<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
معركة اليمن: إذلال السلاح الأميركي
25 أيلول ,2015 02:30 صباحا
عربي بريس: عامر محسن
منذ تسعينيات القرن الماضي انطلقت دينامية تقوم على تحويل الهيمنة المادية الأميركية على النظام العالمي إلى «ثقافة»، تجعل من أميركا لا مجرّد منتصر بل «نموذجاً» ومثالاً متفوقاً، وهي كانت تعمل على عدة مستويات: من فكرة النموذج الاقتصادي الأمثل، إلى حزمة جماليات تتعلق بأسلوب الحياة والاستهلاك، وصولاً إلى ترسيخ الانطباع بأن السلاح الأميركي متفوّقٌ ولا يُهزم؛ وهذا كان ركنٌ لا يستهان به وبفعاليته في الدعاية الأميركية.
تكون الهزيمة حين تبدأ برؤية العالم من منظار عدوّك، ولكن تربية جيلٍ كامل على فكرة أن الغرب وحده يمتلك مفتاح الحرب وسرّها، وأنّ أي تحدٍّ عسكري لجيشٍ غربي سوف ينتهي بإذلالك، وكلّ سلاحٍ آخر لا نفع له أمام التكنولوجيا الغربية المتفوّقة، هذه العقلية تنتج خضوعاً من نوعٍ مختلف، مقتنعٍ في داخله باستحالة المقاومة، وأن الحرب لا تكون إلا على النمط الأميركي (أي أنها ليست للفقراء)، ولا نفع من استيراد السلاح الروسي أو الصيني، ناهيك عن التفكير في صناعة سلاحك بنفسك.
حرب الخليج، عام 1991، قدّمت للأميركيين «معرض صورٍ» غنيّ لإثبات تفوّقهم وإذلال السلاح المنافس: الدبابات الروسية ــــ التي كانت ترعب أوروبا ــــ مدمّرة ومتفحّمة في الصحراء، طوابير المدرعات العراقية وقد أحرقتها غارات الطيران، وفلول الجيش الهاربة من آلة الحرب الأميركية. في سنوات مضت، كان بالإمكان إنهاء أي نقاشٍ (بالأرقام والمواصفات والنظرية) عن مزايا السلاح الروسي أو إمكانيات مواجهة غزو أميركي عبر استحضار صور حرب الخليج وفكرة «التفوق النوعي» التي كرّستها. اليمن اليوم يصنع «حرب خليج» بالنسبة إلى السلاح الأميركي، تبدّد الهالة التي بنيت حوله على مدى سنين، وتحطّم ــــ وإن بالمعنى الرمزي ــــ أسطورةً أخرى من أساطير الهيمنة.
لم يكن أحد يتخيّل أن يتمّ إذلال السلاح الأميركي على هذا النّحو، فتدمّر مدرعات الـ «برادلي» بالعشرات، وتصير دبابات الـ «ابرامز» منصات لالتقاط الصور التذكارية، وتدخل الأرشيف مئات الصور لأحدث المعدات الأميركية بين ألسنة اللهب ـــ وأن يبدو كلّ ذلك سهلاً ويسيراً. كُسرت هيبة السلاح الأميركي في العراق وأفغانستان، ولكن ليس بنفس الشكل والكثافة، والأميركيون كانوا دوماً حريصين على صورة سلاحهم وتبرير خسائرهم. أمّا في اليمن، فقد اكتشفنا أن الدبابات الأميركية قابلة للاشتعال كنظيرتها الروسية تماماً، وبأسلحة سوفيتية قديمة، وقد تم توثيق (خلال هذا الشهر وحده) تدمير أكثر من عشر مدرعات سعودية من طراز «برادلي»، وخمس دبابات «ابرامز»؛ ومع إسقاط مروحية جديدة منذ أيام، يبلغ عدد المروحيات التي أسقطت من الأجواء أو دمّرت في هجوم «صافر» إلى أكثر من ثمان، أي ما يوازي نصف سربٍ على الأقل من طائرات الـ «أباتشي» الباهظة الثمن.
دولة كالسعودية، صرفت على شراء السلاح الأميركي وحده (بحسب تقرير للكونغرس) أكثر من 90 مليار دولار منذ عام 2010، تجد نفسها عاجزة عن هزيمة أفقر بلدٍ عربي، و«أنصار الله» يتقدّمون باستمرار داخل أراضيها، ولا تلمح الجنود السعوديين في تسجيلات المعارك إلا وهم يهربون. مغزى هذه المشاهد بسيط وواضح، وهو أن السلاح، كالمال، مجرد أداة، لا يجعلك أكثر حكمة أو أكثر شجاعة أو أكثر قوة. ولكن الغربيين سيبذلون جهوداً مضنية، في السنين المقبلة، لإثبات أن العيب ليس في سلاحهم، بل في الجنود الخليجيين، الذين يشترون ما لا يعرفون استخدامه. مقابل التسجيلات شبه اليومية التي يصدرها«أنصار الله» لضرباتهم وغاراتهم وانتصاراتهم، شكلت تسجيلات قليلة نشرها الجيش السعودي فضيحة حقيقية بالمعنى العسكري. في إحداها، وهو مأخوذ من قمرة حوامة «أباتشي»، تجد الطيار يستنفد ذخيرته وهو يصيب كلّ شيءٍ حول الهدف باستثنائه، ثم يأخذ إذنا بضرب صاروخٍ ثمنه مئات آلاف الدولارات على هدفٍ لا يناسبه، ثم يتبين (بحساب الوقت الذي استغرقه الصاروخ في طيرانه) أن الطيار السعودي كان يستعمل الرشاش الثقيل من خارج مداه الفعال بعدة كيلومترات ـــ أي انه لن يتمكن من إصابة شيء على أي حال، ولو كان وليم تِل (وهذه هي التسجيلات التي انتخبتها وزارة الدفاع السعودية لعرضها على الجمهور!).
منذ غزو العراق ومسار الهيمنة الأميركية في انحدار. لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض إرادتها عسكرياً في كل صراع دخلته (مباشرة أو غير مباشرة) في السنوات العشر الماضية. إلا أن اليمنيين اليوم يخوضون حربنا جميعاً، ولا يوجد عربي وطني لا يحلم بمنازلة آل سعود. الحكم السعودي قد جاء إليهم برجليه، غازياً معتدياً؛ لا توجد حربٌ أقدس من هذه، ولا عدوُّ أجدر بالإهانة والإذلال. حرب اليمن، في أكثر من تقريرٍ غربي، صارت تدعى «الحرب المنسية»، لأن الإعلام الغربي يتجاهل جرائم الأنظمة الخليجية ويتحرّج من الكلام عن الحرب، فيما الإعلام في بلادنا، وطبقة المثقفين، تتواطأ بصراحة ووقاحة مع الغزو. يكفي هؤلاء ذلاً أن يسجّل التاريخ أنهم قد وقفوا إلى جانب الأمير، المجرم العميل، ضد فقراء اليمن، وضد رجالٍ يحرقون دبابات أميركا التي أذلّت شعوبنا، وهم يصدحون بأعلى الصوت: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل».



ساحة النقاش