لم تكن العلاقات المصرية التركية جيدة طوال الثلاثين عاما من حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ولكنها وصلت إلى الحد الأدنى من السوء في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في انقلاب عسكري عارضته حكومة السيد رجب طيب أردوغان بقوة الحكم دعمها لحركة الإخوان المسلمين حليفها الاستراتيجي في المنطقة العربية.
يوم الجمعة انتقلت العلاقات التركية المصرية من مرحلة السوء إلى ذروة التوتر عندما شن السيد أردوغان هجوما شرسا وغير مسبوق على الرئيس السيسي بسبب مبادرته التي أطلقها لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتشاور مع إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مسبقا ودون أن يتشاور مع فصائل المقاومة في القطاع، وحركة “حماس″ حليف تركيا على وجه الخصوص.
السيد سامح شكري وزير الخارجية المصري استنكر هذا الهجوم على رئيسه من قبل رئيس الوزراء التركي، ووصف أقواله التي اتهم فيها الرئيس المصري بـ”الطاغية”، بأنها “خارجة عن المألوف في كل الأعراف الدولية” ودعاه إلى “دعم المبادرة المصرية والعمل على حماية شعب غزة”.
السيد أردوغان عرض مبادرة مضادة لنظيرتها المصرية، أو بديلا لها، بعد اجتماع جمعه مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي طار إلى أنقرة لبلورة خطوطها العريضة مع حليفه التركي وبتشجيع من حركة “حماس″، ولكن هذه الخطوة التركية قوبلت بمعارضة شرسة من السلطات المصرية والحكومة الإسرائيلية معا.
السلطات المصرية لا تكن أي ود للسيد أردوغان ولا لدولة قطر اللتين تدعمان خصمهما الشرس حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة “حماس″ في قطاع غزة، والعكس هو الصحيح أيضا، لكن هذه السلطات لا تستطيع أن تضمن أي نجاح لمبادرتها لوقف إطلاق النار في غزة دون موافقة حركة “حماس″ وتعاونها، وتحييد الموقفين التركي والقطري في الوقت نفسه.
في هذه الحرب بالمبادرات بين تركيا وقطر من ناحية، ومصر من الناحية الأخرى، يتواصل مسلسل النزيف الدموي الإسرائيلي في قطاع غزة، مثلما تتواصل أعمال التدمير في الوقت نفسه.
فرص نجاح المبادرة المصرية اكبر بكثير من نظيرتها التركية القطرية المشتركة، لان مصر هي الدولة الأقرب لقطاع غزة ولها حدود معه، لكن النظرة الاستعلائية التي تتعاطى من خلالها السلطات المصرية مع فصائل المقاومة في القطاع، علاوة على استمرارها في إغلاق معبر رفح وحدتا معا أبناء القطاع والكثير من العرب والمسلمين في تبني موقفا سلبيا جدا من هذه السلطات.
فمن المؤلم جدا أن تغلق مصر المعبر الوحيد (معبر رفح) إلى القطاع في وجه الجرحى من جراء العدوان الإسرائيلي، ولا تسمح إلا لعشرة فقط من هؤلاء بالعبور وفرض إجراءات روتينية طويلة ومعقدة للمتقدمين بطلبات للعلاج في المستشفيات المصرية.
اليوم أعلنت وزارة الصحة في القطاع أن مخزونها من الدواء سينفذ كليا في اقل من يومين بسبب ضخامة أعداد الجرحى الذين يتدفقون إلى المستشفيات أولا، وإغلاق معبر رفح في وجه المعونات الطبية القادمة من دول عربية وإسلامية.
ربما يختلف الكثيرون مع السيد أردوغان من منطلقات عقائدية أو لموقفه تجاه الأزمة السورية، ولكن موقفه الداعم لرفع الحصار عن قطاع غزة موقف أخلاقي وإنساني يحسب لصالحه، وهو موقف أدى إلى تدهور علاقات بلاده إلى درجات متدنية مع إسرائيل، وشهدت مدينة اسطنبول مظاهرات شارك فيها مئات الآلاف من الأتراك دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى تخفيض عدد دبلوماسييها إلى الحد الأدنى، وهذه المظاهرات المضادة للعدوان على غزة لم تشهدها أي عاصمة عربية أخرى وعلى رأسها العاصمة المصرية القاهرة.
ربما يكون السيد أردوغان خرج عن الأعراف الدبلوماسية عندما وصف الرئيس السيسي بأنه “طاغية” ويعمل لخدمة إسرائيل، ولكنه في ذرة انفعاله هذه لم يخرج عن الأعراف الأخلاقية والإنسانية، فمن يرى الأطفال الذين تمزق أشلاؤهم الصواريخ الإسرائيلية في غزة لا يملك إلا أن يخرج عن طوره من شدة الألم، ويدين هذه المجازر وكل من يصمت عليها من الزعماء العرب والمسلمين خاصة.
هذا عدوان وحشي همجي يعكس نزعات سادية في قتل شعب اعزل ومحاصر ومجوع وواجب التصدي له مسؤولية كل العرب والمسلمين، وتصرف السلطات المصرية بطريقة الوسيط المحايد غير مقبولة فمصر الدولة العربية الإسلامية الكبرى تسيء إلى تاريخها وارثها الحضاري عندما لا تقف في الخندق الآخر المتصدي للعدوان.



ساحة النقاش