فلاش بريس = إقبال إلهامي
ملاعق من ذهب
وجد المكلفون بالإحصاء هذا العام أنفسهم، ليس في مواجهة الاعتداءات الجسدية ونهش الكلاب والموت التي حصدت أربعة منهم فقط، ولكن أيضا أمام استفسارات معقدة بطول قائمة الأسئلة التي كانوا يطرحونها على ساكني كل بيت يطرقونه في الأحياء الفقيرة والمهمشة. ومثلما تغيرت أسئلة الإحصاء عما كان يطرح على الناس في السنوات الماضية، تغيرت لهجة المواطنين وتعاملهم مع المكلفين بالعملية، ومنهم من رفض أن يجيب لغاية أن يجد أجوبة لأسئلته العالقة، المرتبطة بالعلاج والتعليم والشغل والسكن اللائق والبيئة السليمة الخالية من الأزبال التي باتت تؤثث مشهد المدن، والماء الذي أصبح كثيرون يبحثون عنه حتى في الصنابير ولا يجدونه.
لم يكن الباحثون الذين أرسلتهم مندوبية التخطيط قد تدربوا على إعطاء الأجوبة وإنما على طرح الأسئلة فقط وتدوينها، لذلك لم يعثروا على مخرج لمأزقهم. خصوصا أن المواطنين سيما في مدن الصفيح كانوا يواجهونهم بالقول إن ما تغير هو أن الأبناء يجيبونهم بدلا عن الآباء الذين هرموا في بيوت القصدير دون أن تستطيع الدولة إعادة إيوائهم في بيوت تحترم آدميتهم.
ويبدو أن انتظار الولوج الكامل للصحة والتعليم والشغل والسكن سيطول بسبب الاختلالات المزمنة التي تعيش على إيقاعها هذه القطاعات منذ سنوات، ما جعل الدولة تتخلص منها تدريجيا سواء بتقنين بناء مصحات خاصة لن يدخلها سوى الأغنياء أو تشجيع بناء المدارس الخصوصية التي لن يقصدها سوى المتوفرون على ميزانية شهرية قارة أو بإعلان الحكومة الرسمي تخليها عن التشغيل في الوظيفة العمومية إلا في ما ندر واقتراحها على العاطلين التوجه للقطاع الخاص.
ولا أدري ما الذي بقي للمغاربة من حقوق إذا كانت الدولة تسعى لنفض يدها من تحمل واجباتها وتلبية احتياجات المواطنين في مواجهة المرض والأمية والبطالة والتشرد. وإذا كانت مندوبية التخطيط شرعت في إحصاء المشردين، فالمفترض أن تتبع ذلك سياسات حكومية توفر السكن اللائق لكل هؤلاء وغيرهم ممن لا يتوفرون على بيت.
والواقع أن مديرية الحليمي ليست في حاجة لإحصاء المشردين الذين اعتادوا على حياة الشوارع وإهمال الحكومة لهم، فمن يجب إحصاؤهم والتدقيق معهم هم وحوش العقار الذين أصبحوا يخرجون لنا أفواجا من المشردين، ليس فقط الهائمين على وجوههم في الشوارع ممن لا مسكن قار لهم، ولكن المشردين في المحاكم العالقين في متاهات قانونية ضد مقاولين لا تقدر عليهم القوانين لأنهم يفصلون العقود بشكل لا يمكنك معه أن تربح ضدهم أي قضية رغم كل العيوب التي يمكن أن تعثر عليها في بيتك الجديد الذي تتفجر منه الشقوق ولم تسكنه بعد.
بتنا عاجزين عن مواجهة وحش العقار ونحن نتابع كيف كبر هذا الوحش في غفلة منا وأصبح يلتهم الغابات والحدائق العمومية والأراضي السلالية، بل لم يترك لا برا ولا شطا إلا جرفه. يتحرك مثل طفل صغير مدلل يعبث بكل شيء دون أن يوقفه أحد. تصور أنك تجد من يأتيك بمساحة معتبرة من الهكتارات ثم يقترح عليك شراءها بثمن بخس لا يتعدى 800 درهم للمتر المربع، لتعود بشقق تبيع مترها المربع للمواطينن بسعر لا يقل عن 20000 درهم. يا له من حظ! أعتقد أن «طالب معاشو» لو منحناه هذه الفرصة سيتحول لملياردير في رمشة عين. وطبعا هذه المعادلة مستحيلة لكنها ممكنة في المغرب، رغم أنها ضد أي منطق كان رياضيا أو بحساب العجائز.
كانت البداية بفكرة دعم الدولة للسكن الاقتصادي، لكن البحث عن الثروة جعل تلك الفكرة تحيد عن نبلها. والحال أن دعم الدولة امتد حتى أصبحت تلك الحيتان التي لا يقدر أحد على الغوص بالقرب منها تستثمر في مئات الهكتارات التي تتحصل عليها بأسعار بخسة من الدولة، ثم تبيعها بأسعار مضاعفة.
كثيرا ما نسمع أن فلانا ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، أي أنه فتح عينيه في بيت كله ثراء ورفاهية. إلا أننا في المغرب نواكب نمو ملاعق الذهب حتى تصبح «مغارف» نهب ترافق الكبار حتى يضمنوا أن يرفل أبناؤهم وأحفادهم وكل السلالة بالفيض والثراء مقابل مواليد يزدادون وفي أفواههم أيادي خشنة صالحة فقط للطمهم مدى الحياة.



ساحة النقاش