<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
هل حقّقت اميركا مخطّطها في المنطقة؟
الثلاثاء 31 أيار 2016
عمر معربوني - بيروت برس -

بين ما تريده اميركا وقبلها بريطانيا وفرنسا وما نعيشه من انقسامات حادة، يبدو أننا سنكون أمام مراحل طويلة من الصراع مليئة بالتوحش والدم، فحتى انقساماتنا ليست وليدة الصدفة ولا تعبّر في اغلبها عن حقائق التاريخ، فنحن هذه الأيام منقسمون بين فريقين: فريق يعتقد بنظرية المؤامرة، وفريق يعتقد أن ما يحصل حراك شعبي يستهدف تغيير الأنظمة والوصول إلى الديمقراطية، وما بين الفريقين تشكّل فلسطين عنوانًا خصبًا لتجميل صورة الصراع وإعطائه الشرعية المطلوبة.
إذا نحن أيضًا منقسمون حول أم قضايانا، فمنّا من يستخدم فلسطين عنوانًا للاستخدام ومنّا من يؤمن فعلًا أن كل ما يحصل هدفه إنهاء قضية فلسطين ومعها كل الكيانات القائمة حاليًا، ولو أننا لم نشارك في صنعها إلّا أنّ هذه الكيانات صارت هذه الأيام قدس الأقداس. فبعد نشوء هذه الكيانات لم يطل الزمن حتى ظهرت وبقوة فكرة الوحدة، والتي تمت على أساسها إعادة تبلور العديد من الأحزاب والدول التي تحمل مشروع الوحدة وعلى رأسها حركة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952، والتي قلبت الطاولة على المشروع الفرنسي البريطاني والأميركي فيما بعد.
إن ما يحصل ليس مجرد حرب وتقسيم للجغرافيا إنما هو اجتثاث للماضي وضرب للمستقبل، فمن يراقب التدمير الممنهج للآثار والمعالم التاريخية يدرك أننا أمام أكثر من حرب وابعد من معارك هنا وهناك، ولم يعد كافيًا لمن يقف في وجه هذه الهجمة أن يتحضر عسكريًا وإنما عليه أن يُدرك عبر نشر الوعي لطبيعة الصراع وهو أساس عملية التصدي، فأغلب ما يجري ليس وليد الصدفة وما قام به الذين سبقونا من مواجهة لا ينفصل عما نقوم به، فمن منا إلا القليل يعرف ما قام به جمال عبد الناصر وما نشأت لأجله حركة التحرر العربية بكل أشكالها؟
إن ظهور فكرة الوحدة العربية لم يكن وحيدًا، فقد ظهرت قبلها حركة الأخوان المسلمين في العام 1928 بعد أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية، بينما كانت بريطانيا تدعم وبقوة الحركة الوهابية التي تشاركت الحكم مع آل سعود بشكل رسمي عام 1902 بعد سقوطها الأول بمواجهة عام 1818 على يد العثمانيين، فأرسل محمد علي والي مصر حملة عسكرية إلى السعودية بقيادة إبراهيم باشا الذي استطاع احتلال مناطق كثيرة في الجزيرة.
وحتى لا نغرق كثيرًا في سرد تاريخ حركة الأخوان المسلمين والوهابية والتي باتت معروفة لغالب الناس سواء من خلال العلاقة التاريخية مع بريطانيا أو من خلال السلوك الواضح في العمل على تنفيذ أهداف لم تعد خافية لأحد، ولإحداث عملية الربط بشكل يسمح لنا بقراءة التطورات، لا بد من البدء بأبرز بالوثائق التاريخية المتعلقة بتقسيم المنطقة. وسأبدأ من مذكرة اللورد كيشنير وزير الحربية البريطانية التي عرضها على القيادة البريطانية وفيها اقتراحات سبقت اتفاقية سايكس بيكو، ويمكن اعتبار المذكرة بما يشبه التمهيد للاتفاقية التي شكّلت خلاصة الطروحات المتعلقة بالمنطقة، حيث سنعرض ابرز ما جاء في هذه المذكرة التي اعتبرت حينها جزءًا من الإستراتيجية العليا لبريطانيا، والتي تبدو كأنها صالحة حتى اليوم للتنفيذ، مع الإشارة إلى أن هذه المذكرة جاءت على أساس الرحلات الثلاث لمارك سايكس إلى الموصل وهو أمر يحتاج إلى الكثير من الشرح ويمكن الرجوع إلى تفاصيل الرحلات الثلاث والنظر إلى تأثير مضمون ما جاء في وثائقها على مذكرة وزير الحرب البريطاني، وابرز ما جاء فيها:
1- على بريطانيا الإمساك بالساحل السوري بدءًا من فلسطين وانتهاءً بالاسكندرونة على الحدود التركية، وأقصى ما يمكن أن تقدمه بريطانيا لفرنسا أن تترك لها جزءًا من ساحل سوريا الشمالي تحت اشتراطات معينة تستجيب لمطالب السيطرة البريطانية… وفي وصفه الإثني لهذا الشريط، قال "كيشنير": مسلمون في سيناء، يهود على سواحل فلسطين، مسيحيون في وسط الساحل السوري (أي لبنان اليوم)، مسلمون غير سنة في شمال الساحل السوري… ليبقى هذا "الموزاييك" محتاجًا إلى بريطانيا لحمايته من ضغط "الداخل" الصحراوي، ومدخلًا لبريطانيا للضغط على هذا الداخل من جهة ثانية.
2- إن الأماكن المقدسة "للمحمديين" في مكة والمدينة يجب أن تكون تحت الحماية البريطانية بطريقة غير مباشرة لمراعاة "التعصب الإسلامي"، وكذلك يجب أن تكون كربلاء والنجف في العراق، ونفس الشيء ينطبق على كنيسة القيامة وقبة الصخرة وحائط المبكى، فذلك يعطي الإمبراطورية البريطانية حق مواجهة العالم كونها حامية كل المقدسات الدينية.
3- يمكن لبريطانيا التفكير جديًا في التمهيد لإقامة خلافة إسلامية عربية، شريطة أن تجد "البيت الإسلامي" الذي تعطيه تأييدها مقابل ضمان ولائه لها، على أن تقوم هذه الخلافة في الداخل الصحراوي من العالم العربي، فهذه المنطقة بين الخليج الفارسي والبحر الأحمر سوف تظل مهمة للإمبراطورية ولضرورات الدفاع عنها.
4- إن بريطانيا لا بد لها من السيطرة على ما بين النهرين (العراق)، لأن هذه هي المنطقة التي يمكن منها منع روسيا من الوصول إلى المحيط الهندي.
هذه البنود التي جاءت في مذكرة اللورد كيشنير أليست مطابقة لما يحصل هذه الأيام؟ أليس مخطط كيسينجر الذي جاء بعد العدوان الثلاثي على مصر وبعد انتقال الملف من الفرنسيين والبريطانيين إلى اميركا سنة 1957؟ أليس العمل على فصل مصر عن الوطن العربي من خلال اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة مع الأردن واتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتوريط العراق في حرب الثماني سنوات مع إيران تمهيدًا لكل ما يحصل؟ وللعلم، فإنّ مخطط كيسينجر لا يختلف في مضمونه وعناوينه السياسية عما سبقه من مخططات، إلا انه بمثابة قراءة جديدة للتطورات والمستجدات، وهو حال كل النظريات التي انطلقت فيما بعد ومن ضمنها نظرية "الفوضى الخلاقة" التي تهدف إلى نشر "الديمقراطية" بعد هدم الكائن والموجود .
المسألة الأهم التي يجب استنباطها وهي لم تعد خافية، أن العمل الرئيسي تركز على تحويل مسار المسلمين السنّة وهم الأكثرية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، من كونهم يمثلون الأمة إلى مجرد جماعة مذهبية مهددة من العدو الجديد إيران والذي أصبح له أسماء جديدة كالعدو الفارسي والمجوسي والصفوي، في حين أن العدو الرئيسي يتمم العمل على التطبيع معه بشكل كامل متناسين أن إيران هي أيضًا مستهدفة كما السعودية وغيرها من بلدان المنطقة، وهو ما يرد في دراسة الجنرال رالف بيترز .
وللإضاءة أكثر جاءت دراسة الجنرال الأميركي رالف بيتز المقتضبة (سنة 2006) لتختصر المشاريع والمخططات وتلخصها في صفحاتٍ عشر، وفي هذه الدراسة ما يلفت النظر لمقدمتها التي جاءت خليطًا من الرومانسية والحرص على مصائر شعوب المنطقة، وان النتيجة التي يجب الوصول لها هي لمصلحة الشعوب وان مرت بالكثير من التوحش، ولهذا كان عنوان الدراسة "حدود الدم" والتي سأذكر أهم عناوينها وهي:
- أن إعمال العقل في اقتراح حدود متناسقة في الشرق الأوسط يساعدنا على التوصل لفهم أكبر للصعوبات التي نواجهها هناك. إننا نتعامل في هذه المنطقة مع حجم هائل من التشوهات التي صنعها الإنسان، والتي لن تتوقف عن توليد الكراهية حتى يتم تصحيحها.
- الدولة الكردية: تعد أكثر حالات الظلم وضوحًا في المنطقة الواقعة بين جبال البلقان والهيمالايا، غياب دولة كردية مستقلة. هناك ما بين 27 و36 مليون كردي يعيشون في مناطق متجاورة في الشرق الأوسط (والرقم هنا غير دقيق؛ لأن أيا من الدول لم تتح أبدًا التعداد الحقيقي لهم)، وحتى أقل التقديرات لعدد الأكراد تجعل منهم أكبر جماعة إثنية في العالم ليست لها دولة خاصة بها، فعدد جماعات الأكراد يفوق عدد سكان العراق حاليًا. وتعرضت هذه الجماعة للقهر من كل حكومة سيطرت على مناطق الجبال التي يعيشون فيها.
- فرصة تقسيم العراق:
فرصة عظيمة لتصحيح هذا الظلم،ضيعتها الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف بعد سقوط بغداد؛فالعراق الدولة التي تشبه شبح فرانكنشتاين ،دولة مكونة من أجزاء يصعب دمجها، كان يجب تقسيمها مباشرة إلى ثلاث دول بعد سقوط بغداد، إلا أننا فشلنا في ذلك بدافع الخوف وغياب الرؤية، وأجبرنا الأكراد على تأييد الحكومة العراقية الجديدة. والحقيقة أنه إذا أجري استفتاء عام في ذلك الوقت، فإن 100% من الأكراد كانوا بلا شك سيصوتون لصالح الاستقلال.
كذلك سيؤيد هذه الدولة أكراد تركيا الذين عانوا منذ زمن طويل من التمييز والقمع العسكري العنيف ومحاولات القضاء على الهوية الكردية وللعلم، فإن كردستان حرة، تمتد من ديار بكر حتى تبريز، ستكون أكثر الدول المؤيدة للغرب في المنطقة الواقعة بين بلغاريا واليابان.
- لبنان الكبير (إحياء فينيقيا القديمة حيث تمتد حدود لبنان إلى كامل الساحل السوري سيترك ترسيم الحدود بشكل أكثر عدالة في العراق ثلاث مناطق ذات أغلبية سنية في شكل دولة مقطعة الأوصال، قد تقرر في النهاية الاتحاد مع سوريا التي ستفقد سواحلها، طبقًا للخريطة المقترحة لصالح لبنان الكبرى ذات التوجه المتوسطي (فينيقيا التي بعثت من جديد).
- الدولة الشيعية في العراق والتي ستمتد إلى المناطق الشيعية في السعودية والبحرين وأجزاء من إيران.
- دولة الفاتيكان الإسلامية وهي دولة ستشمل المناطق المقدسة في السعودية ومحيطها على أن تقتصر السعودية على المناطق المحيطة بالرياض.
- الإبقاء على الأردن بوضعه الحالي وضم أجزاء من السعودية إليه.
- الإبقاء على الإمارات واليمن وترك اليمن في حالة صراع دائمة بين الجنوب والشمال.
.. وطبعًا هناك في الدراسة كلام عن خسارة إيران لبعض أراضيها وضم أجزاء أخرى لها من أفغانستان وغيرها من التخيلات.
كلام اللورد كيشنير ومن بعده الجنرال رالف بترز يتطابق مع كلام غونداليزا رايس عن الشرق الأوسط الجديد، واعترافات هيلاري كلينتون والجنرال ويسلي كلارك وغيرهما عن التفاصيل المرتبطة بتأسيس واستخدام الجماعات المسلحة، بدءًا بتنظيم القاعدة الأم وصولًا إلى مئات بل آلاف المسميات وأبرزها داعش والنصرة التي بدورها تمتلك أيضًا مذكرات كالمذكرة الإستراتيجية لعبد الله بن محمد، والتي تتضمن نظرية الذراعين ونظرية الأذرع المتعددة للسيطرة على مناطق مختلفة في المنطقة، بالإضافة إلى كتاب إدارة التوحش لأبي بكر ناجي الذي يحاكي طبيعة الحاصل في المنطقة.
والسؤال الذي لا بد منه: هل كل ما يحصل هو محض صدفة ومجرد تماهي في الأفكار بين المخططين الرئيسيين، وهذا الكم الكبير من جماعات التوحش؟
العقل والمنطق يقتضي منا الربط بين المخططات والظواهر، حتى لو أصرّ البعض ومنهم للأسف آلاف مؤلفة من "المثقفين" الذين لم يدركوا أو هم يدركون طبيعة مجريات الأمور، واتخذوا قرارهم بالمضي في الطريق الخاطئ.
أخيرًا، لا بد من التذكير أن الشركاء الأساسيين في مقاومة هذه المخططات لا يبدوّن أنهم هزموا هذه المخططات، ولكن طبيعة المواجهة تدل أن المخطط الأميركي لن يمر وسيفشل، إلا أن دون ذلك الكثير من المصاعب والآلام وبحور من الدماء رغم كل ما حققه المخطط الأميركي من تهشيم لبنية المنطقة.



ساحة النقاش