http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

عبد الباري عطوان

 

“أصدقاء سورية” العرب ينقلون البندقية من كتف المعارضة إلى كتف النظام.. والسعودية وقطر تستعدان للعودة إلى “عرين الأسد” والفضل يعود للبغدادي ودولته ولكن…

 

اجتماع جدة الذي انعقد الأحد برئاسة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بحضور نظرائه في مصر والإمارات وقطر وممثل عن الأردن تحت عنوان (أصدقاء سورية العرب) هو المؤشر الأقوى على تغيير أولويات حكومات هذه المجموعة وقلقها، أو بالأحرى رعبها، من النجاحات الكبرى التي حققتها قوات “الدولة الإسلامية” في العراق وسورية، ووصولها إلى عمقها وهو أمر غير مستبعد.

 

وربما لم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا الاجتماع المفاجئ، والأول من نوعه، مع سقوط آخر معاقل النظام السوري في الرقة، أي مدينة الطبقة ومطارها العسكري في أيدي مقاتلي “الدولة الإسلامية”، مما يعني فتح الطريق إلى مدينة حماة رابع اكبر المدن السورية، وحدوث انقلاب في الموقف الأمريكي وأولوياته في سورية وجوارها العراقي.

 

قلق هذه الدول، مجتمعة أو منفردة، مبرر لان قوات الدولة الإسلامية باتت ترابط على حدود دولتين منها، المملكة العربية السعودية أولا، التي حشدت ثلاثين ألف جندي على حدودها مع العراق في منطقتي عرعر ورفحة، وهي حدود تمتد لما يقرب 814 كيلومترا، بعد قرار الحكومة العراقية سحب قواتها على الجانب الآخر منها لتعزيز صمود بغداد والتصدي لأي هجوم كاسح للدولة ووجود خمسة آلاف شاب سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة”، أما بالنسبة إلى مصر فان الفرع المغاربي لتنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يتضخم بسرعة والمتمثل جزئيا في حركة “أنصار الشريعة” فترابط قرب الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وهناك مؤشرات عن وجود خلايا للتنظيم في الصحراء الغربية المصرية نفذت إحداها مجزرة في واحة “الفرارة” راح ضحيتها 23 جنديا في شهر رمضان المبارك.

 

***

 

كان لافتا أن تركيا احد ابرز اللاعبين الأساسيين في منظومة “أصدقاء سورية” استثنيت من هذا الاجتماع بسبب توتر علاقاتها مع السعودية والإمارات نظرا لاتهامها بدعمها حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة “حماس″ في قطاع غزة، كما أن وزير خارجية الأردن السيد ناصر جودة تغيب “فجأة” عن الاجتماع وأرسل مستشاره (غير المعروف) نواف التل، وهو عادة لا يقاطع أي اجتماعات لوزراء خارجية هذه المنظومة، موسعة كانت أو ضيقة، وربما يعود هذا الغياب إلى رغبة السلطات الأردنية في تجنب الالتزام بالأجندة الموضوعة، والقرارات التي يمكن أن تصدر عن الاجتماع، وهي ذات طابع امني وعسكري حتما، وتجنبا لانتقام الدولة التي أقامت امتدادات وربما خلايا في الأردن، واحتلت معبر طريبيل الحدودي مع العراق لفترة طويلة.

 

وزير الخارجية السعودي الذي خرج غاضبا من أول اجتماع لهذه المجموعة انعقد في تونس في شباط (فبراير) عام 2012 بحضور وزراء خارجية 114 دولة، باقتراح، أو بالأحرى، ضغط من السيد احمد داوود أوغلو وزير خارجية تركيا في حينها، لأنه لم يتبن قرارا صريحا بتسليح المعارضة السورية، التزم الصمت، ولم يدل بأي تصريحات حول طبيعة هذا الاجتماع وأهدافه باستثناء القول، وباقتضاب شديد، وعبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية “انه جاء لبحث تطورات الأوضاع في سورية”، دون أن يحدد طبيعة هذه التطورات.

 

بحث تطورات الأوضاع في سورية، وفي مثل هذا التوقيت الذي غيرت فيه الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى أولوياتها من إسقاط النظام إلى إسقاط “الدولة الإسلامية” يمكن فهمه على انه الاستعداد لفتح قنوات اتصال وتنسيق وتعاون امني وعسكري مع النظام السوري في الأيام وربما في الأسابيع المقبلة.

 

تغيير الأولوية الأمريكية في سورية يحتم تغيير أولويات “الشق العربي” من منظومة “أصدقاء سورية” التي اجتمعت في جدة، وإعادة سورية النظام إلى مقعدها في الجامعة العربية، والتخلي، ولو مؤقتا، عن المعارضة السورية والائتلاف الوطني الذي يمثلها، وهو الائتلاف الذي لم نقرأ تصريحا واحدا لرئيسه الجديد منذ شهرين، بل نراهن أن وزراء خارجية عرب كثر لا يعرفون اسمه وشكله.

 

خطر “الدولة الإسلامية” على دولة مثل المملكة العربية السعودية اكبر بكثير من خطر النظام السوري، وهو خطر لم يكن موجودا أساسا، ضعيفا كان أو قويا، والأنظمة تهتم باستقرار حكمها واستمراريته، أكثر من نشر قيم العدالة والديمقراطية والإصلاحات، ويكفي التذكير بأن الغالبية الساحقة من الشباب السعودي يميل إلى فكر هذه الدولة، ويزداد إعجابه بها مع تزايد انجازاتها واتساع حدود دولتها ويتدفق للانضمام إلى صفوفها، فهذه الدولة هي الأقرب للفكر الوهابي الذي تعلمه طوال القرون الماضية، وتطبق حرفيا أدبيات الحركة الوهابية والدولة السعودية الأولى التي تبنتها ونشرتها بحد السيف وكفرت من يخالفها.

 

وزراء خارجية الدول الأربع الذين شاركوا في اجتماع جدة، وكانوا خلف “طرد” النظام السوري من الجامعة العربية، وإعطاء مقعده للائتلاف الوطني المعارض في قمة الدوحة العربية عام 2013 وبإصرار من أمير قطر السابق، سيجدون أنفسهم في الأيام المقبلة يقفون في خندق واحد مع النظام وأمريكا وإيران وبريطانيا وفرنسا في مواجهة الخندق الذي تقف فيه “الدولة الإسلامية”، واستثناء الائتلاف السوري المعارض من الدعوة لهذا الاجتماع الرباعي هو مؤشر مهم يعكس هذا التحول.

 

الحرب الأمريكية على الدولة الإسلامية وقواتها بدأت جويا بشن غارات بطائرات بطيار أو بدونه على مواقعها في سد الموصل و”ببجي” وسنجار، ومنعت تقدمها نحو “أربيل”، وبدأت التعاون استخباريا مع نظام الرئيس الأسد لتبادل المعلومات عن مواقع الدولة وتجمعاتها، أثمرت عن تحسين دقة هجمات الطيران السوري على هذه المواقع في الفترة الأخيرة، في الرقة، ولكن هذه الدقة لم تمنع من سقوط مدينة الطبقة وتقدمها نحو أعزاز قرب حلب.

 

الجنرال مارتن ديمبسي قائد أركان الجيوش الأمريكية يتبنى نظرية ضرورة هذا التعاون، ونقل الحرب الجوية الأمريكية على “الدولة الإسلامية” إلى الرقة ودير الزور أيضا، ففي المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل ثلاثة أيام مع تشاك هاغل وزير الدفاع سأل نفسه سؤالا وأجاب عليه، عندما قال “هل يمكن هزيمة “الدولة الإسلامية” بدون الهجوم على مواقعها في الجزء السوري من المناطق التي تسيطر عليها؟ الإجابة “لا”.

 

أمريكا تصالحت مع إيران، ورفعت الحصار جزئيا عنها، وهي التي اعتبرتها العدو الأخطر الذي يهدد مصالحها في المنطقة، فما الذي يمنع مصالحتها مع نظام الرئيس الأسد الذي تفاخر يوما بأنه حمى أرواح المئات وربما الآلاف من الأمريكيين بمشاركته الفاعلة في “الحرب على الإرهاب” وتقديمه 26 ألف وثيقة حول التنظيمات الإرهابية لمساعدة أمريكا في هذه الحرب التي ما زالت مستمرة حسب الأدبيات والتصريحات الأمريكية.

 

***

 

أمريكا بدأت المصالحة مع نظام الرئيس الأسد، وبريطانيا تمهد للسير على الطريق نفسه، فمالكوم ريفكند وزير دفاعها وخارجيتها الأسبق ورئيس لجنة المخابرات في البرلمان شبه خطر “الخليفة” أبو بكر البغدادي ودولته بهتلر ودولته النازية، وقال تحالفنا مع جوزيف ستالين ضد هتلر فلماذا لا نتحالف مع الأسد في مواجهة البغدادي؟ أما لورد دانانت قائد الجيش البريطاني الأسبق، فقال في مقابلة مع الـ”بي بي سي” يوم السبت يجب التعامل مع نظام الأسد “تحت الطاولة أو فوقها” لأنه لا يمكن القضاء على الدولة الإسلامية بدون هذا التعاون لان أي غارات على مواقع الأخيرة داخل الأراضي السورية لا يمكن أن تتم دون موافقة النظام، بينما قال السفير البريطاني السابق في واشنطن السير كريستوفر ماير “العودة إلى الأسد يبرره تقدم الدولة الإسلامية السريع على الأرض مما يهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها”.

 

باختصار شديد نقول أن منظومة “أصدقاء سورية” ستتحول، إن لم تكن تحولت، من دعم المعارضة السورية وتسليحها إلى دعم النظام السوري وتسليحه، ولا نستغرب وجود الأمير سعود الفيصل، أو الأمير عبد العزيز بن عبد الله وزير الدولة للشؤون الخارجية نجل العاهل السعودي الذي يعتبر من أصدقاء الرئيس السوري، قريبا جدا في دمشق، سواء في زيارات سرية أو علنية، ونحن هنا لا نتحدث عن وزير خارجية قطر السيد خالد العطية فالقنوات مفتوحة حاليا بين الدولتين.

 

هذا التحول السريع في موقف “أصدقاء سورية” العرب هل جاء وفق حسابات دقيقة، وخطة إستراتيجية أم انه “مقامرة” متسرعة مثل سابقه؟ وهل يمكن أن يؤدي تحالف الأصدقاء القدامى الجدد إلى هزيمة “الدولة الإسلامية”؟

 

نترحم على مائتي ألف شهيد سوري سقطوا في السنوات الثلاث الماضية تحت غطاء الربيع العربي والديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلما نأسف بكل الألم عن تدمير نصف سورية إن لم يكن أكثر تحت الغطاء نفسه، وإنفاق مليارات الدولارات في هذا الخصوص.

 

المصدر: رأي اليوم = عبد الباري عطوان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 36 مشاهدة
نشرت فى 26 أغسطس 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,689