<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
آه كم من «عليان» مغربي قضوا بدون أن يأبه لهم أحد..!
المساء = عبد الله الدامون
سبتمبر 10، 2015، العدد: 2779
غرق الطفل السوري الصغير، عليان كردي، في شاطئ تركي، فجابت صورته العالم وتحولت إلى واحدة من مظاهر انعدام العدالة في هذا العالم الهش. تلك الصورة كانت مؤلمة لطفل لايزال يحتفظ بكامل ملابسه وملامحه وينام قرير العين على حافة الموج كأنه سيستيقظ بعد برهة لتناول الحليب.
يقال إن الصور أبلغ مليون مرة من الكلمات، لذلك انشغل العالم بتلك الصورة التي تترجم أشياء كثيرة؛ لكن المشكلة أن العالم جابته صور كثيرة أكثر فظاعة، فلم يتحرك ضميره. هذا العالم يتحرك بمنطق القوة وليس بمنطق الضمير.
لكن الغريب أن صورة الطفل عليان تلك لم تكشف فقط الظلم الذي يغرق فيه هذا العالم، بل كشفت أيضا جرعة النفاق المثيرة في هذا الكوكب؛ فقبل أزيد من ربع قرن بدأت ظاهرة الهجرة السرية تغزو العالم، وشاهدنا صورا كثيرة مفجعة، شاهدنا أيضا أطفالا قذفهم الموج في مضيق جبل طارق، وشاهدنا مئات الجثث على الضفاف الجنوبية لإسبانيا وقد نهشتها الحيتان، وشاهدنا أطراف الأجساد البشرية وهي تتفتت مثل «كفتة» في أحشاء الشاحنات، ومع ذلك ظلت تلك الصور كما هي ولم تطـُف حول العالم كما فعلت صورة الطفل عليان.
في المغرب، قامت جمعية في الرباط بتنظيم عرض رمزي في شاطئ المدينة. لقد حضر عشرات الأطفال والمراهقين وهم يرتدون ملابس شبيهة بالملابس التي ظهر بها الطفل السوري الغريق وتمددوا قريبا من البحر، تماما كما بدا الطفل في الصورة. كانت لفتة جميلة وإنسانية، لكن المثل يقول إن «مطرب الحي لا يطرب»، لأن الآلاف من المغاربة، شيوخا ورجالا ونساء وأطفالا، غرقوا في مضيق جبل طارق وفي بحار أخرى على مدى العقود الثلاثة الماضية ولم يفكر أحد في تنظيم عرض رمزي من أجلهم. هناك أطفال كثيرون اختبؤوا في أحشاء الشاحنات فدار المحرك ودارت معه أحشاؤهم لتتحول أجسادهم إلى كومة لحم مفروم، ومع ذلك لم ينظم أحد من أجلهم عرضا كيفما كان نوعه.
ومنذ بداية الهجرة السرية إلى اليوم، غرقت في بطون البحار أزيد من ثلاثين ألف جثة، أغلبها لمغاربة من كل الأعمار ومن كل المناطق، لكننا نسيناهم بسرعة البرق وبقينا نعيش حياتنا بلامبالاة حقيقية إلى أن أيقظتنا صورة الطفل السوري.
صورة الطفل عليان لم تكشف تناقضاتنا في المغرب فقط، بل كشفت تناقضات العالم كله، هذا العالم الذي يعيش في بحبوحة بفضل تجارة الأسلحة الفتاكة التي يُغرق بها العالم، وبعد ذلك يشتكي ويقول إنه غير قادر على استقبال كل المهاجرين الذين يهربون من مناطق النزاع التي تشتعل بسبب أسلحته الفتاكة.
الذين أيقظوا الفتنة في سوريا يريدون أن يموت السوريون حيث هم عوض أن يركبوا القطارات ويقطعوا الفيافي والغابات للوصول إلى أوربا، والذين حولوا القارة الإفريقية إلى جحيم هم الذين يبنون الجدران العازلة ويحفرون الخنادق وكأنهم يخافون من غزو التتار، مع أن الغرب لو ترك بلدان الجنوب تستغل خيراتها وتعيش من إنتاج يدها لما فكر أحد في الهجرة نحو الشمال.
الغرب الذي يرتعد خوفا من بضعة آلاف من المهاجرين اليائسين هو الغرب نفسه الذي أجبر مئات الآلاف من سكان الجنوب على التجنيد الإجباري في الحرب العالمية الثانية لحماية أوربا من الزحف الألماني النازي؛ أوربا التي تتظاهر اليوم وكأنها معرضة للغرق على يد حفنة من المهاجرين البسطاء هي نفسها التي كانت تضع عشرات الآلاف من المقاتلين من بلدان الجنوب في الجبهات الأمامية في المعارك الطاحنة ضد خصومها، فتتم إبادتهم في بضعة أيام أو بضع ساعات ويدفنون في مقابر جماعية وينتهي كل شيء.
صورة الطفل السوري عليان لم توقظ ولن توقظ أبدا ضمير الغرب لأن الغرب بلا ضمير أصلا. إنها يجب أن توقظ ضمائرنا نحن لكي نكتشف أنفسنا ونتذكر أشياء كثيرة عن هذا الغرب الخائف على نفسه منا.. يجب أن نتذكر أزيد من مائة وخمسين ألفا من المقاتلين المغاربة الذي خاضوا معارك شرسة في الحرب الأهلية الإسبانية لمدة أربع سنوات، وهناك قضى الكثيرون دون أن يتذكرهم أحد، والذين نجوا من الموت صاروا يقبضون تعويضات أقل من تلك التي كان يقبضها عبيد القرون الوسطى. في هذه الحرب، يجب أن نتذكر آلاف الأطفال الذين تم تجنيدهم قسرا، وعدد كبير منهم تم انتزاعهم من أحضان أمهاتهم في المغرب وسيقوا كالنعاج نحو إسبانيا للاحتراق في حرب أهلية لا علاقة للمغاربة بها. آه كم من «عليان» مغربي قضوا في تلك الحرب المجنونة بدون أن يأبه لهم أحد!



ساحة النقاش