسية مع تركيا، وكذلك ارتداد موجة العمليات الإرهابية الداعشية الى قلب تركيا بالذات من اجل إجبارها على متابعة السير في سياسة دعم "الجيش "الإسلاموي" العالمي" لداعش وأخواتها، وتحديدا في أواخر شهر حزيران الماضي، أرسل رجب طيب أردوغان الى الرئيس بوتين رسالة اعتذار عن إسقاط الطائرة الروسية وقتل الطيار الروسي الأسير.
روسيا ترد على المناورة بمناورة
وعلى الأثر بدأ الكرملين يتخذ قرارات لإعادة تحسين العلاقات مع تركيا. حتى أن رئيس شركة "غازبروم" العملاقة المعنية بمد أنبوب الغاز "السيل التركي" الى تركيا صرح بأن الشركة هي في صدد إعادة دراسة تنفيذ المشروع.
والسؤال الجوهري الآن الذي يطرحه جميع المراقبين المحايدين:
ـ هل يمكن إعادة العلاقات الروسية ـ التركية الى وضع طبيعي للعلاقات بين بلدين جارين، من ضمن العقيدة الجيوستراتيجية الأوراسية التي تؤمن بها القيادة الروسية؟
في رأي المستشرق الروسي الكسندر كنيازيف انه بالرغم من أي تظاهر بالرغبة في تحسين العلاقات فإن الخلافات الجوهرية بين تركيا وروسيا ستبقى قائمة. فتركيا ستبقى تدعم المنظمات الإرهابية، لأنه في الحساب الأخير فإن السياسة التركية ليست مستقلة وهي ترسم من الخارج، ولا تستطيع تركيا أن تخرج بإرادتها عن الدور المرسوم لها، والعمليات الإرهابية التي تعرضت لها تركيا مؤخرا تدفعها، من جهة، لإعادة النظر في سياستها السابقة الداعمة للإرهاب، ولكنها، من جهة ثانية، هي بمثابة تهديد لها بالالتزام الفعلي بتلك السياسة، بصرف النظر عن التكتيكات المظهرية والتمثيليات السياسية بالتقارب مع روسيا.وبالرغم من رسالة الاعتذار التي أرسلها أردوغان الى الرئيس بوتين، فإن السلطة التركية لم تتخذ أي إجراء للحد من استخدام الأراضي التركية كمعسكر دولي للتجمع وقاعدة انطلاق رئيسية للمنظمات الإرهابية، بدلا عن أفغانستان. ولم يتبدل أي شيء جوهري في التناقض بين تحالف موسكو، دمشق، طهران وحزب الله، من جهة، وتحالف أنقرة، الدوحة، الرياض، واشنطن والاتحاد الأوروبي، من جهة أخرى. وبالرغم من رسالة الاعتذار المتأخرة لا تزال تركيا تواصل دعم المنظمات الإرهابية "الاسلاموية" والحركات الانفصالية المعادية لروسيا وللروس، في روسيا وفي الجمهوريات "السوفياتية" السابقة.
العلاقات التركية ـ الروسية في مهب التقلبات والمفاجآت
ومما لا شك فيه انه يوجد في تركيا تيار قوي يؤيد التقارب مع روسيا لا سيما على المستوى الاقتصادي، كما يواجه نظام أردوغان معارضة شديدة، متعددة التوجهات والانتماءات، دينيا واثنيا وقوميا وسياسيا، في داخل وخارج تركيا.وهذا كله سوف يحتم ان تكون العلاقات التركية ـ الروسية عرضة للتقلبات والمفاجآت. وسوف تضطر روسيا للتعامل مع تركيا بأكثر من وجه، تبعا لكل حالة وظرف. وهناك عامل أساسي ينبغي أن لا يغيب عن البال، وهو أن عامل الثقة بين البلدين قد انتفى نهائيا؛ هذا على افتراض انه كان موجودا أصلا!



ساحة النقاش