<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
المجلس الوطني لاستفزاز الشعب المغربي!
المساء = عبد الله الدامون
أكتوبر 30، 2015، العدد: 2819
عندما بدأ الموسم الدراسي هذا العام، وجد آلاف التلاميذ المغاربة أنفسهم بلا مدارس ولا معلمين، فاصطفوا يحتجون، رفقة آبائهم، أمام الإدارات والمصالح ونيابات التعليم، ويطالبون بشيء واحد، مقعد في المدرسة، ومعلم يدفع بهم قليلا نحو المستقبل.
طبعا، أكثر الناس تشاؤما لم يكونوا يتخيلون أن يجد أطفال المغرب أنفسهم، في السنة الخامسة عشرة من القرن الحادي والعشرين، بدون مقعد دراسي أو بدون معلم، لكن الواقع دائما أبلغ من الخيال.
وفي طنجة وتطوان، وجد عشرات الآلاف من السكان أنفسهم مجبرين على إطفاء أضواء منازلهم ومحلاتهم التجارية وإيقاف عجلة مصالحهم الاقتصادية، والخروج إلى الشوارع للاحتجاج على حمق شركة فرنسية اسمها «أمانديس»، أو يقال للناس إنها فرنسية، والله أعلم.
هذه الشركة لم تتوقف منذ سنوات عن نهب الناس وتحويل حياتهم إلى جحيم، إلى درجة أنهم صاروا يخافون من النور ويحنون إلى زمن الظلام. لكن عندما خرج الناس للاحتجاج، بشكل حضاري وسليم رفقة أبنائهم الصغار، كما لو أنهم في أوربا، خرج الأمن لكي يذكرهم بأنهم لازالوا في إفريقيا، وحوَّل مظاهراتهم إلى جحيم، حيث طاردت قواتـُه المحتجين في الشوارع والأزقة بالهراوات وخراطيم المياه، وكأن أولئك المحتجين خرجوا يطالبون بإسقاط النظام.
نكتفي بهذين المثالين الحيـَّين والطريين، ونعود إلى تصريحين حيين وطريين آخرين يتعلقان بحقوق الإنسان.. الإنسان المغربي.
قبل حوالي أسبوع، خرج شخص يدعى محمد الصبار، وهو الأمين العام لمجلس يدعى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بتصريح يطالب فيه بضرورة احترام حقوق الإنسان، وهو لم يكن يقصد مئات الآلاف من أطفال المغرب الذين لم يجدوا مقاعدهم في المدرسة أو المحتجين المكتوين بنيران «أمانديس»، بل خرج يطالب بإسقاط عقوبة الإعدام عن القتلة والمجرمين، ووصف هذه العقوبة بكونها وحشية ومتخلفة وتسلب الناس حقهم في الحياة.
هناك أرقام مهولة تقول إن المغرب من بين أكبر بلدان العالم التي يصاب مواطنوها بمرض انفصام الشخصية، وها نحن أمام مثال فاقع لمحمد الصبار، الرجل الذي يدور حول نفسه عدة مرات فلا يجد من حقوق يطالب بها للإنسان في المغرب سوى ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام، بينما المغاربة يغلون من حوله حسرة وكمدا في تفاصيل حياتهم اليومية.
بضعة أيام على «خرْجة» الصبار، أحس زميله بنفس المجلس، ادريس اليزمي، بالغيرة، ربما لأنه قال في قرارة نفسه إنه لا يعقل أن يسرق منه الصبار الأضواء، فخرج بتصريح يطالب فيه بضرورة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة.
مشكلتنا كبيرة في هذه البلاد، ليس فقط مع من يحكموننا، بل أيضا مع من يفترض أن يدافعوا عنا. في هذه البلاد -وهي، للتذكير فقط، أجمل بلد في العالم- لا تجد الحوامل في القرى والمناطق المعزولة وسيلة للوصول إلى المستشفيات غير التمدد على توابيت الموتى، وعندما يصلن إلى المستشفيات لا يجدن فراشا، وأحيانا تقتسم عدة حوامل فراشا واحدا ضيقا. في بلاد مثل هذه، لا يجد «قيّاد» المجلس الوطني لحقوق الإنسان من مشاكل حقيقية للمغاربة سوى وحشية عقوبة الإعدام وضرورة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأ
هذه البلاد الآمنة والمطمئنة، التي يقطع فيها الناس في القرى المعزولة كيلومترات طويلة من أجل الوصول إلى مستشفى أو مدرسة أو مصدر لقطرة ماء شروب، هي البلاد نفسها التي يخرج فيها قياديون حقوقيون ليطالبوا بحق المجرمين في الإفلات من عقوبة الإعدام، وحق الأمن في استخدام الهراوات وخراطيم المياه ضد الأطفال والنساء والشباب الذين يطالبون بأن تتوقف شركة فرنسية متعجرفة ومغرورة اسمها «أمانديس» عن نهب أرزاقهم وتحويلهم إلى مجرد عبيد في بلدهم
قبل بضعة أسابيع، شاهدنا كيف ركل أمنيون في قلب الرباط متظاهرين مسالمين خرجوا فقط للمطالبة بمحاسبة المتورطين في إزهاق أرواح قرابة أربعين حاجا مغربيا في السعودية، ولا نعرف لماذا بلع الصبار واليزمي لسانيهما آنذاك؛ وها نحن نرى اليوم الهراوات وخراطيم المياه تلاحق متظاهري طنجة، وهذه المرة أيضا يبلع أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان ألسنتهم.
الصبار واليزمي لا يقدران على الحديث عن مقتل عشرات الحجاج المغاربة في السعودية لأنه موضوع محرم، وأيضا لأنهما لم يتلقيا الأوامر بذلك، لكنهما يجرؤان على اعتبار الإعدام والإرث موضوعا حلالا، بينما يعرفان تمام المعرفة أن المغاربة لا يهمهم على الإطلاق موضوع الإرث، كما أن موضوع إعدام القتلة والمجرمين يحظى بالإجماع؛ وإذا كان مجلس اليزمي والصبار يشك في ذلك فليطالب بتنظيم استفتاء حول الموضوع.
كان من الأفضل تغيير اسم المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى «المجلس الوطني لاستفزاز الشعب المغربي»، لأن هذا المجلس تحول إلى ما يشبه الصندوق الأسود المرتبط بالغموض والكوارث، صندوق مهمته فقط تسجيل الأوامر والإذعان لها وتصريفها.



ساحة النقاش