مصائب قوم
المغاربة لا يهتمون كثيرا بأرقام مؤشرات وكالة «فيتش» أو «ستاندار بور» الدولية التي تجس نبض الاقتصاد الوطني، لكن عليهم أن يهتموا بأرقام الدراسة التي كشف عنها الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، حول الإصابة بداء السكري.
فقد كشف الصندوق عن أرقام مثيرة للرعب تقول إن مرضى السكري المنخرطين في الصندوق ارتفع عددهم خلال الخمس سنوات الأخيرة بنسبة 123 في المائة. مما يعني أن هناك 6000 مواطن مغربي يصرح سنويا للصندوق بإصابة بالسكري.
مرض السكري، بالإضافة إلى العوامل الوراثية، توجد وراءه أسباب اجتماعية. فالقلق والغضب والتوتر المرتبط بغلاء المعيشة والبطالة والخوف من المستقبل، وانعدام شروط التطبيب ونكسة التعليم، كلها أسباب تؤدي إلى الإصابة بالسكري. وعندما نقول السكري نقول الضغط المرتفع وأمراض القلب والشرايين والكلي.
بمعنى آخر فالفشل الحكومي في تحقيق الرخاء الموعود لعموم طبقات الشعب المغربي، سبب رئيسي في انتشار التوتر والغضب والأمراض المرتبطة بهما.
يتحدثون لنا في الإعلام العمومي والتصريحات الحكومية عن أرقام النمو والعجز وصندوق المقاصة، لكن لا أحد منهم يتحدث لنا عن الأرقام المهولة للأمراض القاتلة التي تتفشى بين المغاربة.
كل سنة ينضاف إلى طابور مرضى القصور الكلوي 4000 مريض جديد، 20 في المائة منهم فقط يخضعون للعلاج.
في المغرب ثلاثة في المائة من سكانه مصابون بالتهاب الكبد الفيروسي، أي حوالي 900 ألف مغربي. وبسبب هذه النسبة المخيفة قرعت منظمة الصحة العالمية جرس الإنذار، وحذرت من تنامي هذا المرض وانتشاره مستقبلا إذا لم تتم السيطرة عليه.
والجميع يعرف أن تكاليف علاج مرض التهاب الكبد الفيروسي تبقى إحدى أكثر التكاليف ارتفاعا. وهكذا يموت الآلاف من المغاربة سنويا بسبب عدم قدرتهم على تحمل مصاريف العلاج. وإذا كانت بعض المؤسسات الرسمية والخاصة «تتبرع» على موظفيها ومستخدميها بالتحاليل المجانية لاكتشاف هذا المرض، فإنهم في حالة اكتشافه يكونون مجبرين على التعامل مع المختبر الوحيد بالدار البيضاء، الذي يحتكر إنتاج وبيع الأدوية لمرضى التهاب الكبد الفيروسي، الذي يمكن أن تصل تكاليف العلاج الشهرية معه إلى 7000 درهم في الشهر حتى نهاية فترة العلاج التي تمتد إلى ستة أشهر.
وبما أن شركات إنتاج الأدوية العالمية تبحث عن المرضى بالفتيلة والقنديل لكي تبيعهم دواءها، فقد قررت هذه الشركة ألا تنتظر اكتشاف المغاربة لإصابتهم بأنفسهم، فهي تعرف أنها لو عولت على ذلك لأغلقت أبوابها وأعلنت إفلاسها. فالمغاربة يتعايشون مع أمراضهم بدون علمهم ويموتون أحيانا دون أن يعرف أحد بماذا ماتوا. وكل ما يخسرونه على بعضهم البعض هو «كان ما عليه ما بيه، كان واقف حتى طاح». ولذلك قررت هذه الشركة العملاقة أن «تتبرع» على موظفي الشركات والإدارات المغربية الذين لديهم تغطية صحية بتحاليل مجانية بحثا عن «زبائن» جدد بينهم تستطيع أن تبيعهم دواءها الباهظ.
لذلك ألا تعتقدون أن التحاليل المجانية التي تكلف بعض شركات الأدوية العالمية الجمعيات التي تمولها بالقيام بها بحثا عن بعض الأمراض في دمائكم هي في الواقع ليست من أجل سواد عيونكم بل من أجل سواد جيوبكم؟
أما حكاية بعض الجمعيات التي «تناضل» إلى جانب بعض المصابين بالأمراض المزمنة في المغرب، فتلك قصة أخرى. فتجارة المرض معروفة عالميا بكونها التجارة الأكثر ضخا للأموال. وصناعة الدواء والتحكم في تجارته، وأحيانا خلق زبائنه، كلها أساليب تجارية يحكمها منطق الربح والخسارة، أكثر مما يحكمها أحيانا منطق الأخلاق.
المغاربة يتعايشون مع أمراضهم وعاهاتهم بصمت، وبمجرد ما تنهي قراءة إحصاء لوزارة الأسرة والتضامن حول عدد المغاربة المصابين بإعاقات جسدية، حتى يصدمك إحصاء آخر لوزارة الصحة حول عدد المصابين بانفصام الشخصية. وقبل أن تكمل قراءة نتائج الإحصاء تنزل عليك الوزارة ذاتها بإحصاء جديد حول عدد المغاربة المرضى بالضغط وأمراض القلب والشرايين. وقبل أن تسترد أنفاسك تفاجئك الوزارة بآخر إحصاء حول عدد المغاربة المصابين بالاكتئاب والوسواس الخناس. وصراحة لم أندهش للعدد الهائل من المغاربة المصابين بالوسواس، والذي سبق أن حصرته وزارة الصحة في عشرة ملايين مغربي، لأنني متأكد من أن ثلاثين مليون مغربي يعانون من الوسواس الخناس.
فبسبب انتشار الإجرام والسرقة بالنشل والسيوف، أصبح الواحد منا عندما يخرج إلى الشارع يرى جميع الناس على هيأة قطاع طرق يتربصون به الدوائر لسرقة جيوبه أو هاتفه. وأصبح المغاربة يسيرون في الشوارع والأزقة وهم يلتفتون مخافة أن يكون أحد اللصوص ماشيا وراءهم. وهذا ما سمته وزارة الصحة بالرهاب الاجتماعي، أي أن المغربي أصبح خائفا من ظله، لا يثق في شيء، إلى درجة أن بعضهم إذا سلم عليك يعيد حساب أصابعه.
وعندما يتهمنا وزير العلاقة مع البرلمان بنشر اليأس والقنوط بين الناس والبحث في المزابل عوض الحدائق، فإنه ينسى أن أكبر من ينشر اليأس والاكتئاب بين الناس هي مصالح وزارات الحكومة التي ينتمي إليها. والتي لو تبعنا أرقامها لخرجنا بصورة مخيفة حول المغرب تلخص سكانه الثلاثين مليونا كالتالي :
عشرة ملايين مصابون بالاكتئاب والوسواس،300 ألف مصابون بالانفصام، ثلاثة ملايين معاق حسب وزارة الأسرة والتضامن.
هذا دون أن نتحدث عن الإحصائيات المفزعة حول الأعداد المتزايدة كل سنة للمغاربة المصابين بأمراض القلب والشرايين والقصور الكلوي والالتهاب الكبدي والسل والسرطان وسائر الأمراض المستعصية والمكلفة. ودون أن نتحدث أيضا عن إحصائيات وزارة الأسرة والتضامن حول أعداد المتسولين وأطفال الشوارع والنساء العازبات المشردات على أرصفة المدن.
لذلك فمن الطبيعي بعد قراءة كل هذه الإحصائيات الحكومية المخيفة، أن يشعر الإنسان بالانقباض والاكتئاب ويصبح فريسة سهلة للوساوس والهواجس.
والجميل في رؤى الحكومة وتوقعاتها للسنوات المقبلة، أنها تتحدث فقط عن عشرة ملايين سائح الذين سيستقبلهم المغرب مع مطلع 2010، وتتحدث عن رؤِية 2020 ونظرة 2030، وكلها رؤى وأحلام وردية، لكنها لا تتحدث حول كم سيكون عدد المغاربة الذين سيصابون بالسرطان والسكري وأمراض القلب والشرايين في العشر سنوات المقبلة، وهل لديها مخطط عاجل لوقف زحف هذه الأمراض القاتلة التي تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي والتي ستكلف ميزانية الدولة وصناديق التقاعد وصناديق الضمان الصحي، أموالا طائلة غير موجودة أصلا.
إن هذه الحشود من المرضى تعتبر عند بعض رجال الأعمال، سوقا صالحة للاستثمار، مثلما اعتبروا الاكتظاظ في المرور سوقا مربحة فجلبوا شركة فرنسية إلى الدار البيضاء ودخلوا معها في رأس مال «الترامواي» وأصبحوا يجنون الأرباح من «الزحام». وها قد انطلق مشروع فتح الاستثمار في المصحات الخاصة أمام الجميع، وصادف ذلك إطلاق كليات طب خاصة سيدرس فيها طلبة نجحوا في الباكالوريا بمعدلات تصل إلى 19 من المدارس الخاصة، لكي يتخرجوا منها أطباء ويضع الناس حياتهم بين أيديهم، وجميعنا يعرف كيف يحصل التلاميذ على معدلات 19 و20 في المدارس الخاصة.
وهكذا فمصائب قوم عند قوم فوائد.



ساحة النقاش