محمد الراوي
الاتحاد والداخلية والقوات الشعبية
محمد الراوي
العدد :2427 -
ذكرت بعض وسائل الإعلام، والعهدة عليها لا على الراوي، أن زعيمي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اجتمعا مع وزير الداخلية، وطلبا منه اعتماد إجبارية التصويت في الانتخابات البلدية المقبلة.
«بوالركابي» الذي نقل الخبر إلى «راس الدرب» بدا حانقا وهو يتساءل: كيف لزعيم الاتحاد الاشتراكي أن يطلب من الداخلية إجبار القوات الشعبية على التصويت، مما يعني اتخاذ إجراءات تأديبية في حق المقاطعين.
لو أن طلب الإجبار صدر عن حزب ولد وترعرع في حضن الداخلية ورضع من أثدائها ومازال، لبدا الأمر طبيعيا، ولكن أن يأتي مما تبقى من حزبين «وطنيين» فذاك أمر يستنفر كثيرا من علامات الاستغراب، رغم أنه يتعلق باتحاد لشكر وحده وليس اتحاد الزايدي، واستقلال شباط لا عبد الواحد الفاسي.
فعلى غرار الصرَّار الذي قضى صيفه لاهيا، فلما جاء الشتاء وجد نفسه في أزمة غذاء، كذلك هو حال زعماء هذا الزمان، فقد قضوا شهورا يتبادلون السباب والاتهامات، غير عابئين بمهامهم الدستورية المتمثلة في تعبئة المواطنين لممارسة حقوقهم السياسية، ثم جاءت مؤتمراتهم لتشتت شملهم ويبدأ أبناء الحزب الواحد في تعرية عورات بعضهم البعض.
شباط ولشكر يعرفان حجم «النفخ» في نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة، التي ثبت أنها الأدنى في تاريخ الانتخابات المغربية، ويتوقعان أن تكون المقبلة أدنى منها، على اعتبار أن المقاطعة يمكن أن تتعزز بالمتعاطفين الذين ساءهم الدرك الأسفل الذي هوت إليه الممارسة السياسية في البلاد أو، على حد تعبير بوالركابي حين يتساءل: «هل أصوت على من يستجير بالداخلية ويؤلبها على القوات الشعبية؟»، بل وحتى أنصار تيار «بلا هوادة» وتيار «الزايدي» ليس مستبعدا ألا يلجؤوا إلى المقاطعة وهم أدرى بحجم العبث السياسي.
أمام هذا الوضع المعقد، فإن زعيمي الاستقلال غير المستقل والاتحاد غير المتحد لم يجدا غير حضن الداخلية الحنون طمعا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهما أدرى بأن القوات الشعبية خاب ظنها في من يقودها إلى هاوية التشتت والتفتت.
إجبارية التصويت تعني حرمان المواطن من حق المقاطعة كما هو الشأن في الديمقراطيات العتيدة حيث قد تنزل نسبة المشاركة إلى الخمسين في المائة، وقلما تتجاوز السبعين؛ علما بأن هذه النسبة لا تتجاوز الخمسة والتسعين في المائة إلا في ديمقراطيات «الفيترينا» القائمة في الديكتاتوريات المقنعة.
والغريب أن الداخلية، التي لجأ إليها الزعيمان، لا تملك فريقا برلمانيا يستطيع فرض الإجبار بقانون. ولا ندري لماذا لم يحركا ذراعيهما التشريعيين لسن قانون الإجبار!
وأخيرا، كيف غاب على الزعيمين أن «المحبة ماشي بالسيف» على رأي بوشعيب البيضاوي، وأن إجبارية الداخلية تعني اتخاذ إجراءات تأديبية في حق المقاطعين. لكن هيهات هيهات، فمغاربة اليوم يعرفون أن السلطات لا تستطيع حبس المقاطعين لأن سجوننا، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، تضم أكثر من طاقتها الاستيعابية. ولا يمكن فرض ذعائر مالية، لأن المالية خالية بتعاقب الزيادات. كما لا يمكن تسليط المقدمين على المقاطعين مهددين من لم يصوت بحرمانه من شهادة السكنى وشهادة الضعف لأن أعوان السلطة بذلك سيدخلون في عطالة؛ بل إن المواطن المرغم على التصويت أصبح يعرف كيف يبطل صوته.
وكان الأولى لمن فشل في الحفاظ على تماسك حزبه وفي تعبئة المواطنين لممارسة سياسية سليمة، أن ينسحب بهدوء غير مأسوف عليه، أو أن يتحول إلى إطار في الداخلية بالواضح، بعد انكشاف المرموز.
......................
من يستطيع اليوم تأكيد اتحاد الاستقلال أو استقلال الاتحاد؟ فقد بات واضحا أن لا الأول متحد ولا الثاني مستقل.



ساحة النقاش