محمد الأشهب
كاتب و صحفي
بين خطابين
أنضاف رفض الملك محمد السادس لصورة المغرب الذي يسير بسرعتين إلى تلك التي طرحها في خطاب العرش حول الواقع الاجتماعي الذي يحتم معاودة النظر في كيفية استخدام الرأسمال البشري. وإذا كان خطاب أول أمس ركز على البعد الاقتصادي في مسار التجربة، من حيث التأهيل لخوض المنافسة المفتوحة على الصعيدين الإقليمي والمغاربي، فإن التركيز على النهوض بالرأسمال البشري يظل في مقدمة العوامل التي تكفل الإقلاع، حيث يكون الإنسان فاعلا محوريا في تنمية وجدت أصلا لفائدة تأمين مظاهر الحياة الكريمة.
يتقاطع الخطابان عند واقع التفاوتات الصادمة بين الفئات والمجالات، ذلك أنه على رغم الجهود التي بذلت من أجل توازن المسار الإنمائي وعدم اقتصاره على محاور محددة، وفك العزلة والتهميش عن المناطق التي لم تنل نصيبها من ثمار التنمية، ويلتقيان عند أهداف محددة تروم تغيير صورة المغرب، أكان ذلك على صعيد التصنيفات التي لم تنصف هذه الجهود، نظرا لتركيزها على معايير معينة قابلة للجدل، أو على مستوى تطوير البنيات الاقتصادية والإنتاجية والمرافق والتجهيزات التي تنقل البلاد إلى مصاف الدول الصاعدة.
الواقع أن صورة المغرب التي علقت بالذاكرة، عندما ينتقل الزائر مباشرة من جنوب إسبانيا إلى شمال البلاد، على بعد بضعة كيلومترات كانت صادمة، لأنها تعكس حجم الفوارق بين عالمين يفترض أن يكونا متقاربين. فالتجربة الإسبانية تعتبر جديدة في الانتقال السياسي والاقتصادي. ساعدها في ذلك إدماجها في الفضاء الأوروبي الذي مر بفترات شملت الانخراط في السوق الأوروبية المشتركة أولا، ثم إقرار مخططات طموحة ركزت على السياحة وضمان وسائل التنمية، في إطار توزيع جهوي للمناطق، أسهم إلى حد كبير في تخفيف العبء عن الدولة المركزية.
الحال أن المغرب لم يكن بعيدا عن الانجذاب إلى الاقتصاديات الأوروبية، وإن طال أمد الحوار مع الشركاء الأوروبيين ليصل إلى مستوى منحه وضعا متقدما في علاقته والاتحاد الأوروبي. واهتم في غضون ذلك بالانفتاح أفقيا على العالم العربي، وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي، ثم عموديا في اتجاه امتداده الطبيعي نحو إفريقيا. غير أن التجربة لم تكن في مستوى ما كان يعول عليها، بالنظر إلى النواقص التي تعتري مسار التنمية، والتي اختزلها الملك محمد السادس في كون المغرب يسير بسرعتين شبه متناقضتين تشمل الأولى وضع الأغنياء الذين يزدادون غنى، والثانية واقع الفقراء الذين يزدادون فقرا ويعيشون خارج مسار التنمية. فيما أن وسائل معالجة هذه الإشكاليات تطرح نفسها بقوة، من منطلق أن التنمية التي لا تضمن التوازن بين المجالات وتكافؤ الفرص بين الأفراد والجماعات، يعتريها النقص والاختلالات. ما يعني أنه بعد تجربة الحكم الذي يقوده الملك محمد السادس، جاءت وقفة التأمل الصريحة والجريئة لتطرح الأسئلة الكبرى حول جوانب الإخفاق والنجاح.
هذه المنهجية في حد ذاتها تلغي الأفكار التي كانت سائدة إزاء مفهوم الاطمئنان والرضى والاكتفاء برؤية النصف المملوءة في الكأس، وإذ يتحدث الملك محمد السادس مرة أخرى عن الرأسمال البشري الذي يعتبر ثروة لا تنضب، فإن الاتجاه ينصرف إلى سبل تأهيل العنصر البشري، بما في ذلك إقرار وتنفيذ سياسة تعليمية منتجة وسياسة إقلاع اقتصادي تشجع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والتزامات مستمرة من طرف الدولة الراعية خصوصا في القطاعات الاستراتيجية، مع انخراط القطاع الخاص في المجهود الوطني الشامل للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، عدا أن المنظور بعيد المدى الذي يحفل به خيار التنظيم الجهوي في إمكانه تحقيق طفرة نوعية أقربها اكتشاف الإمكانات الاقتصادية المتنوعة لكل جهة وإقليم، سواء تعلق الأمر بالرهان المتواصل على القطاع الزراعي، بحكم أهميته في بلد مثل المغرب لازال قسط كبير من سكانه يعيشون في العالم القروي وينعشون الاقتصاد ويدعمون خطة الأمن الغذائي، أو بالنسبة لقطاع السياحة والخدمات والطاقة النظيفة واستيعاب التكنولوجيا والانفتاح على العوالم.
تتوازى التوجهات الإستراتيجية الكبرى ضمن ما هو داخلي وما هو خارجي، لذلك فإن خطاب ثورة العرش والشعب أعاد التأكيد على ثوابت الانفتاح في علاقات المغرب مع محيطه الأقرب والأبعد، مثل الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي والمجال الجهوي الإفريقي. في ضوء تنويع الشراكات التي تتجه نحو روسيا والصين بعد تفعيل بعدها الذي يشمل التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفق هذا المنظور يصبح انتماء المغرب إلى الدول الصاعدة واقعا حقيقيا، وطالما أن الهدف الأساسي يكمن في الارتقاء بأوضاع الإنسان وتكريمه، فإن المعركة تبدأ من القضاء على الاختلالات الداخلية، كونه منطلق الإصلاح الحقيقي الذي يتكامل والإصلاحات الدستورية والسياسية التي قطعت المزيد من الأشواط.



ساحة النقاش