<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
عن الراية والقفطان
المساء = جمال بدومة
أكتوبر 29، 2015، العدد: 2818
خلال السنوات الأخيرة، وصل النقاش الفكري في المغرب حضيضا غير مسبوق، تكاد تفتش المشهد بكامله فلا تعثر على فكرة واحدة تدفع المجتمع إلى الأمام، بعيدا عن الفقاعات الإعلامية والسياسية. الشعارات أخذت مكان المشاريع، والمناورات حلت مكان المبادئ، والشتائم أخذت مكان النقاش. لا كتب ولا أفكار ولا مقترحات جدية. أما تلك السيدة المحترمة، التي كنا نسيمها «الثقافة المغربية»، فلم يعد يهمها إلا التمثيل والغناء والرقص، تزينت و«تحزمت» وصعدت إلى المنصة بحثا عن الأضواء. الجميع تواطأ على إغداق الدعم العمومي على السينما والغناء، وترك بقية التعبيرات الثقافية تموت، وفي مقدمتها الكتاب، وهي ظاهرة تستحق الدراسة.
عندما كان المغرب بالأسود والأبيض، وكان على الملعب فريقان واضحان، مخزن ومعارضة، وقف المثقف على اليسار ينتج ويناقش ويقترح. لكن هذه الحيوية خفتت بالتدريج، منذ بداية ما سمي بـ«التناوب» نهاية القرن الماضي. اليوم، بعد أن دخل اليسار غرفة العناية المركزة، وبات المشهد السياسي موزعا بين «اللحية» و»الشاشية»، أفلست كل المشاريع الثقافية الكبيرة والصغيرة،وماتت المجلات الثقافية، واحتضر النقاش الفكري، وتراجع الإنتاج الإبداعي، وبال الكلب على «اتحاد كتاب المغرب»، وتحول المثقفون إلى مرتزقة على أبواب السياسيين والخليجيين ومن يدفع أكثر، والكبار رحلوا أو صمتوا… تحولات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، دون أن يواكبها أي نقاش فكري أو دراسات جدية أو إنتاجات إبداعية في مستواها. هذا الفراغ الفكري فتح المجال للتقوقع على الذات بشكل فج. فجأة، أصبح الجميع يردد، بمناسبة وبغير مناسبة، أننا «مغاربة تّالموت»، ويرفع صوته وأصابعه و«يخرّج» عينيه، رغم أن العبارة تحصيل حاصل، لأن كل مغربي سيبقى مغربيا ليس فقط حتى الموت بل إلى ما بعد الموت، حتى لو أقدم على تمزيق «الباسبور» الأخضر أمام العالم، كما صنع زكريا المومني في حركة بهلوانية بئيسة..!
في السنوات الأخيرة، نادرا ما ترى مغنيا يصعد إلى الخشبة، خلال السهرات وبرامج التلفزيون، دون أن يلبس الراية كأنه ذاهب إلى المسيرة الخضراء، وقبل الأغنية وبعدها يلقي بعبارات من قبيل «عاش المغرب» و«حنا مغاربة»… كأن الجمهور يعتقد أنه قادم من السويد (مع الاحتقار الواجب «لأعداء وحدتنا الترابية» رفعا لأي لبس!). حتى المطربون الأجانب، الذين زاد «حبهم» للمغرب في السنوات الأخيرة بسبب الدولارات المحترمة التي يعودون بها كل مرة زاروا فيها مهرجاناتنا السخية، صاروا مهووسين بـ«تامغريبيت»، ويبدو أن التفاوض معهم يجري وفق أربعة اقتراحات، يرتفع فيها السعر كلما زادت «الإكسسوارات»: الغناء لوحده، الغناء مع الراية، الغناء مع الراية والقفطان، الغناء مع الراية والقفطان و«علاش ياغزالي»… و«زيد الما زيد الدقيق»!
بعد سنوات مريرة من القمع والكبت ومصادرة الحريات، تصالح المغاربة مع ماضيهم. لكن هذه المصالحة سرعان ما تحولت إلى تمجيد سخيف ومفتعل لـ«تامغريبيت».الكل صفق للظاهرة عندما بدأت تأخذ أشكال الاهتمام بقضايا المغاربة الحقيقية وأحلامهم، وفجرت المسكوت عنه طوال عقود، وعندما باتت وسائل الإعلام والإنتاجات الفنية تتحدث لغة المغاربة وتتطرق إلى همومهم وانشغالاتهم، بعد أن كانت تعالج مشاكل فرنسا والشرق العربي؛ غير أن المصالحة مع الذات انقلبت بالتدريج إلى «شوفينية» رديئة، تريد استبدال العربية بالدارجة، والدفاع عن إسرائيل بدل التضامن مع فلسطين، ووضع العربي في مواجهة الأمازيغي، والانقلاب على قيم المغاربة… باسم «تامغريبيت». لقد واكبت الظاهرة ما سمي بـ«طي صفحة الماضي»، وساعدت على التخلي عن المازوشية وجلد الذات، التي ورثناها عن سنوات الجمر، حتى إن البعض سارع إلى إغداق تسميات كبيرة عليها ومقارنتها بـ«لاموفيدا» الإسبانية، متحدثين عن «ثورة ثقافية» وعن «ثوار جدد»… لكن الزمن كشاف، وها هي «لاموفيدا» المفترى عليها تتحول إلى صيغة «منقحة ومزيدة» من «كولو العام زين». لا ثورة ولا بقرة ولا ثوار ولا هم يحزنون، كل ما رأيناه هو «ثيران» «تزعرط» على الخشبة من مهرجان إلى مهرجان. صار المغرب مختصرا في «الراية» و«القفطان» و»منبت الأحرار» التي تتعالى من البورطابلات، وتحولت أغنية «نداء الحسن» إلى إحدى كلاسيكيات الكباريهات والعلب الليلية، لا تقل شعبية عن «يوم يشبه يوم» و«كعكع يا زبيدة» و«سالينا سالينا». في كل البارات، يرفع السكارى كؤوسهم في آخر الليل وهم يرددون: «حاملين كتاب الله وطريقنا مستقيم»، أحيانا تزيد حماسة المغني ويصيح: «في خاطر إخوانّا المحتجزين في تندوف»… كل يوم، تختلط «الصحراء» مع «الصحاري ريزيرف» في الساعات المتأخرة من ليل المملكة!



ساحة النقاش