<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
وهم حصاد العنب في الرياض بعد زرع الشوك في سوريا
14 شباط ,2016 04:33 صباحا
عربي برس _ صحف: رأي اليوم - اسماعيل القاسمي الحسني
حقيقة لا أدري كيف يقرأ الإخوة في الجزيرة العربية مقالاتنا، إذا سلمنا بأنهم يلتفتون إليها، ولكم أرغب صراحة في معرفة ذلك، مع أن ما يُفهم من مقالات صنّاع الرأي لديهم، والمقربين من دوائر الحكم، وكذلكم تصريحات بعض قادتهم، أنه لا يوجد رأي غير رأيهم، وأن من يخالفهم ليس إلا لجهل أو حسد أو تبعية عمياء لطرف يصنفونه عدوا؛وهذا لعمري مبدأ سبق للبشرية أن عرفته في قول أحدهم"لا أريكم إلا ما أرى"ونتيجته معروفة لدى الجميع. في حين أننا نؤكد بأن رأينا يستند لوقائع وحقائق وتجارب على الأرض ماثلة للعيان، لا يمكن أن يتجاوزها إلا مكابر (ليبيا مثلاً صارخاً). ثم الدافع الرئيسي لعرض رأينا هو خلاف ما يفهمه الأشقاء تماماً، ذلك أنه يعني مصلحة بلدانهم وأمنها واستقرارها. أقدم هذا بعد أن قرأت لداود الشريان وسلمان الدوسري وعبد الرحمن الراشد وجمال خاشقجي وهم من علية كتاب دول الخليج،استغرابهم من عدم فهم "العالم" لمواقف دول الخليج (على رأسها السعودية طبعاً)، و الاستغراب لم يشمل من يحسبونهم أعداء أو خصوماً، وإنما شمل من يحسبونهم حلفاء استراتيجيين منذ تكوين تلكم الدول،وأولها الولايات المتحدة نفسها، وأغرب ما في هذه الحالة،هو تبرير عدم تفهم أو فهم الولايات المتحدة هو إما غباء من إدارتها، أو عدم وفاء بالتزاماتها؛ وإن كان هؤلاء يطرحون تساؤلاتهم في صيغة استغراب، فإني لم أقف على عبارة واحدة منهم، تشي باحتمال أن هناك خطأ ما في قراءة المشهد من جانبهم، ولا مجرد خيال بسوء تقدير لدى قياداتهم. وهذا الاعتداد بالذات إلى درجة التأليه هو بعينه أقصر طريق للهلاك.
لم تخطئ تقديرات أنظمة دول الخليج مرة واحدة، بل في عديد من المواقف ثبت أن خياراتها كانت خاطئة، حتى لا نقول كارثية على كل الأمة، و إن لم يشعر أو يلمسها الأخوة، بداية من حرب الخليج ضد العراق، والاعتراض عن اقتراح سلطنة عمان والجزائر حينها، بالاعتماد على قوة عربية مشتركة لتحرير الكويت (و ها هم اليوم يروجون لها بإصرار مذهل)، مرورا بكارثة ليبيا، حين بشروا الأمة بأنها ستكون جنّة مباشرة بعد إسقاط معمر القذافي، و تراهم بعد انكشاف واقع ما يجري في ليبيا، كيف يغفلون كل مآسيها من وسائل إعلامهم، بل وألغوا بشكل جذري عنوانها مما يسمى جامعة الدول العربية، و شطبوا همها من جدول أعمالها. وصولاً إلى التقدير الفاضح خطؤه، حين أكّدوا بأن سقوط نظام سوريا سيكون خلال شهور معدودة، فضلاً عن ذات الحلم الوهمي الذي سوقوه بخصوص ليبيا.
ما صرح به أحمد العسيري بشأن عدم تراجع السعودية عن قرارها بالتدخل البري في سوريا، نراه خطأ قاتلاً لا محالة، ليس بحق سوريا ولا دفاعاً عنها كما يتصور الأخوة، و إنما دفاعاً عن الجزيرة العربية ككل، و حماية لاستقرار شعوبها؛ إن قرارا كهذا لا يحمل من المنطق العسكري و الميداني والسياسي مثقال ذرة من الحكمة والتعقل،بقدر ما يكشف عن غور حقد شخصي،توظف في سبيل تحقيق مآربه مقدرات الأمة وأرواح أبنائها؛ علينا أن ننتبه هنا لأمر يغفل عنه عادة،وهو أن من يتخذون قرارات الحرب والصراعات الدموية، عادة لا يدفعون هم من دمائهم ولا من دماء أهلهم، وقطعاً ليس من أموالهم،وإنما يزجّون بقوة"السلطة"أبناء الفقراء وأموالهم في أتون دوامة الحرب، وينقّلونهم كأحجار دمى على رقعة النار، لا يملكون حيال المآسي التي يتعرضون لها أدنى شفقة أو رحمة.
لو أثبت لنا الأخوة صحة خيارهم في ليبيا، ورأينا بأم أعيننا كيف أصبحت جنّة للحريات والاستقرار والنمو والازدهار، لسلمنا لهم اليوم بصحة خيارهم بالحرب على سوريا، أما والواقع المعاين في ليبيا يؤكد لكل ذي عينين أننا أمام مأساة شعب، تزداد يوما بعد يوم نزيفا دمويا و تشرذما اجتماعيا و جغرافيا، فلا يمكننا وصف إصرارهم على المضي في خيار الحرب على سوريا إلا بالحقد الذي أعمى صاحبه، و يريد للعالم كذلك أن يؤمن بهذا العمى و يستغرب عدم فهمه.
حين أقول حقداً، فلست آتي بشيء من عندي، فما نشرته صحيفة "الانديبندنت" على سبيل المثال لا الحصر في 13/07/2014 تقريراً مطولاً عن محاضرة ألقاها الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية ريتشارد ديرلوف أمام المعهد الملكي للخدمات المتحدة، و التي أكد فيها سماعه شخصياً من بندر بن سلطان بصفته الرسمية، عمل الأخير على إبادة الشيعة و العلويين، ووفق تقديره أن هذا الهدف لم يشرع في العمل على تحقيقه عام 2001 وإنما مع احتلال العراق سنة 2003؛وحمّل ريتشارد السعودية مسؤولية دعم داعش بكل الوسائل، واحتلالها للموصل و إبادة أكثر من مليون شيعي؛ لكن مما لا يقل خطراً عن هذا كله، هو تعريفه للتفكير الاستراتيجي السعودي، الذي يقوم على ركيزتين متجدرتين وفق قراءته، الأولى: اعتقاد السعوديين بأن الوهابية هي الدين الإسلامي الصحيح و النقي، وغيره مجرد زندقة و كفر، والثانية: أنهم (أي القيادة السعودية) أوصياء عن المقدسات الإسلامية، وأي تحد لهم ليس مقبولاً. ليس هذا المسؤول الغربي الرفيع استثناء بخصوص هذه الشهادة، فقد سبقه مثلاً كذلك لا حصراً، أصدقاء إستراتيجيون كجو بايدن و جون ماكين.
و على هاتين الركيزين جاء تصريح العاهل السعودي منذ أيام، و صدرت فتوى مفتي المملكة، فالأول اعتبر حربه على اليمن دفاعاً عن الأمة العربية، وإن كنّا لا ندري من وكّله بذلك، والثاني اعتبر الحرب في اليمن و سوريا واجبا دينياً، لأنها دفاع عن الإسلام والأخير وفق رؤيته، هو الفكر الوهابي وما عداه صفوي وزندقة وكفر. مع أن علماء مصر والشام والمغرب جميعهم ينكرون هذا الطرح، حتى لا نقول يعترضون على حشر فضاء الإسلام على سعته في شِبر الوهابية.
دعوني أطرح جانباً مقال الوزير عادل جبير تحت عنوان: هل يمكن لإيران أن تتغير؟ 20-01-2016 الشرق الأوسط، و ما ضمّنه من نفس الركائز، و نعود لقرار التدخل البري في سوريا، بذريعة محاربة داعش، وواقع الأمر أنها حرب وجودية بين النظام السعودي، الذي لم يترك لنفسه خط رجعة في عدائه للقيادة السورية،وقطع خارج كل المعارف السياسية و الدبلوماسية جميع حبال التواصل معها؛ ولنا أن نسأل الأخوة: هل تضعون احتمالاً ولو بسيطاً بأن هذا القرار خاطئ التقدير؟. لسنا بوارد تفنيد الحجج المسوقة، لأنها ساقطة بحكم الواقع، فالقول بالدفاع عن عروبة اليمن، يدحضه موقف السعودية كآخر فصل في العلاقة مع العدو الإسرائيلي، عبر حوار تركي الفيصل مع صحيفة هآرتس 14-10-2015، فلا فلسطين محتلة ولا هي عربية ولا هي سنّية، و بالتالي لا دفاع عن الأمة واجب ولا دفاع عن الإسلام فرض. و القول بالدفاع عن المدنيين المحاصرين المجوعين، ساقط هو كذلك بحكم واقع ما تعاينه الأمة مع أهلنا في قطاع عزة. إذا، الاندفاع الذي يحركه هذا الحقد الأعمى نحو حرب برية في سوريا هل قرأ القوم نتائجه؟ليس من باب التخويف و لا التهويل، نكرر ثانية بأن الدافع هو كف دماء الناس، و إيقاف توسع دائرة العنف نحو الدول التي تستـنسر اليوم على سوريا؛ هنا نسجل لإخوتنا التالي: كما قدّرتم بأن إسقاط القذافي سيليه نبات جنّات عدن كان خاطئاً، وكما قدّرتم بأن سقوط نظام الأسد سيكون حتماً ومؤكداً خلال ستة أشهر كان كذلك خاطئاً، وكما قدّرتم بأن عمر عاصفة الحزم لن يزيد عن شهر واحد كان هو الآخر خاطئاً، بل لم يقتصر الأمر على الخطأ و إنما ما ترتب عنها من كوارث سُجلت عاراً على جبين تاريخ البشرية بدماء أبناء الأمة؛ فأخشى أنه من المؤكد بأن قرار التدخل البري الذي لا رجعة عنه سينتهي بكارثة أخرى، غير أنها تختلف عما سبقها من كوارث.
لقد قلنا لكم من قبل بأن إسقاط النظام السوري أمر مستحيل، ليس لقوته فحسب، وإنما لكونه جزء من توازن القوى الدولية، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفرط فيه، ولم تتصوروا حينها أي منذ أربع سنوات، بأن روسيا ستتدخل عسكرياً بشكل قوي لدعمه، نحن كنا حينها نعتمد هذا التصور ونحسب حسابه، واليوم لا تتوقعون دخول الصين عسكرياً على الخط، عليكم أن تضعوا ذلك في حسابكم و تتأملوا جيداً الموقف. حين يصرح ميدلديف مباشرة قبيل اجتماع بروكسل بأن دخول جيش أجنبي برياً للأراضي السورية يعني حرباً عالمية، فالرجل هنا لا يطلق الكلام على عواهنه، وإنما هي رسالة واضحة المعنى للولايات المتحدة، التي كانت تتوقعها من قبل، ذلك ما ظهر على الأقل في حوار جون كيري مع أطراف المعارضة السورية، التي سرّب عناصرها أخطر وأهم ما جاء فيه، وكان يفترض التعامل معه بشكل جدي وليس كما ظهر من قراءات صبيانية على صفحات بعضهم، وذلك بقوله:"لا تتصوروا أننا سنخوض حرباً ضد روسيا من أجلكم". وهذا المبدأ لا ينكره إلا جاهل أرعن؛ يعني يفترض أن قادة السعودية و صناع الرأي فيها،أن يفهموا بأن تصريح جون كيري يعنيهم هم كذلك. و حين يطلق ميدليدف وصف "عالمية" فهو لا يعني روسيا و إيران و إنما يعني قطباً دولياً يضم كثيراً من الدول، تقف بحكم توازن القوى التي تشكل كتل مصالحها،في وجه قطب آخر يسعى للهيمنة المطلقة على الجميع، و هذا القطب الدولي ساحات تقليم أظافره متعددة، أبرزها بالنسبة لنا سوريا.
و على ما تقدم ذكره، فلا يتصور الأخوة في الخليج العربي كُتّاباً كانوا أم أصحاب القرار، بأن هذا القطب سيبقى مكتوف الأيادي إذا مضت في قرار الدخول البري، وإلا عدّ الأمر سفها في العقل، كما عليهم أن يحسبوا حساب نقل الصراع آلياً إلى ساحاتهم الداخلية، لإشغالهم بأنفسهم عن الساحة السورية، ولا شك بأنه منفصل عن الواقع من يعتقد بانعدام الأدوات القابلة للاشتعال، وأن مجتمعاتهم خالية من أي نازع بشري يعشق الرقص مع الشياطين؛ فالشعوب -إن صح الوصف- الخليجية فيها من الصواعق ما في غيرها، هذا إن لم نقل أكثر وأخطر.
أخيراً؛ يبدو لنا كمراقبين بأن العالم الغربي تقاطعت مصالحة بشكل مطابق مع المعسكر الشرقي، وكليهما يريد أن يتخلص من أنظمة الخليج من جهة، ومن خطر قوة تركيا وإيران الصاعدتين، فأنظمة الخليج لمن يتأمل باتت تلاحقها بشكل غير مسبوق، مقالات في الصحافة والإعلام الغربي، تعرّي عيوبها و تتبع عوراتها، وتصنفها ضمن الأنظمة الدكتاتورية الرجعية المتعفنة، وهذا قد يكون تمهيدا لقلب الصورة لدى الرأي العام وتهيئته للحظة الانقلاب عليها، وإنما تشجعها للدخول البري في سوريا، لعلمها بأن الطرف المقابل سيشعل الحرب داخلها، وهي الفرصة التي يتربصها العالم الغربي، بل سيذكي شرارتها و ينفخ في جمرها لا محالة؛ومن جهة فقد استدرج تركيا كذلك بتشجيعه"اللفظي" نحو الصدام المتصاعد مع النظام السوري إلى درجة الاغترار بالاصطدام المباشر مع روسيا،وذلك حين أسقطت طائرة السوخوي؛وقد رأينا كيف تركت تركيا وحيدة في مواجهة تبعات موقفها من الأزمة السورية، سواء على صعيد اللاجئين أو على صعيد خسائرها الفادحة نتيجة قرارات روسيا. ندعو الأخوة في الخليج دون ملل ولا كلل مرة أخرى لمراجعة سياساتهم وقراءاتهم، وليضعوا احتمالاً ضئيلاً لكونهم مجرد بشر مثل غيرهم يصيبون وكذلك يخطئون، وعليهم جدياً التأمل فيما يعتقدون كنظرية "لماذا لا يفهمنا العالم؟"، وليبحثوا بدلاً عن ذلك في:"لماذا هم لا يفهمون العالم؟"؛ وليتأكدوا هذه المرة كما أكدنا لهم في منعطفات سابقة: يستحيل أن تجني في الرياض عنباً، بعد أن تزرع الشوك في سوريا.



ساحة النقاش