اغتيال الحريري.. استهلكت المحكمة 15 عاما فجاء حكمها بلا لون
<!--<!--
الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٠ - ٠٥:٣٧ بتوقيت غرينتش
15 عاما مرّوا على اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري. 15 عاما من الاستهلاك السياسي والمذهبي والطائفي في لبنان. 15 عاما من استخدام ورقة الاغتيال في بازار المزايدات السياسية للقوى التي استفادت من الجريمة طوال عقد ونصف. 15 عاما من استغلال دماء الحريري بعد أن دفن المستفيدون من موته العدالة في 14 شباط فبراير 2005. بعد كل ذلك جاء حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باهتا بدون لون ولا طعم فأضاع العدالة التي يطالبون فيها وأسقط مصداقية لطالما تبجحوا بها.
العالم - قضية اليوم*حسين الموسوي - العالم
الحديث في حيثيات حكم المحكمة النهائي يحتاج إلى صفحات كثيرة وخبراء في القانون، لكن قراءة بسيطة للحكم تظهر الاتي:
* الحكم الذي برأ ثلاثة من المتهمين وأدان الرابع هو سليم عياش، اعتمد في أساسه القانوني على أدلة ظرفية غير حسية. بمعنى أنّه اعتمد على اتصالات قام بها عياش أثناء وقوع جريمة الاغتيال أو قبلها. هذا الدليل بكل بساطة يمكن أن يحصل مع آلاف الأشخاص أي أنّه يمكن أن يكون كثيرون اتصلوا بأرقام محددة في الفترة هذه وهذا لا يعني أنهم متورطون في اغتيال الحريري.
إضافة إلى ذلك لم تظهر المحكمة محتوى الاتصالات التي تم اعتراضها وزعم الإدعاء أنّ عياش قام بها. والتسجيلات التي قدمها الإدعاء "تبيّن" ولا تكشف بصراحة ووضوح. بمعنى أنها تخضع لتقدير نفسي وسياسي وليس تفسيرا علميا جنائيا (القرار الإتهامي للأشخاص الأربعة يقوم على استنتاج واستدلال منطقيين وهو ما يبعد صفة الدليل القاطع في هذا الاطار).
* المحكمة ومنذ تشكيلها قبل 11 عاما (تشكلت في العام 2009) لم تحقق ولم تنظر في أي احتمالات أخرى قد تكون أكثر واقعية لعملية اغتيال الحريري. فهي لم تنظر في احتمالية تورط كيان الإحتلال الإسرائيلي في الإغتيال ولماذا كانت طائرة المراقبة الإسرائيلية تحلق في الأجواء اللبنانية طوال أيام ما قبل الإغتيال. ولم تنظر المحكمة طالما أنّها بنت حكمها على قيام المتهمين الأربعة بمراقبة الحريري (على حد زعم الإدعاء) لم تنظر في فرضية مراقبة الكيان الإسرائيلي للحريري طوال أشهر والصور موجودة وكشف عنها حزب الله الذي اعترض تسجيلات كاميرات مراقبة خاصة بالطيران الإسرائيلي الذي كان يراقب الحريري.
* المحكمة لم تنظر في فرضية تورط السعودية في الاغتيال خاصة وأنّ المقربين من الحريري وبعض مستشاريه أكدوا أنّ الأخير كان على تقارب كبير جدا مع حزب الله وتحديدا السيد حسن نصرالله في آخر أيامه ولا يخفي هؤلاء تعهد الحريري للسيد نصرالله بأنّه إذا أجبر على التوقيع على نزع سلاح المقاومة فسيترك السياسة ولن يوقع. وهذا يعتبر دافعا قويا لأن يتم اغتياله من قبل السعوديين على قاعدة أنّ المحكمة بررت في سياق حكمها أنّ الحريري يشكل خطرا على سياسات حزب الله وسوريا. بينما الواقع أنّه كان متعارضا مع المحور الآخر وعلى رأسه السعودية.
* لماذا لم تنظر المحكمة ولم تشر في حيثيات حكمها المكون من 2600 صفحة إلى دور اللواء "وسام الحسن" مدير شعبة المعلومات. خاصة وأنّ الحسن كان الوحيد الذي يعلم بمكان والطريق الذي سيسلكه موكب الحريري يوم الاغتيال كونه كان مسؤولا عن فريق حمايته؟ لماذا لم يتم التحقيق مع الحسن، ولماذا لم تنظر المحكمة التي وسعت نطاق عملها للنظر في اغتيالات أخرى وقعت بعد اغتيال الحريري ولماذا لم يشمل عملها اغتيال الحسن في العام 2012، خاصة وان وسام الحسن كان يمتلك الكثير من المعلومات والحقائق عن اغتيال الحريري لاسيما لماذا ترك مهمته في حراسة الحريري قبل وقت قصير من الاغتيال بحجة ذهابه الى الجامعة علما أنها كانت المرة الأولى التي يترك فيها مهمته لأي سبب كان. ولماذا رقيت رتبته العسكرية بعد الاغتيال وتم تقديم بعض شبكات الجواسيس للاحتلال الإسرائيلي له لينسب إليه إنجاز يبعد الشبهة عنه في اغتيال الحريري؟
كل هذا يدفع باتجاه عدد من الاستنتاجات السياسية
أولا= حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جاء مسيسا وتائها وضائعا ومرتبكا وهشا، وحاول اللعب على كل الخطوط لدرجة انه لم يعط حكما قانونيا وكان أقرب إلى تفسير سياسي مراهق وغير متمرس
ثانيا= هناك أمر في غاية الأهمية هو إقرار المحكمة بأنّه لا دليل لديها على أنّ حزب الله أو سوريا لهما دور في اغتيال الحريري. وهذا الإقرار ليس بدافع المصداقية، إنما بدافع غياب الدليل لأن هذا السيناريو غير واقعي في الأصل. ولو كان لدى الإدعاء أو المحكمة أي إشارة ولو كانت غير حسية وكانت نظرية وخاضعة لتفسيرات سياسية لكانت المحكمة بنت عليها لاتهام حزب الله. وهذا يعني أنّ المحكمة ومن حيث لا تدري ومن حيث لا تقصد أكدت المؤكد وهو براءة حزب الله في هذه القضية.
ثالثا= أكثر من 700 مليون دولار دفعتها الدولة اللبنانية لتمويل المحكمة وهي في الواقع ثمن قرار لم يقدم ولا يؤخر. وبالتالي يطرح سؤال حول جدوى المحكمة منذ البداية إلّا إذا كانت وظيفتها إعطاء طابع قانوني لعملية استهداف حزب الله ترافقا مع حملات شرسة يتعرض لها من المحور الإسرائلي العربي أو محور الناتو الشرق أوسطي...
أما لماذا أتت إدانة سليم عياش، فالموضوع لا يخرج بدوره من البازار السياسي الذي شهدته قضية اغتيال الحريري طوال 15 عاما. ولن يكون مستغربا الزج بموضوع عياش في محاولة للضغط على حزب الله للحصول على تنازلات هنا أو هناك مستقبلا. لكن ما فعلته إدانة عياش هو ازدراء للمحكمة ولعائلة رفيق الحريري ولمقام رئاسة الوزراء وللبنانيين جميعا، وكأن القرار يقول أنّ هذه الجريمة البشعة التي هزت لبنان وأثّرت عليه سياسيا طوال سنوات نفذها رجل واحد بدافع شخصي وبإمكانيات شخصية. وفي هذا تبرئة لعياش من حيث لم تقصد المحكمة ذلك.
هناك أغنية سياسية ساخرة للفنان زياد الرحباني اسمها "تلفن عياش" أي إتصل عياش. ومن يعرف كلماتها يدرك جيدا أنها تجسيد حرفي وعميق لقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والذي صدر على أساس واحد.. هو "تلفن عياش"



ساحة النقاش