عبد العزيز الرماني
صحفــــــي
أحزاب المائدة
كان الشيخ علي يعاني من الفقر والجوع.. ولا أحد من الناس يصغي إليه أو يعبأ بحالته وأحزانه.. وحين ضاقت به السبل وتمكن منه اليأس، وقف في وسط القرية يشكو حاله إلى الله بصوت مرتفع، كي يسمعه أهالي القرية الذين التفوا حوله، ثم أنهى الشيخ شكواه بأن طلب من الله بأن يمده بمائدة من السماء فيها لحم دجاج، وصحن عسل، وبضع فواكه، وعلبة سجائر.
ثم قال وأهل القرية يستمعون إليه مذعورين، فوالله إذا لم تحضر المائدة من السماء بعد نصف ساعة، لأكفرن بالله في سمائه، ولأكشفن أسرار كل أهل القرية، رجالا ونساء.
إنه جزء صغير من حكاية رائعة يرويها أمير القصة القصيرة يوسف إدريس في «طبلية من السماء»، وتنتهي فصول قصته حين يسارع أهل القرية فيستجيبوا للشيخ علي، ويوهموه أن المائدة أتت من السماء، فيستغفر الشيخ ربه ويزيد في إلحاحه طالبا من الله أن يمده بمائدة طعام كل يوم.
فلا بأس إذن؛ فالشيخ علي يعلم أن المائدة من صنع أيادي أهل قريته، وسكان القرية يعرفون أيضا أنه يعلم ذلك. ولكن اللعبة أرادت أن يغض البعض الطرف عن الآخر، كي لا يكفر الشيخ بالله، فتنزل اللعنة على الجميع.
واليوم، تذكرني كل التهديدات التي تصدر عن أحزابنا وعن بعض أعضائها بتهديدات الشيخ علي. فمن الأحزاب من يهدد بمقاطعة الانتخابات المقبلة، ومنها من يهدد بالخروج إلى الشارع، ومنها من يهدد بالاستقالة من الحكومة، ومنها من يذكرنا في عز الصيف بأن الربيع العربي لا يزال أمام باب بيتنا... بل من الأحزاب من يهدد فقط بأنه قد يلتجئ إلى التهديد إذا أغضبه الآخرون. والحالة هذه فالجميع يعرف أن أحزابنا تهوى التهديد والوعيد، ولا يهمها من المائدة سوى لحم الدجاج وصحن العسل والتين والرمان وعلبة السجائر وأشياء أخرى.
لقد كان الوزير الأول الأسبق عبد اللطيف الفيلالي يمتلك هالتي الصمت والخيلاء، ولذلك سماه واحد من قيدومي الصحافة في المغرب بـ «أبو الهول». ومن الحكايات التي أتذكرها عنه، أنه سأل أحد المقربين إليه عن مفهوم مصطلح «الأحزاب» في اللغة العربية، باعتبار أنها في الفرنسية هي أقرب إلى معنى: «الأطراف والجهات». فأجابه أن الأحزاب في العربية تعني: «الفرق والفصائل»، حينها ضحك الفيلالي وقال: «فعلا راهم كيفرقوا وكيفصلوا».
ومما يرويه «الشاوش» السابق في البرلمان عبد الحي بنيس أن أحد النواب أصبح عضوا بالمجلس الدستوري، فاتصل به عشرة موظفين، وطلبوا منه التدخل لفائدتهم من أجل الاستفادة من البقع الأرضية التي كانت توزعها وزارة السكنى والتعمير، فراسل النائب المذكور وزير السكنى، وتسلم وصلا بالبقع المطلوبة، ثم احتفظ بها لنفسه.
وهناك أحزاب طالما أوهمتنا بأنه لولا وجودها لشاهت الوجوه وفسدت الأمور، وأنها هي التي تملك سر استقرار البلاد وطمأنينة العباد.
إنها أحزاب لم تعش لحسن حظها، في زمن ذلك السلطان الذي كان يوما في رحلة صيد مع وزيره، ففاجأهما فهد انقض على السلطان وكاد أن يطبق عليه بفكيه لولا يقظة الوزير الذي سارع إلى قتل الفهد وإنقاذ حياة الملك.
وحينما انتهت رحلة الصيد، وبدءا معا رحلة العودة إلى القصر، استل الملك سيفه، وأغمده في صدر الوزير قائلا: «لقد أنقذت حياتي فعلا، ولكن الملوك لا تعيش تحت رحمة أحد، ولا تدين لأي كان في ما بقي من حياتها».
وحين كادت الطائرة الملكية أن تسقط يوم 16 غشت 1972 وبداخلها الحسن الثاني، لم يعرف المغاربة إلى اليوم الأسرار الخفية لمعجزة إنقاذ الطائرة. أما ربانها الكولونيل محمد القباج فظل يردد منذ ذلك التاريخ أن شجاعة الملك النادرة هي التي أنقذت الطائرة، ولم يدّع يوما أن كفاءته العالية هي التي أنقذت الملك.
أما في زمن «أحزاب المائدة» التي استبدلت ما هو أدنى بالذي هو خير، كما استبدل قوم موسى المن والسلوى بمائدة طعام تضم الفول والعدس والبصل؛ فهناك زعماء يعتقدون أنهم خلقوا ليبقوا في المسؤولية عشرات السنين، حتى أصبحنا نشفق على حالهم ومآلهم، ومنهم من يشبه ذلك الوزير الذي مدحه أبو العتاهية بقوله:
أتته الوزارة منقـــادة............ إليه تجر أذيالــــــــــــها.
فلم تكُ تصلح إلا لــه............. ولم يكُ يصلح إلا لــــها.
ولو رامها أحد غيره............. لزلزلت الأرض زلزالها.



ساحة النقاش