http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

عبد الباري عطوان

 

يا أهلنا في الضفة نرجوكم أن تتحركوا انتصارا لأطفال قطاع غزة وانتم الذين قدمتم آلاف الشهداء في الانتفاضتين الأولى والثانية.. وتجاوزوا هذه السلطة التي تريد تشويه تاريخكم المشرف

 

السؤال المسكوت عنه فلسطينيا هو لماذا تخرج مظاهرات غاضبة إدانة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في كل أنحاء العالم، ولا تخرج مظاهرة مماثلة في مدن الضفة الغربية يشارك فيها مئات الآلاف تضامنا مع أشقائهم الذين تتعرض بيوتهم ومستشفياتهم وأطفالهم للقصف وتتحول أجسادهم النحيلة إلى أشلاء؟ وهل باتت الضفة ضفة، والقطاع قطاعا، وضعفت اللحمة القوية الرابطة بين أبناء الوطن الواحد والقضية الواحدة؟

 

حملت هذه التساؤلات التي تتردد على استحياء شديد على السنة الكثير من أبناء القطاع إلى احد أعضاء اللجنة المركزية في حركة “فتح” وقلت له اجبني بصراحة، ودون الإغراق في “التنظير” لماذا لا تتحركون، ولماذا لا نرى القيادات الأخرى في الضفة التي تظهر باستمرار على شاشات الفضائيات تنزل إلى الشارع وتحتج على العدوان وتقود المظاهرات؟

 

أجابني بأن ثقافة المقاومة في الضفة الغربية جرى وأدها وحل محلها “ثقافة الراتب”، و”ثقافة اللامبالاة” وتتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية الأكبر لأنها بنيت أصلا واستمرت من اجل اقتلاع “ثقافة المقاومة” في إطار خطة أمريكية إسرائيلية مدروسة بعناية من جذورها، وما تصريحات الرئيس محمود عباس التي يؤكد فيها ليل نهار، بمناسبة أو دون مناسبة، انه لن يسمح بانتفاضة ثالثة، أو بإطلاق رصاصة واحدة تجاه الإسرائيليين إلا تأكيدا على هذه المسألة، وتطبيقا لهذه الخطة.

 

حاول بعض الشبان في مدن الضفة الغربية، والخليل خاصة، واستشهد احد شبانها برصاص الاحتلال، الخروج في مظاهرات ولكن قوات الأمن تصدت بشراسة لقمعها تنفيذا لأوامر صدرت لها من قيادتها العليا التي تنسق مع الإسرائيليين، وتلتزم بتعهداتها للأمريكيين، لان الرئيس عباس لا يريد أن يكون شهيدا مثل سلفه المرحوم ياسر عرفات.

 

المظاهرات الوحيدة المسوح بها هي تلك “المظاهرات الحميدة” التي تصدر بأمر من السلطة ووعاظ سلاطينها من اجل رفع صور الرئيس عباس والهتاف له، وعودته المظفرة من الأمم المتحدة، حاملا انجاز الاعتراف بالدولة الوهمية، أما أي مظاهرات أخرى فهي ممنوعة ومقموعة، وخبيثة المقصد، إذا كانت ضد الاحتلال والاستيطان والاحتجاج على عدوانه.

 

التقيت الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء السابق أثناء زيارة له إلى لندن، لأفهم منه ماذا يجري في الضفة الغربية، واستفهم عن السلام الاقتصادي الذي يطبقه، والدولة التي وعده توني بلير والرئيس باراك اوباما بإقامتها مجرد انتهائه من بناء بنيتها التحتية في غضون عامين، سألته عن هذه الدولة، وقد أكمل مهمته، فاشتكى مر الشكوى من الجميع ابتداء من الرئيس عباس ومرورا بالمستوطنين والإسرائيليين، وانتهاء بالإدارة الأمريكية، فسألته ولماذا لا تجربون الخيار الآخر، أي العودة إلى سياسات الاحتجاج والتظاهر والعصيان المدني، والانتفاضة السلمية ولا نقول المسلحة؟

 

الرجل أجابني، وبكل وضوح أن السلطة تخشى أن تفشل في السيطرة عليها، أي المظاهرات، وتخرج من يدها، وتخطفها الفصائل الأخرى (حماس والجهاد)، وتطورها إلى انتفاضة شاملة، مما يؤدي إلى تدمير كل شيء جرى بناؤه على الأرض من مشاريع اقتصادية واستثمارات ضخمة فلسطينية وأجنبية.

 

***

 

قطاع غزة يتعرض للقصف الوحشي الإسرائيلي وأطفاله يذبحون بصواريخ الطائرات الإسرائيلية لأنه ما زال يحتضن الحد الأدنى من “ثقافة المقاومة”، وهذا ما يفسر حجم المؤامرة عليه، وفور أن يتخلص من هذه الثقافة، ويتخلى عن صواريخه جميعا، ويتبنى ثقافة الراتب والسلام الاقتصادي، فان المعابر ستفتح على مصراعيها، وأولها معبر رفح، وستتدفق المليارات لإعادة الإعمار، وتحويل مدينة غزة إلى “سنغافورة” أخرى تتزاحم في سمائها ناطحات السحاب.

 

فصائل المقاومة في قطاع غزة حققت انجازين كبيرين في السنوات العشر الماضية:

 

*الأول: إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من القطاع وتفكيك مستوطناتها واخذ مستوطنيها معها، تسليما بعدم القدرة على تحمل الخسائر الاقتصادية والنزيف البشري.

 

*الثاني: الاستمرار في رفع راية المقاومة بأشكالها كافة، وتطوير تكنولوجيا الصواريخ لاختراق الحدود والأسوار العازلة، واختراع هندسة الأنفاق، والوصول إلى المدن الإسرائيلية الكبرى وترويع مستوطنيها.

 

مؤشرات عودة ثقافة المقاومة التي بدأت بشائرها تطل مجددا إلى بعض المدن مثل نابلس وجنين والخليل، والهبة العارمة في القدس المحتلة وحيفا والمثلث احتجاجا على حرق الشهيد محمد أبو خضير حيا بعد خطفه على أيدي مستوطنين إسرائيليين هي التي تقف وراء العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، وهو الثالث في غضون خمس سنوات، عدوان يهدف إلى قتل “ثقافة المقاومة” في مهدها وعدم امتدادها إلى الضفة وداخل الخط الأخضر، وإلغاء قبضة السلطة الفلسطينية الحديدة، وتصعيد قيادة جديدة شابة ترفض حالة الهوان الراهنة.

 

أهل الضفة الغربية الذين قدموا آلاف الشهداء أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية يعيشون حالة احتقان تنتظر المفجر حتى تتحول إلى تسونامي غير مسبوق يجتاح السلطة ويقتلع جذور ثقافة الراتب التي زرعتها وعمقت جذورها في التربة الفلسطينية وتتصدى لتغول الاستيطان وإذلال الحواجز، والمسألة مسألة وقت وتوقيت، وما طيران الرئيس عباس إلى القاهرة، وحرصه على وقف إطلاق النار، إلا محاولة لمنع هذا الانفجار أو تأجيله، لأنه يدرك جيدا انه سيكون وسلطته أول ضحاياه.

 

***

 

فعندما يتحول رئيس السلطة من مقاتل في خندق شعبه إلى وسيط نزيه محايد، فاعلموا أن الرجل يعيش عالما آخر ومعزول عن شعبه و بات كل همه السير على الطريق الوحيد الذي يضمن له هدف البقاء وبذل كل جهد ممكن للحيلولة دون لعدم إطالة أمد “انتفاضة الصواريخ” في قطاع غزة وإنهائها بأسرع وقت ممكن، خشية انفجار أهل الضفة انتصارا لدماء أطفالهم في قطاع غزة، وأقول أطفالهم متعمدا، وليس سهوا، لان الدم الفلسطيني واحد، وقد رأى بنفسه حقيقة مشاعر أهل القطاع تجاه سلطته عندما قذفوا وزير الصحة بالبيض الفاسد عندما جاء لزيارتهم، وهي مشاعر لا تختلف كثيرا عن نظيرتها لدى أهل الضفة.

 

فصائل المقاومة في قطاع غزة لم ترفع الرايات البيضاء رغم وحشية القصف الإسرائيلي، والعقوق العربي الرسمي، وتخاذل القيادة في رام الله عن القيام بأي خطوة لحماية شعبها، حتى في الحدود الدنيا بما في ذلك الانضمام لمحكمة الجنيات الدولية لمطاردة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين بات قتلهم للأطفال على شاطئ قطاع غزة ليس بحاجة إلى إثبات.

 

ثقافة المقاومة موجودة في جينات كل مواطن فلسطيني في الضفة وغزة والأراضي المحتلة عام 1948 وفي المنفى، ولن تنجح آلة الدمار الإسرائيلية في اقتلاعها من الشعب مثلما نجحت في اقتلاعها من رجال السلطة في رام الله.

 

قطاع غزة، وباسم كل الشعب الفلسطيني يتحدى الجيش الرابع في العالم وطائراته وصواريخه، ويفرض شروطه لوقف إطلاق النار لالتقاط الأنفاس استعدادا لجولة أخرى، فطالما هناك احتلال ستظل هناك مقاومة.

 

نكتب هذه المقالة بعد انتظار دام تسعة أيام سقط خلالها 250 شهيدا، لهذه الهبة الجماهيرية الغاضبة التي كنا وما زلنا نتطلع إليها من أهلنا في الضفة الغربية للتأكيد على وحدتنا الوطنية في مواجهة عدو متغطرس وفاجر.

 

قطاع غزة يواجه العدوان تحت ذريعة الانتقام لمقتل ثلاثة شبان مستوطنين بعد خطفهم في مدينة خليل الرحمن لان المعتدي الإسرائيلي لا يفرق بين الضفة الغربية وغزة ويساوي بين الجميع في عمليات القتل الثأرية.

 

انه امتحان لإرادة كل الفلسطينيين، وليس هناك خيار آخر غير اجتيازه وبأعلى درجات الصمود والمقاومة والشهامة والرجولة والتلاحم.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 15 مشاهدة
نشرت فى 18 يوليو 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

314,034