<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
أين هو الأمان من الخوف في تلك البقعة الطاهرة؟
المساء = عبد الله الدامون
سبتمبر 14، 2015، العدد: 2782
عندما سقطت تلك الرافعة الكبيرة المتوحشة على رؤوس مئات المصلين في الحرم المكي وخلفت أزيد من مائة قتيل في بضع ثوان، انتشر الخبر كالهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتبادل الناس الألم والتعازي كما لو أنهم عرفوا مسبقا أن الضحايا هم أهل لهم وأفراد من أسرهم، وهذه شيمة من شيم التضامن بين المسلمين، تضامن ولو بالمواساة والمؤازرة والكلام الجميل.
هناك من وصل إلى ما هو أكثر من الحسرة والتعزية العادية، فكتب أحدهم على جداره الفيسبوكي عبارة تقول: ماتوا في ساعة عظيمة ويوم عظيم ومكان عظيم، هنيئا لهم فقد نالوا شرف الزمان والمكان. اللهم ارحمهم واغفر لهم.
لا أحد تقريبا من زبائن جدران التواصل الاجتماعي غضب على الفور وطالب بمحاسبة المسؤولين عما جرى ودعا إلى فتح تحقيق عاجل، فالجميع هللوا للشهادة ووعدوا الشهداء بالجنة، مع أن أولئك الضحايا لو عادوا إلى الحياة وسئلوا هل يريدون أن يموتوا في تلك الساعة وذلك المكان وذلك الزمان فإنهم بالتأكيد سيقولون لا، وسيضيفون أنهم لازالوا يرغبون في العيش من أجل أنفسهم وأبنائهم وآبائهم وأحبتهم أجمعين.
ما جرى في الحرم المكي يترجم عقلية غريبة لا علاقة لها بالإسلام، بل لها علاقة بثقافة الاستكانة والقبول الإجباري بالقضاء والقدر، حتى لو كان ذلك القدر نتيجة تهاون خطير من المسؤولين الذين يفترض أن يحموا حجاج بيت الله الحرام من الكوارث لا أن يتسببوا في إسقاط الرافعات الضخمة فوق رؤوسهم وهم داخل بيوت الله.
ما جرى في مكة هو حادث فظيع بجميع المقاييس، فالرافعة كانت فوق رؤوس الآلاف من الحجاج مباشرة فوق الحرم المكي، والسيول التي اتهمها المسؤولون بأنها السبب في سقوط الرافعة كان من المتوقع أن تتهاطل على المنطقة منذ أيام، والتقدم التكنولوجي الذي يغرق فيه العالم في زمننا هذا يشمل السعودية أيضا، لأن مصالح الأرصاد الجوية توفر معلومات دقيقة عن أحوال الجو ونسبة الأمطار وقوة الرياح لأسابيع مقبلة، فكيف إذن تركوا الرافعة هناك ثم اتهموا السيول!؟
والغريب أن العبارات والأساليب التي تداولها رواد وسائل التواصل الاجتماعي، استعملها أيضا من يفترض أن يقدموا إلينا تفسيرا منطقيا وعقلانيا لما جرى، فبعد بضع دقائق على ذلك الحادث المفجع رأينا مسؤولا رفيعا في مكة يتحدث إلى وسائل الإعلام ويتهم بدوره السيول، قبل أن يتمنى الجنة للضحايا وكأنهم كانوا محظوظين بذلك الموت المفجع.
لم نسمع ذلك المسؤول يتحدث عن فتح تحقيق عاجل وصارم لمعرفة الأسباب، ولم يتحدث عن ضرورة معاقبة المتسببين في إزهاق عشرات الأرواح البشرية وإعطاب مئات آخرين، بل لخص كل شيء في «مفاجأة» السيول والاستشهاد والجنة.
الله سبحانه وتعالى هو الذي يحيي ويميت، ويدخل إلى الجنة من يشاء ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء؛ أما ربط التقصير والتهاون وسحق الأرواح البشرية بالجنة والاستشهاد فهذا شيء لا علاقة له بالإسلام، فالإسلام الحقيقي هو الذي يضع كل واحد أمام مسؤولياته، وهو نفسه الإسلام الذي يخبرنا كيف أن امرأة عذبت قطة فدخلت النار، وامرأة منحت قطة عطشانة جرعة ماء في حذائها فغفر الله لها كل ذنوبها جميعا ودخلت الجنة.لماذا نتحدث عن دخول النار بسبب تعذيب قطة ثم نهلل لموت وجرح مئات الناس لأنهم شهداء.. أكيد أنهم شهداء، لكن المتورطين في استشهادهم عليهم أن يخضعوا للمحاسبة والعقاب.
ما جرى في مكة يكشف عن عقلية غريبة لدى قطاع واسع من المسلمين، وهو أنهم يضعون رؤوسهم تحت المقصلة ويعتبرون ذلك قضاء وقدرا. لكن هذا التفكير لا يشمل المسلمين كلهم، فلو أن ما حدث في مكة حدث في إندونيسيا أو تركيا أو ماليزيا، وهي كلها بلدان إسلامية، لكان أول ما يطالب به الناس هو المحاسبة ومعاقبة المتورطين، أما أن يكون المكان مقدسا فهذا لا يعفي المتورطين ويجعلهم يختبئون خلف الجنة والشهادة، بل يرفع أكثر درجة الخطورة لأنهم جعلوا أقدس وأأمن بقعة في العالم تعيش تحت مقلصة الخوف والرعب، فكيف نفسر الآية الكريمة «فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» بينما الناس كلما هموا بالحج يتوادعون وداعا نهائيا ويتباكون وكأنهم ذاهبون إلى حتفهم أو أنهم في طريقهم إلى ساحة وغى لن يعودوا منها سالمين! أين هو، إذن، الأمان من الخوف الذي وعد به الله المؤمنين في تلك البقعة الطاهرة؟!
المسلمون اندحروا ليس لأسباب عسكرية أو اقتصادية، بل اندحروا لأنهم لم يعودوا قادرين على التفكير بطريقة سليمة. لقد ربطوا كل شيء بالقضاء والقدر وأعفوا مسؤوليهم من كل محاسبة، لذلك من الطبيعي أن الكثير من حكام المسلمين صاروا يتنازعون الألوهية مع الله سبحانه.



ساحة النقاش