http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

محمد الأشهب

 

كاتب و صحفي

 

مصالح متكافئة

 

أبعد من الأزمات بين الدول، مستحكمة كانت أم عابرة، أنها تعزز الشعور الوطني وتدفع إلى استشعار مواطن القوة والضعف على حد سواء. ليس هناك علاقات في صفاء زرقة السماء، وإنما هناك بين الفينة والأخرى سحب تلبد السماوات. والشاطر من يذعن لمنطق المستقبل ولا يتوقف أمام ظلال الماضي والحاضر.
في رقعته الجغرافية وحدوده الطبيعية، لا يبدو المغرب في وضع متحرر من ضغوط الجوار الذي لا يمكن تغييره، وفي إمكانه دائما أن يتجاوز هذه الحواجز ويتطلع بها. فلا الجزائر وقفت عائقا أمام الامتداد الأفقي الذي صاغ تاريخا مشتركا من العلاقات البناءة بين المغرب ومحيطه المغاربي والعربي، إلى درجة أنه كان الدولة الوحيدة التي طلب إليها مجلس التعاون الخليجي الانضمام إلى منظومته الإستراتيجية التي تعمل بتوافق والالتزامات العربية المشتركة.
لا موريتانيا التي يقول المغرب صراحة إنه يرفض إقامة أي كيان أو حواجز معها،ضمن الامتداد الجنوبي للواقع الجيو ـ سياسي، انتصبت بدورها عائقا أمام تعزيز العلاقات المغربية ـ الإفريقية التي يفترض أنها جزء منها، وإن اختارت في بعض الأحيان الالتفات إلى جوار أبعد. ولا إسبانيا، على رغم استمرار الخلاف معها حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين شمال البلاد، حالت دون إرساء أسس جديدة وطموحة في تجديد وبناء علاقات الثقة والحوار والشراكة مع بلدان الاتحاد الأوروبي. فالساحل الأطلسي أيضا لم يحد من استثمار هذه العلاقات التي تجمع بين البعدين المتوسطي والأطلسي.
تنبه المغرب في أواخر القرن الماضي، على خلفية أزمة نشأت مع فرنسا، ولعبت ضمنها السيدة دانييل ميتران حرم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، إلى جانب تنظيمات حقوقية دورا سلبيا في زيادة منسوب التوتر، إلى أنه لا يمكن أن يضع كل البيض في سلة باريس، وكان التوجه نحو رفع صفة احتكار التجارة الخارجية من الجانب الفرنسي، ما فسح المجال أمام إقامة علاقات اقتصادية وتجارية شملت إسبانيا وإيطاليا والبرتغال، كونهم الأقرب في الجوار المتوسطي.
مع ذلك استمرت العلاقات بين باريس والرباط تتلون وتتأثر برذاذ السحب العابرة التي تمطر أزمات وتفاهمات كذلك، ما يعني أن الاستخلاص الذي حذا بالمغرب إلى تنويع شراكاته كان اختيارا في محله. وعزز من أفقه الواسع أن تحولات دولية عميقة دفعت في اتجاه إقامة منظومة متوسطية، لا تلعب ضمنها باريس بالضرورة دورا رياديا، لكنها ليست خارج هذا المسار الذي اضطرت إلى مجاراته ودعمه بقوة واقع الأشياء. فقد انقضى العهد الذي لا يمكن التفكير فيه حول ما يجب القيام به، دون استئذان فرنسا، تماما كما أن الفرنسيين أدركوا أن إقامة علاقات ندية مع مراكز نفوذهم التقليدي أفضل من نهج سياسة الاستعلاء وفرض الشروط.
دول الاتحاد الأوروبي برمتها، وليس فرنسا فقط، تدرك أن مستقبلها رهن الانفتاح على بلدان الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي. وهي لم تمنح المغرب صفة الوضع المتقدم إلا لكونها تدرك أن البحث عن الأسواق الواعدة يوجد خارج القارة الإفريقية التي استنفذت إمكاناتها في الانفتاح على جوارها الشرقي. واليوم يبدو الاتحاد الأوروبي غارقا في أزمة أوكرانيا، لأنه تعامل معها بطريقة لم تضع في الاعتبار مصالح روسيا الأقرب إلى أوكرانيا، وكان من نتيجة هذا المنعطف غير المحسوب أن الحليف الأمريكي أعرض عن مسايرة التوجهات الأوروبية، غير أن ما يعنينا من تداعيات هذه الأزمة أن الانفتاح على عوالم جديدة، وفي مقدمتها روسيا والصين لا يناقض جوهر المبادئ التي بنيت عليها محاور الشراكة المغربية ـ الأوروبية. وما من شيء يحول دون نقل التجربة إلى آفاق أرحب، كما كان عليه الحال في العلاقات المغربية ـ الأمريكية وفي الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ودول مجلس التعاون الخليجي.
منطقيا انهارت الكثير من الحواجز التي كانت تؤطر العلاقات الدولية، من منظور إيديولوجي، الكل يشترك في توصيف الأعداء الحقيقيين للمجتمع الدولي والإنساني المتمثلين في الإرهاب والفقر والتخلف وأنواع المعضلات الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان المغرب اهتدى إلى انفتاح أشمل قبل انقشاع سحب العولمة الكاسحة. فأحرى به أن يمضي قدما في فترة تحتل فيها الأزمات الاقتصادية وإشكالات التنمية، والإفادة من التقدم التكنولوجي والتعايش السلمي السياسي مع مختلف العوالم مراكز الصدارة. فالمال كما الاقتصاد والتقدم والرخاء لا إيديولوجية له.
في ذروة تصاعد حرب الصحراء، حين كان السلاح السوفياتي والخبرة الكوبية والمخططات العالمية الحمراء تستحوذ على الاهتمام، أقام المغرب علاقات اقتصادية وتجارية مع الاتحاد السوفياتي شملت «اتفاقية القرن» التي همت تصدير الفوسفاط ومشتقاته، واليوم لا يبدو في غضون الانفتاح الروسي على العالم أن هناك ما يحد من هذا التقارب الذي تحتمه لغة الدفاع عن المصالح. فالأوروبيون والأمريكيون والإيرانيون على رغم الطابع المحافظ لميولهم الدينية أقاموا المزيد من جسور التعاون مع روسيا الاتحادية. ولولا هذا التعاون لما وجدت الدول الغربية بيدها الأوراق التي تهدد بها موسكو برسم فرض العقوبات.
غير أن هذا الانفتاح لا يجب أن يفهم خارج نطاق الضرورات التي تحتمها المصالح المشتركة، كي لا يبقى المغرب أسير شروط مجحفة في علاقاته الدولية. لم ينته عصر الهيمنة كما يعتقد كثيرون ولكن بعد عصر ترشيدها إلى إيقاع المصالح المتكافئة.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 50 مشاهدة
نشرت فى 7 يوليو 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,673