http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

authentication required

 

 

من يساعد القوات المساعدة؟

 

 

سليمان الريسوني

 

العدد :2460 - 25/08/2014

 

ما إن غادر الثكنة متقاعدا في 1992، حتى عسْكر الداء الخبيث في جسده، ليعيده إلى المداومة، لكنْ على المستشفيات والمختبرات ومراكز الأنكولوجيا هذه المرة؛ فمنذ سنوات ورحّال مانون، رجل القوات المساعدة، يعايش الألم ويطارد الموت الذي يتربص به مصرّا على انتزاعه من زوجته وأبنائه الذين ما إن اطمأنوا إلى انتهاء زمن الأوامر الموجهة إلى رحّال بالترحال من ثكنة إلى أخرى، حتى باغته سرطان طائش، اخترق جسده، عضوا عضوا، كسلاح عابر للحدود.

 

خلال مدة وجيزة صالَ المرضُ الخبيث وجالَ، بحرية، بين مناطق عدة من جسد رحّال، وها هو الآن ينتشر في البانكرياس والعمود الفقري والقفص الصدري.. راسما خريطة من 13 نقطة سوداء. مؤخرا، قال له أحد الأطباء المشرفين على علاجه، ببرودة، وهو يحمل رقاقة «السكانير» ويشير بأصبعه إلى نقطة سوداء فوق ضلع من أضلعه: «يكفي أن تعطس لينكسر ضلعك هذا آ سي رحّال»!

 

صباح كل يوم جديد، ينتصب جندي «الكمبانية 184»، التي حاربت نواحي الزاك، واقفا، كما كان يفعل أيام «السربيس»، لتحية العلم. يتطلع إلى ساقيه الرفيعتين، ويخاطبهما ككائنين منفصلين عنه: مادمتما قادرتين على حمل رحّال والمشي به فلن يقعد عن مواجهة الداء الغادر، يقولها وينطلق نحو الإدارات والمختبرات والمستشفيات، متشبثا بالحياة حتى آخر نفس نابض فيه. صدمة رحّال، الفاجعة، كانت عندما اكتشف سرطانا آخر يسابق ذاك الذي يسكن جسده، إلى قتله: إنه سرطان المحسوبية والزبونية واللامبالاة.

 

 قبل حوالي ثلاثة أشهر، قصد رحّال مانون مقر أحد المختبرات الطبية بالدار البيضاء للحصول على دواء «Zytiga» الذي يوصف عادة للمصابين بسرطان البروستات، ممن ينتشر المرض في أنحاء أخرى من أجسامهم (La métastase). قبل أن يصل إلى هذا المختبر، كان رحّال قد قطع ثلاث مراحل قادته إلى ثلاث إدارات: الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) الذي أشّر على طلب حصوله على الدواء، وأحاله على تعاضدية القوات المساعدة التي وافقت على تغطية كلفة الدواء، ثم أحالته بدورها على وزارة الصحة التي أرفقت ملفه الطبي بشهادة تؤكد أنه يخضع لعلاج بهذا الدواء تحت إشراف ومراقبة مصالحها الطبية، ومن وزارة الصحة انطلق الرجل المريض نحو المختبر الطبي بعين السبع. نظر المسؤول عن المختبر إلى ملفه الممتلئ، ثم إلى جيبه الفارغ، وقال: «جبدْ 14 مليونْ»! أكد له رحّال أن ملفه يستوفي كل الشروط، وأن الإدارات الثلاث تؤكد أن وضعيته التعاضدية سليمة، وحاجته إلى الدواء ملحة، وحقوق المختبر المالية مضمونة.. لكن المسؤول عن المختبر تشبث بـالـ14 مليونا «كاش». تطلب الأمر من رحّال أياما من التنقل بين الإدارات الثلاث، بين الدار البيضاء والرباط، وعشرات الاتصالات والتدخلات.. لكي يروق مزاج صاحب المختبر ويعرف أنه ليس بقالا في حي شعبي، يعلق على باب المحل: «ممنوع الطلق والرزق على الله» وإنما صاحب مختبر تربطه تعاقدات قانونية مع تعاضيات (من التعاضد وليس العضّ) تمثل موظفين ومتقاعدين ليس بمستطاع أي واحد منهم، كيفما كان راتبه، ومهما بلغت مدخرات عمره، أن يؤدي 14 مليونا كل ثلاثة أشهر.

 

هل انتهت مأساة رحّال عند هذا الحد؟ لا، بل تفاقمت؛ فبعدما أنهى الحصة الأولى من الدواء، وعاد ليسلك نفس المسار البيروقراطي، اصطدم، في أول خطوة، بمشكل مغربي اسمه الصيف! فإذا كان المثل العربي يقول: «الصيف ضيعت اللبن»، ففي المغرب يصح تحويره ليصبح: «الصيف ضيعت الحياة»؛ يوم 31 يوليوز المنصرم قصَد رحّال إدارة «CNOPS» بالرباط، فسلمه أحد الموظفين ورقة كتب عليها تاريخ التأشير على طلب الحصول على الدواء: «jeudi»، هكذا دون تحديد أي خميس من أي شهر من أية سنة! عاد رحّال في الخميس الموالي، فالتالي، ثم الثالث... عبثا، أصبح الرجل المريض يستجمع قواه، كل يومين أو ثلاثة، ويقصد إدارة «CNOPS» فلا يجد من ينصت له. بعدما اشتد عليه المرض وسدت في وجهه الأبواب، اتصل بأحد النقابيين فقام ببعض الاتصالات ثم أخبره بأن موضوعه قد تمت معالجته. قصد رحّال «CNOPS» معتقدا أن العقدة الأولى في مسار الحصول على الدواء قد حُلت. وقف أمام الموظف فـ»ضرب» اسمه على الحاسوب ثم أخبره بأن اسمه مدرج ضمن من تم التأشير على طلباتهم بالموافقة. لم تكد هذه الجملة تستقر في رأس رحّال، حتى أردفها الموظف بأخرى: لكن الطبيبة المكلفة بالتوقيع على الطلبات في عطلة إدارية. «الطبيبة كونجي وأنا نموت؟!» تابع الموظف نقره للوحة الحاسوب، فهذا ليس شأنه ولا شأن المدير ولا الوزير ولا رئيس الحكومة. «أليس هناك من يعوض هذه الطبيبة؟؟!»، أكمل الموظف نقره للوحة الحاسوب...

 

منذ 31 يوليوز إلى اليوم، لا يزال رحال يطرق الأبواب، مع أن نشرة استعمال الدواء تؤكد أنه يفقد مفعوله بعد عشرة أيام من التوقف عن تناوله. أما إذا تجاوز الأمر عشرة أيام فإن مستوى المرض يتفاقم بـ200 في المائة. من يساعد رجل القوات المساعدة، هو الذي قضى حياته في مساعدة كل الإدارات والمصالح، في السلم والحرب؟ 

 

المصدر: المساء = سليمان الريسوني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 24 مشاهدة
نشرت فى 27 أغسطس 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,800