<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس= رشيد نيني
خوك شريف
خلال سنوات الحماية، كانت العائلات الفاسية والرباطية والسلاوية الثرية تلجأ إلى القنصليات الأجنبية المعتمدة للحصول على جوازات سفر أجنبية. وكانت هذه «الباسبورات» تضمن الحماية لحامليها بحيث كان المخزن يعامل أصحابها معاملة تفضيلية. وتذكر كتب التاريخ أسماء هذه العائلات ونوع «الحمايات» التي كانت تتمتع بها، فكانت هناك عائلات لديها «حماية صبليون»، وأخرى «حماية برتقيز»، وثالثة «حماية نجليز» إلى آخره.
وإلى جانب حملة هذه «الباسبورات» هؤلاء، الذين هاجمهم الفقيه علال بن عبد الله الفاسي في كتابه «الويل والثبور لمن احتمى بالباسبور» و«إيقاظ السكارى المحتمين بالنصارى»، نجد أيضا طبقة من «النبلاء» كانوا يحملون ما يسمى «ظهائر التوقير»، وهي ظهائر سلطانية تمنح حامليها ما يشبه اليوم الحصانة.
اليوم، وبين وقت وآخر نسمع عن أشخاص أنيقين يطوفون حول الشركات والمؤسسات العمومية متأبطين جرائد تصدر بين حين وآخر، يبتزون المدراء من أجل الحصول على إعلانات لجرائدهم التي توجد مقراتها في حقائبهم.
ولكي يبثوا الفزع في نفوس هؤلاء المسؤولين يشهرون في وجوههم بطائق يدعون فيها أنهم شرفاء وأن كل من تقع عينه على هذه البطائق «الواشمة» بالأخضر والأحمر يجب عليه أن يبدي الاحترام والتوقير اللازم لحاملها.
أصحاب هذه البطائق «الواشمة»، التي تحمل أسماءهم التي تبدأ كلها بمولاي «شي حاجة»، يشهرونها أيضا في وجوه رجال الأمن والدرك كلما ضبطوا وهم يقترفون مخالفة أو وهم في حالة سكر وعربدة.
وفي هذه البلاد الجميع يريد أن تتم معاملته معاملة تفضيلية حسب وظيفته، الصحافيون تمنحهم وزارة الاتصال بطاقة الصحافة لكي يضعوها في جيوبهم ويستعملوها للإدلاء بهويتهم أثناء مزاولتهم لمهامهم، فيعلقها البعض على الزجاج الأمامي لسياراتهم حتى يتعرف رجال الأمن والدرك على مهنتهم فلا يحررون لهم مخالفات.
رجال الأمن والسلك العسكري يعلقون زيهم المهني في سياراتهم، ومنهم من يكتفي بوضع قبعته في خلفية السيارة حتى تظهر للعلن. المحامون والقضاة والأطباء يضعون شارات في مقدمة سياراتهم، للتعريف بأنفسهم.
رجال ونساء كثيرون يضعون في جيوبهم بطاقات مخططة بالأخضر والأحمر، وبطاقات تحمل لقب «شريف» أو «شريفة»، وكأن بقية المغاربة «جابهم الواد». بعض هؤلاء يستعمل بطاقة الشرف هذه لدخول بعض الأمكنة التي يتطلب دخولها دعوة خاصة، وبعضهم يستعملها للإفلات من دفع غرامة بعد اقتراف مخالفة في الطريق.
« خوك شريف»،يقولون،والشرفاء في هذا البلد معصومون من الخطأ، وإذا حدث وأخطؤوا، لا سمح الله، فإن أخطاءهم لا تترتب عنها عقوبات.
العقوبات كلها محفوظة للمغاربة الآخرين الذين لا يملكون بطاقة تثبت انتسابهم إلى أصل شريف، وليست لهم بطاقة هوية «واشمة» مخططة بالأخضر والأحمر.
المضحك أن بطاقات الشرف هذه تحمل جملة سحرية تقول «الرجاء تسهيل مأمورية حامل هذه البطاقة»، وكأن بطاقات الهوية العادية التي يحملها بقية الشعب مكتوب عليها «الرجاء تعكيس مأمورية حامل هذه البطاقة». وهذا وجه من وجوه العنصرية التي جاء بلاغ وزارتي العدل والداخلية للقطع معه.
فمثل هذه البطاقات التي تقسم الناس إلى مواطنين شرفاء وآخرين عاديين منزوعي الشرف، على وزن حليب منزوع الدسم، تدل على أن المصالح تقضى في هذا البلد بحسب القرب أو البعد من السلطة.
المطلوب اليوم،وبمناسبة صدور هذا البلاغ،تحسيس المواطنين بأنهم سواسية، سواء كانوا من عائلة شريفة النسب أو من عائلة تنحدر من شجرة أنساب عادية، وأنهم سواسية سواء كانوا ذوي بشرة بيضاء أو سوداء، سواء كانوا أمازيغا أو عربا.
هل سأل أحدكم نفسه لماذا ليس لنا مذيعة أو مذيع في التلفزيون أسود اللون مثلا؟أليس في المغرب مواطنون سود البشرة،أم أننا نعتبر اللون الأسود لونا لا يصلح للشاشة؟
الشيء نفسه نلمسه في الشركات التي تشغل موظفات استقبال وتختار فقط الفتيات ذوات البشرة البيضاء، وكأن الفتيات السمراوات أو سوداوات البشرة لا يرتقين إلى مستوى استقبال البشر.
هل تتصورون أنتم الرجال ذوي البشرة البيضاء أن أحدكم سيذهب يوما لطلب يد فتاة سوداء البشرة؟
طبعا كلكم ستقولون «آش فيها»، لكن في الأخير لا أحد منكم سيقبل بأن يرتبط بفتاة سوداء البشرة.
لقد رأيت رجالا سودا متزوجين من نساء ببشرة بيضاء تحت مبرر أن الرجل لا يعاب، لكنني لم أرى إلى اليوم، مغربيا أبيض البشرة متزوجا بامرأة سوداء البشرة.
هذا لكي تعرفوا أننا لا نقل عنصرية عن الآخرين، هذا إذا لم نكن أكثرهم عنصرية.
كلكم بلا شك تتذكرون تلك الأغنية السخيفة التي تقول:
«السمرا إلى بغاتك ديها، الكحل إلى طاح فالعين كايشفيها، والبيضا إلى بغاتك خليها، البياض إلى طاح فالعين كايعميها». فالعنصرية لا توجد فقط عند ذوي البشرة البيضاء، بل إنها متواجدة أيضا لدى ذوي البشرة السوداء.
ومن منكم لا يتذكر أغنية الحسين السلاوي المشهورة التي يقول فيها: «يا الكحلة يا بنت الضاصر، كليتي الخليع فالكوزينة»، والتي يتحدث فيها عن «ريحة الصنان» و«الشفايف الغلاض» لخادمته وما إلى ذلك من الأوصاف الحاطة من كرامة المرأة السوداء.
إن الوعي بقضية المساواة في المغرب مازال في بداية الطريق، وليس بمنع بطاقات الشرفاء التي تسهل مأمورية البعض، والتي يستعملها البعض الآخر للنصب على عباد الله، سنساعد هذا النقاش على الرقي. فما يجب العمل عليه هو ترسيخ، بقوة القانون، السلوكيات التي تجعل المواطنين يشعرون بأنهم كلهم شرفاء،بغض النظر عن شجيرات أنسابهم، فكل حامل للبطاقة الوطنية يجب أن يتمتع بالاحترام، طالما أنه يحترم القانون ويحترم نفسه ويحترم غيره.
الشرف هو شرف الأخلاق أولا وليس شرف النسب. وكم من أشخاص ينتسبون إلى عائلات شريفة ليس لهم من الشرف سوى الاسم. وكم من أشخاص ينتسبون إلى عائلات مجهولة النسب يخجلونك بعفتهم وتواضعهم وأخلاقهم الراقية.
«إنما الفتى من يقول ها أنذا وليس الفتى من يقول كان أبي»، رحم الله عليها الشاعر.
عندما كنت أعود من مدرستي وأنا بعد تلميذ، أمر على دكان جدي لأشرب شايه اللذيذ، وأنا مستلق فوق كيس من التبن أقرأ الكتب المهملة التي يشتريها ليلف بأوراقها الخميرة كنت أرى يوميتين: واحدة اسمها «يومية بوعياد» معلقة فوق رأسه وأخرى يضعها في مكان مهمل اسمها «يومية عائشة». عندما سألته لماذا يفضل «يومية بوعياد» على «يومية عائشة» قال لي إن «يومية بوعياد» تفيده في معرفة منازل الفصول، كما أن أوراقها عندما تقلبها تجد دائما شيئا مفيدا تقرؤه. أما «يومية عائشة» فيشتريها فقط لأن المقدم يفرضها عليه، هي وأوراق اليانصيب التي لم يربح فيها قط.
ولحسن الحظ أن أولئك المتطفلين الذين كانوا يطوفون على دكاكين البسطاء لإجبارهم على اقتناء «يومية عائشة» لم يعودوا يصنعون ذلك، فقد تغيرت الأمور وأصبح «مول الحانوت» المعاصر يعرف حقوقه أكثر من السابق.
هناك طبعا في ثقافتنا وديننا الشرفاء المنحدرون من نسل آل البيت، وهؤلاء يحترمهم المغاربة دون أن يجبرهم أحد على ذلك.
وهناك إلى جانب هؤلاء، الشرفاء بأفعالهم والذين خلدوا أسماءهم بمواقفهم الشهمة والشجاعة، وهذا هو الشرف الذي يجب أن يسعى إليه كل واحد منا، لأن ما يبقى وراءنا في النهاية ليس المال ولا الحسب ولا النسب وإنما العمل الصالح والذكرى الطيبة.
وهذا الشرف لا يحتاج بطاقة تخول لحاملها التوقير والاحترام،لأن الشرفاء الحقيقيين لا يطلبون معاملة تفضيلية،فهم متواضعون ويحبون أن يكونوا بسطاء ويتعاملون مثلما يتعامل جميع الناس، بعفوية ومودة.
وهؤلاء هم الشرفاء الحقيقيون.



ساحة النقاش